من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
النابغة الجعدي
هو أبو ليلى حسان بن تعبد الله الجعدي العامري أحد القدماء المعمرين ولشعراء المخضرمين، ووصاف الخيل المشهورين.
قال الشعر في الجاهلية ثم أجبل دهراً، ثم نبغ في الشعر عند ظهور الإسلام وبعده: ولذلك سمي النابغة، وهو ممن فكر في الجاهلية، وأنكر الخمر وما تفعل العقل، وهجر الأزلام والأوثان، وذكر دين إبراهيم، وصام واستغفر، ووفد على رسول الله ﷺ.
وعاش طويلاً في الإسلام، فأقام زمناً مهاجراً حتى أيام عثمان ﵁ فأحس بضعف في نفسه، فاستأذن عثمان في الرجوع إلى البادية فأذن له، ثم كانت خلافة علي شهد معه وقائعه صفين، وظاهره بيده ولسانه، ونال من معاوية وبني أمية، ومكان بأصبهان سنة هـ? عد أن عمّر مائة وثمانين سنة.
شعره: كان النابغة الجعدي شاعراً مطبوعاً في الجاهلية والإسلام، وهو أول من سبق إلى الكناية في الشعر عن اسم من يغني إلى غيرها وتبعه الناس بعد، قال:
أكنى بغير اسمها وقد علم للهـ خفيات كلّ مكتتم
وكان ممن يصون الخيل فلا يلحق له في ذلك غبار، حتى ضرب به المثل قال الأصمعي: ثلاثة يصفون الخيل فلا يقاربهم أحد: طفيل الغنوي وأبو داود الإيادي، والنابغة الجعدي، وله في الفخر والهجا والمديح والرثاء شعر كثير ومن أشرفه قصيدته التي مدح بها الرسول الكريم وهي:
خليلي عوجا ساعةً وتهجّراونوحا على ما أحدث الدهر أو ذرا
ولا تجزعا إن الحياة ذميمةفخفَّات لروغعات الحوادث أوقرا
وإن جاء أمر لا تطيقان معهفلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألم تريا أن الملامة نفعهاقليل إذا ما الشيء ولّى وأدبر
تهيج البكاء والندامة ثم لاتغير شيئاً غير ما كان قدرا
أتيت رسول الله إذا جاء بالهدىويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
أقيم على التقوى وأرضي بفعلهاوكنت من النار المخوفة.. أحذرا
ومنها في الفخر:
وإنا لقوم ما تعوّد خيلناإذا ما التقيا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنامن الطعن حتى نحسب الجون أشقرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودناوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولا خير في حلم مجدنا إذا لم تكن لهبوادر تحمي صفوة أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولما سمع رسول الله ﷺ (بلغنا السماء البيت) قال فأين المظهر يا أبا ليلى ثقال الجنة، وقال إن شاء الله، ولما أتم قصيدته قال له الرسول أجدت لا يفضض اله فاك فأتت عليه مائة سنة أو نحواها وما انفضت من فيه سن.
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع