من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
وكتب بعضهم مناظرة بين البر والبحر
"
قال (البر) يا صاحب الدَّر ومعدن الدُر أطرقت رياضي ومزقت جسوري وأحواضي وأغرقت جثتي ودخلت جنتي وتلاطمت أمواجك على جنتي وأكلت حزائري وجروفي وأهلكت مرعى فصيلي وخروفي وأهزلت ثوري وحملي وفرسي وجملي وأجريت سفنك على أرض لم تجر عليها ولم تمل طرف غرابها إليها وغرست أوتادها على أوتاد الأرض وعرست في مواطن النفل والفرض وجعلت مجرى مراكبك في مجرى مراكبي ومشى حوتك على بطنه في سعد أخبية مضاربي وغاص ملاحك في ديار فرحي وهاجرت من القرى إلى أم القرى وحملت فلاحي أثقاله على القِرى وقد تلقيتك من الجنادل بصدري وحملتك إلى برزخك على ظهري وقبلت أمواجك بثغري وخلقت مقياسي فرحاً بقدومك إلى مصري وقد حرت وعدلت وفعلت فلعلك تغيض ولا يكون ذهابك عن ذهاب بغيض
أو تفارق هذه الفجاج وتختلط بالبحر العجاج وإن لم تفعل شكوناك إلى من أنزلك من السماء وأنعم بك علينا من خزائن الماء؟
إذا لم تكن ترحم بلاداً ولم تغثعباداً فمولاهم يغيث ويرحمُ
وإن صدرتْ منهم ذوبٌ عظيمةٌفعفو الذي أجراك يا بحر أعظمُ
نمدُّ إليه أيدياً لم نمدّهاإلى غيره والله بالحال أعلم
قال يا بر يا ذا البرّ هكذا تخاطب ضيفك وهو يخصب شتاءك وصيفك وقد ساقني الله إلى أرضك الجزر ومعدن الدر والخزر لأبهج زرعها وخيلها وأخرج أبها ونخيلها وأكرم ساكنك وأنزل البركة في أماكنك وأثبت لك في قلب أهلك أحكام المحبة وأنبت بك لهم في كل سنبلة مائة حبة وأحييك حياة طيبة يبتهج بها عمرك الجديد ويتلو (كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىَ) ألسنة العبيد وأطهرك من الأوساخ وأحمل إليك الإبليز فأطيبك به من عرق السباخ وأنا هدية الله إلى مصرك وملك عصرك القائم بنصرك ولولا بركاتي عليك ومسيري في كل مسرى إليك لكنت وادياً غير ذي زرع وصادياً غير ذي ضرع.
سريتُ أنا ماءُ الحياة فلا أذىإذا ما حفظتُ الصحب فالمالُ هينُ
فكن خضراً يا بر واعلم بأننيإلى طينك الظمآن بالري أحسن
وأسعى إليه من بلادٍ بعيدةٍ=وأحسن أجري بالتي هي أحسنُ
إذا طاف طوفاني بمقياسك الذييسرُّ بإتيان الوفاء ويعلنُ
فقم وتلقّاه ببسطتك التيلروضها فضلٌ على الروض بينُ
ولعمري لقد تلطف (البر) في عتابه وأحسن ودفع في جوابه بالتي هي أحسن وقد اصطلحا وهما بحمد الله أخوان متضافران على عمارة بلاده ونشر الثروة ونمو الخيرات بين عباده فالله تعالى يخصب مرعاهما ويحرسهما ويرعاهما.
"
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع