تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الفقيه أبو موسى عيسى بن عبد المنعم الصقلي

ذكر أنه كان كبير الشان، ذا الحجة والبرهان، فقيه الأمة وأمثل الأيمة له في المعاني الأبكار البعيدة مرامي مرامها، والألفاظ التي هي كالرياض جادها هامي رهامها. وقد أورد من كلامه ما يأسو سماعه الكلوم، ويجلو سنا إحسانه العلوم، ويحكي درر الأصداف ودراري النجوم، فمن بديع قوله في الغزل، وهو أحلى من نجح الأمل:

يا بني الأصفَرِ أنتم بدَميمنكمُ القاتلُ لي والمُستَبيح
أمليحٌ هجر من يهواكمُوحلالٌ ذاك في دين المسيح
يا عليلَ الطّرْفِ من غير ضنىوإذا لاحظ قلباً فصحيح
كلّ شيء بعدما أبصرتكممن صنوف الحسن في عيني قبيح

وله:

سلب الفؤادَ من الجوانح غادةٌأدلت إليه بدلِّها المستحكم
عذراءُ تُنسبُ درعها من خدهاوخمارها من ذي ذوائب أسحَم
وعقودُها من نهدِها في شكلِهاوحلاتها من لوني المُتسهِّم
فكأنّها ووشاحَها وخمارَهاوحليَّها للناظر المتوسِّم
شمس توشحت السّنا وتتوجتجنحَ الدجى وتقلّدت بالأنجم

وقال:

يا أملحَ الناس وجهاًجاوزتَ في الحسن حدّكْ
للغصن منك انعطافيكاد يُشبه قدّك
قد كان قلبيَ عنديوالآن أصبح عندك
وكنتُ من قبلُ حراًفها أنا صرتُ عبدَك

وقال في جارية مصفرة اللون، بديعة الحسن:

فضح الهوى دمعي وعيل تصبّريبخريدة ترنو بعَينَي جُؤذَر
صفرا تولّعَ بالبياض لباسهاوخمارها بمعصفرات الأخمُر
فكأنها في دِرعها وخمارها المُبيَضِّ والمحمرّ عند المنظر
ياقوتَة كسيَتْ صفيحةَ فضّةٍوتتوجت صفْحَ العقيق الأحمر

وله من قصيدة طويلة في الرثاء أولها:

جَلّ المصابُ وجُلّ الخطب أولهفالحزن آخرُ ما آتى وأولُه

ومنها:

وكل وجدٍ وإن جلّت مواقعهفقدُ الأخلاءِ إن فكّرت أثكلُه
أبا عليّ ابْنِ عبدِ الله إنّ بناعليك وجْداً غدا أدناه أقتَلُه
هل في السرور وقد أوديتَ من طمعلصاحب أو عديم كنتَ تكفُلُه
كم صاحب نال ما يبغي بجاهكمُعفوا وكم من سرور كنتَ تشمَلُه
قد كان سعيُك في محياكَ أحمدهوذكراك اليوم بعد الموت أجمَلُه

وله من قصيدة في المجون، يصف قول معشوقته، وقد أرسلت إليه:

أشتهي أن أرى له وتَدَ الأرض لنا في بيت الرّجا والسّعادَهْ

وله:

قِفْ باللِّوى المنعَرِجونادِ بالركْبِ عُج
واسألْ سُليمى أين بانَ ركبُها بالدَّلَج
كأنها شمس الضّحىمكنونةٌ في الهودَج
غراءُ تهدي ركبهافي غسق المُدَّلج
فلا يكاد دائبايُخطي سَواءَ المنهج
كأنها في درعهاكافورة بدرُج
لاعبتُها فتيّةبمثلها في منعج
وأحسن الدهر لناإحسان غير محرج
ينعم كلٌ بالذييهواه غير مزعج
من لثم خدٍ أصبحورشف ثغر أفلج
وعضِّ نهد معصروعضُدٍ مُدملج
من عُكَنٍ كأنهاطيُّ رباط المدرج
وفوقها وتحتهامن مركَبٍ ومولِج
كلٌ على كلّ كمارُكِّبَ زوْجا مِسْحَج
في راحتَيْ ريح بليل وظلالِ سجْسَج
كأسُ السّرور بينناصافية لم تُمزَج
حتى أتَتْ من دونِهازعازع في رهَج
هل راجع عهدي بهابالكَرْخ أو بالكرَجِ
هيهات ما في أوبةٍمن طمع لمُرتجي
فدعْ هُديتَ ما مضىوخذْ فُديتَ ما يجي
واسمعْ حديثاً حسَناتقصُر عنه حُجَجي
أبصرتُ بدراً ساعياًبالأرض غير منبَج
وحوله كواكبٌتُضيء مثلَ السُّرُج
بيضاءُ كالثلج تُريوجهاً كصبح أبلج
مُنَعّماً مُكلّلابغيهَبٍ من سبَج
وحولَها لداتُهاعوابثٌ بالمُهَج
يفتكْنَ بالألحاظ فتكَ البطل المدجّج
يجذب خصراً مُخطَفابكفَلٍ مرَجْرَج
كمثل زِقٍّ ناقصٍعلى حمار أعرج
يشفَعُه صدرٌ لهاكأنّه في نهَجِ
مواخِرُ الفُلكِ غدتْزخّارَة في لُجَج
تبسِمُ إذ تبسِمُ عنذي أشرٍ مفلّج
يا ليتني قبّلتُهففي لماهُ فرَجي
تُصبي الحليم ذا النُهىبذي احْوِرارٍ أدعَج
وبِدلالٍ فاحممُعقرَبٍ مصولَج

ومن رسائله في وصف الخط: ورد عليه كتاب فلان أطال الله بقاء فلان لفلك السيادة والكرم، وعماداً تعلو به الهمم، ليشيد من عرصات الفضل دارسها، ويبين من أعلام المجد طامسها، وينير من آفاق المعالي حنادسها، ويبسط من أوجه الليالي عوابسها، فنظرت منه الى خط موصوف، معتدل الحروف، أملس المتون، مفتح العيون، لطيف الإشارات، دقيق الحركات، لين المعاطف والأرداف، متناسب الأوائل والأطراف، يروق العيون حسنه وشكله، ويعجز المحاول بيد التناول صنعه وفعله، متضمناً معاني كأنها رقية الزمان، وصُمتَةُ الأمان، لو كانت مسارب كانت الحياة، أو مشارب فادت النجاة، فأوجب تأملي لها تألبي، واستنار بفكري فيها تعجبي، قلت سبحان ربي القيوم، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون أكل هذا الإحسان في طاقة الإنسان، ما أرى ذلك في الممكن والإمكان، ولئن كان ذلك فنحن الأنعام يشملنا اسم الحيوان، ثم رجعت الى نفسي، وثاب إليّ حسي، فقلت عند سكون جاشي، وثبوت طيشي، وإفراخ روعي وذهاب دهشي: إن من دبّ في الفصاحة ودرج في وجرها ورضع بلبانها، وجرع من درّها، وصاحب السادات مقتبلاً، والأمجاد مكتهلاً، لخليق أن يحل الفضل وسائطه ويجمع قطريه، بل يستولي على غواربه ويملك شطريه.

وله من رسالة أسقط فيها حرف الألف واللام:

رقعتي نحوك سيدي وسندي، وذخري وعضدي، ومن بذّ وبزّ، جمع من سبق وعزّ، فذّ دهره، ووحيد عصره، وغريب زمنه، ونسيج وحده، مدّ ربي مدتك في مربوب نعمته، ومدد نصرته، وكبت من نكب عن ودك، بعظيم ذخره ومخوف زجره، وصيره موطئ قدميك، وصريع نكبته بين يديك، وسوّغك من ضروب نعمه بهنيّه ومريّه، ومتعك من موفور قسمه بحميده ومزيده، كتبت، وكبدي تسعر بجحيم ودك، ومهجتي تصهر بسموم توقك، ونفسي تجذر من فظيع بعدك ونفسي يحصر بوجيع فقدك:

وكنتُ من بعدُ غير مَيْنٍقريرَ عيش قريرَ عين
حتى رمتْني صُروف دهريعن قوس غدْرٍ بسهم بيْنِ
فشتّتَتْ زُمرَتي وهدّتْركني ومرّت تجري بحَيْني
عجبت من عيشتي وعمريوكيف بي عشتُ بين ذَيْن

فصل له من رقعة: لولا أن ذنوب الحبيب تصغر عن التأنيب، وقدر الرئيس يكبر عن اللوم والتعنيف، لكان لنا وللرئيس مجال واسع، ومتسع بالغ، فيما أتاه، إن لم نقل جناه، وفيما وعد فأخلف، إن لم نقل الذنب الذي اقترف، ومهما أجللنا قدره عن أن ينسب إليه خلف الوعد وإن كان جليلاً، ما عذره إن لم يكتب بوجه العذر أنه ما وجد سبيلاً، وقد كنا نتوقع تداني العناق، فصرنا نقنع بأماني التلاق:

فجميلُ الصبر والصفح بهذا الشأن أولى
قُل ومن شاء المصافاة على ذا الشّرط أوْ لا

وذكر المهم، آثر وأهمّ، فشوق البعيد شديد، وسؤال القاصي أكيد، وكلاهما على الأيام يزيد، فكِلهما الى يوم جديد.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.