من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
علي بن عبد الرحمان بن أبي البشر الكاتب الصقلي الأنصاري
سمّاه أبو الصلت في رسالته من أهل العصر، وأثنى على بلاغته بعد ذكر أبيات لنفسه في وصف النيل كتبها الى الأفضل ليلة المهرجان وهي:
أبْدعتَ للناس منظراً عجبالا زلتَ تُحيي السّرورَ والطّرَبا
جمعتَ بين الضّديْنِ مُقتدراًفمَنْ رأى الماء خالط اللهبا
كأنّما النّيلُ والشّموعُ بهأفْقُ سماءٍ تألّقتْ شُهُبا
قد كان في فِضّةٍ فصيّرهُتوقُّدُ النارِ فوقَه ذهَبا
قال: وقد تعاور الشعراء وصف وقوع الشعاع على صفحات الماء. ومن مليح ما قيل فيه قول بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن علي بن أبي البشر الكاتب:
شرِبْنا مع غُروب الشّمسِ شمسامُشَعشَعةً الى وقتِ الطّلوعِ
وضوءُ الشمسِ فوقَ النّيل بادٍكأطرافِ الأسنّة في الدّروعِ
ولأبي الصلت في المعنى:
بشاطئِ نهرٍ كأنّ الزّجاجَوصفْوَ اللّجينِ به ذُوِّبا
إذا جمّشَتْه الصَّبا بالضُحىتوهّمْتَه زرَداً مُذْهبا
ولابن خفاجة الأندلسي:
والرّيحُ تعبثُ بالغُصونِ وقد جرَىذهبُ الأصيل على لجين الماءِ
وقرأت في مجموع شعر نظماً حراً، يفوق ياقوتاً ودراً، منسوباً الى أبي الحسن بن أبي البشر، مشتملاً من المعاني على الغرر، فمن ذلك قوله في راقصة:
هيفاء إن رقصت في مجلس رقصتقلوبُ مَنْ حولها من حِذْقها طربا
خَفيفة الوطءِ لو جالت بخطوتهافي جفن ذي رمدٍ لم يشتكِ الوصبا
وقوله:
لنا في كلّ مُقترَح وصوتٍمناجاةٌ بأسْرار القلوبِ
فنفْهمُ بالتّشاكي ما نُلاقيبلا واشٍ نخافُ ولا رقيب
وقوله:
وساقٍ كمثل الغزال الرّبيببصيرِ اللّحاظِ بصيدِ القُلوبِ
جسَرْتُ عليهِ فقبّلتُهمُجاهرةً في جُفونِ الرّقيب
فلما توسّد كفَّ الكرىوأهداه لي سُكرُه من قريب
تعجّلتُ ذنباً بفتكي بهولكنّه من مليح الذّنوبِ
وقوله:
كتبتَ فهلاّ إذ ردَدْتَ جوابيجعلتَ عنّي مكان عتابي
لئِنْ كان ذنباً أنّني لم أزركمُلفَقْدي للقياكم أشدُّ عِقابِ
وهذا كقول الصابئ:
إن يكن تركي لقصْدِكَ ذنبافكفى بي ألاّ أراك عقابا
وقال أبو الحسن بن أبي البشر:
اللهُ يعلم كيف سرتُوما لقيتُ وكيفَ بتُّ
حذَراً عليكَ وُقيتُ فيكمن الحوادثِ ما حذرْتُ
إن لم تمُنَّ بوصف حالِكَ لي بخطِّ يديك متُّ
وقال، ومما يقرأ على خمسة أوزان:
وغزالٍ مُشنَّفٍقد رثى لي بعدَ بُعدي
لمّا رأى ما لقيتُ
مثل روض مُفوَّفٍلا أبالي وهو عِندي
في حُبّه إذْ ضنيتُ
وجهه البدرُ طالعاًتاه لمّا حاز ودي
فإنني قد شَقيتُ
في قضيب مُهفهَفٍلذّ فيه طولُ وجْدي
جفا فكدت أموتُ
مانع غيرُ مُسعِفٍليس يأبى نقْضَ عهدي
وليس إلا السّكوتُ
جائر غير مُنصفٍحالَ عمّا كان يُبْدي
إنّ الوِصالَ بُخوتُ
وقال:
أتراني أحْيا الى أن يعودانازحٌ لم يدعْ لعيني هُجودا
كيف أرجو الحياةَ بعد حبيبكان يومي به من الدهر عيدا
كنت أشكو الصّدود في القرب والآن قد استغرق البِعادُ الصّدودا
أشتهي أن أبوح باسمك لكنلقّنَتْني الوُشاة فيك الجُحودا
وقال:
الى الله أشكو دَخيلَ الكمدْفليس على البُعد عندي جلَدْ
ومنْ كنتُ في القرب أشتاقهُفكيف أكون إذا ما بعُدْ
وقال:
إليك أشكو عيوناً أنت قلتَ لهافيضي فقد فضحَتْني بين جُلاّسي
وما تركتَ عدوّاً لي علمْتَ بهإلا وقد رقّ لي من قلبك القاسي
فإن رضيتَ بأن ألقى الحِمامَ فياأهلاً بذاك على العينين والرّاسِ
وقال، وقد سئل في إجازة البيت الأخير:
تولّوا وأسرابُ الدّموع تفيضُوليلي طويلٌ بالهموم عريضُ
ولما استقلّوا أسلمَ الوجد مُهجَتيالى عزَماتٍ ما لهنّ نهوض
توقّدُ نيران الجوى بين أضلُعيإذا لاح من برق العِشاء وميض
ولم تبق لي إلا جفون قريحةٌوعظْم بَراهُ الشّوق فهو مهيض
فغنِّ لمحزون جفا النومُ جفنَهفليس له حتى الوصالِ غموض
شجاني مغاني الحي وانشقت العصاوصاح غراب البين: أنت مريض
وقال:
ألم يأنِ للطيف أن يعطفاوأن يطرُق الهائِمَ المُدْنفا
جفا بعد ما كان لي واصلاًوخلّف عندي ما خلّفا
أما تعطفنّ على خاضعلديك يناجيك مستعطفا
إذا كتبتْ يدُه أحرفاإليك محا دمعُه أحرُفا
ولو كنتُ أملك غرْبَ الدموعمنعتُ جفونيَ أن تذرِفا
غراماً بإشعال نار الغراموما عُذرُ صب بكى واشتفى
وقال:
قد أنصف السقمُ من عينيكَ وانتصفافها هما يحكيان العاشقَ الدّنِفا
يا ساحرَ الطرف قد أُغريتَ بي كلَفابرْحاً وصيّرتني أستحسنُ الكلَفا
أظنّ خدّيكَ من جاري دمي اختَضَبالقد تناهيْتَ في قتلي وقد ظرُفا
وقال:
يا سيّئَ القُدرة كم ذا الجفالقد شفا هجرُك بي واشتفى
تُراكَ لم يكفِك ما حلّ بيبعدَك من طول الضّنى أو كفى
وقال مُلغزاً:
اسمُ الذي صيّرني مدنفالمّا انتضى من جفنه مرهَفا
يلعب إنْ رُخِّم معكوسهلأنه قد نسّق الأحرفا
ألم ترَ كيف غدا ثُلثُهجذراً لثلثيه إذ ألِّفا
قد غلب القلب على صبرهوهكذا يخرج إن صُحِّفا
وقال:
يا غزالاً صاغه الصائغُ من حسنٍ وظُرفِ
لا وزهرٍ في رياضغيرِ مبذول لقَطْفِ
ما تعرّضْتُ لريْبٍإنّما نزّهْتُ طرْفي
وقال:
كيف لم يشتعل بنار اشتياقيقلَم لي أبُشّهُ ما ألاقي
كان حلوَ المذاق عيشيَ للقُربِ فأضحى للبُعد مُرّ المذاق
فوَصَبري لآخُذنّ بثاريمن ليالي الفراق يوم التّلاقي
وقال:
هجرتك يا سؤْلَ نفسي وليفؤاد متى تذكري يخْفق
وما ذاك منّي اطّراحُ المَلولولكنه نظرُ المُشفِقِ
أخاف عليكِ فلولاك لمأكن أتّقي جُلّ ما أتّقي
كما تتزكين بَرودَ الشّراب ظمأى مخافة أن تشرَقي
فإن سرّ حاسدَنا بُعدُنافنحن على رغمه نلتقي
ومهما علِمتِ فلا تجهليفإن المُحبّ سعيدٌ شقي
وقال:
عذّبتَ قلبي ببُخلِكفامنُنْ عليّ بوصلكْ
يا علّتي وشقائيماذا لقيت لأجلك
بحُسنِ وجهك إلاأمّنْتني قُبحَ فعلك
أرجو انعطافَك لكنأخاف من طول مَطلِك
نَهاك أهلك عنيمن أجل أهلِك أهلِك
وقال وهذان البيتان يجمعان حروف المعجم:
مُزَرْفَنُ الصّدغ يسطو لحظُن عبثابالخلق جذْلانُ إن تشكُ الهوى ضحكا
لا تعرِضَنّ لوَردٍ فوق وجنتهفإنّما نصبَتْه عينُه شَرَكا
وقال في مغنٍّ:
ولنا مغنٍّ لا يزال يغيظنا ما يفعلُ
صلَف وتيه زائدوتبَظْرُم وتمحّل
غنّى ثقيلاً أوّلاوهو الثّقيل الأولُ
وقال في الشيب والتغزل:
تبلّج هذا الصبح أو كاد يفعلُفأقصَر واستحيى معنّىً مُضلَّل
أتاهُ نذير الشّيب قبل أوانهفأقلع عن لذّاته وهو معجَلُ
فأهلاً بضيف قال هزلي لجدهترفق فإني حين تنزل أرحل
سقى ورعى الله الشبابَ فإنّهعلى ما جنى سترٌ من اللهو مُسبَل
بنَفسيَ من شطّت به غربة النّوىومن هو في لحظي وفكري ممثّل
ومن لجّ قلبي في هواه وغرّنيرضاه فلا يسلو ولا يتبدل
صحوت وعندي من هواه بقيةتعمّ جميع العاشقين وتفضُل
عجبت لطرف قد تضرّجَ من دميفما احمرّ إلا خده وهو أكحل
وما كنت أدري قبل لُقيا لحاظِنابأن لدى الألحاظ سهم ومقتَل
وقال:
يا ذا الذي كل يومٍيزيد عقلي خبالا
ولّهْتَني بك حتىرأيت رُشْدي ضلالا
أدعو عليك وقلبييقول يا ربّ لا، لا
وقال:
ولقد وجدتُ الصبر بعدكمُصعباً وكنت أظنه سهلا
واستعبَرَتْ عيني فقلت لهاهلاّ حذرْتِ الأعيُنَ النُّجْلا
لا مرحباً بالبيْن من أجَلٍتنْأى الحياةُ به ولا أهلا
قد كان لي مُلْكاً دُنوّكمُفالآن أصبح بُعدُكم عَزْلا
وقال:
كيف أعتدّ بلُقيا هاجرقبلما حاول وصلي صرَما
عجبي من سقَمٍ في طرفهيورِثُ السُّقْم ويَشْفي السّقَما
لو تجاسرتُ على الفتك بهلم أعُدْ أقرَعُ سنّي ندَما
أيّ شيء ضرّني لو أنّنيكنت في الحِلّ طرقت الحرَما
أنا عندي من شفى غُلّتهمن حبيب مُسعِدٍ ما أثِما
وقال:
فيه لي جنة وفيه نعيموعذاب أشقى به ونعيمُ
جاءني عائداً ليعلمَ ما بيمن تجنّي هواه وهو عليم
هو يدري ما أوجب السُقمَ لكنليس يدري بما يقاسي السقيم
ثم نادى وقد رأى سوءَ حاليجلّ محْيي العِظام وهي رميم
وقال:
ألا فليُوطِّنْ نفسَه كلّ عاشقعلى خمسة محثوثةٍ بغَرام
رقيبٍ وواشٍ كاشح ومفنِّدٍمُلحّ ودمعٍ واكفٍ وسَقام
وقال:
لا فرّج الله عنّيولا شفى طولَ حُزني
وألهبَ الشّوقُ قلبيوأمكن العجزُ منّي
إن لم أروّحْ فؤاديمن ذا القِلَى والتّجنّي
وقال:
وصلَ الكتابُ وكان آنسَ واصلٍعندي وأحسنَ قادمٍ ألقاه
لا شيء أنفَسُ منه مُهدَى جامعاًشمِلَ المنى إلا الذي أهداه
ففضَضْتُه وجعلت ألثُم كلّ ماكتبَتْهُ أو مرّت عليه يداه
وفهمت مودَعَه فرحت بغِبطةجذْلانَ مبتهجاً بما أدّاه
وعجِبْتُ من لفظٍ تناسق فيه ماأعْلاه ما أجْلاه ما أحْلاه
ولقد غُبِطتُ عليه عِلْقَ مضِنّةٍعُدِمتْ له الأشكال والأشْباه
كالروض باكَرَهُ الحَيا فتفتّحتأزهاره وتضوّعَت ريّاه
كالعقد فُصِّل لُؤلؤاً وزبرجدافتقابلت أولاهُ معْ أُخراه
دُرٌ ترفّعَ قدْرُه عن قيمةمنظومة صُغراهُ معْ كُبْراه
وقال معمى وهو تميم، وموضعه حرف التاء:
اسمُ الذي أضحى فؤادي بهمُعذّباً صبّاً بتعذيبه
إن صيّروا أوّلَه ثانياغدا اسمُه بعضَ صِفاتي به
وقال:
الموت في صحُفِ العشّاق مكتوبُوالهجر مِن قبلُ تنكيدٌ وتعذيبُ
إن طال ليلي فوجه الصّبح مطلعُهُمن وجه من هو عن عينيّ محجوب
من لي بإعلامِه أنّي لغيبتهذيل المدامع في خدّيّ مسحوب
كأنّ أجفانَ عيني من تذكّرهِغصن مَروح من الطّرْفاءِ مهْضوب
طالعتُ كتاباً صنفه بعض فضلاء عصري هذا الأقرب بالمهدية، وذكر فضلاء صقلية.
فمنهم:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع