من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
الخنساء
هي السيدة تماضر الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، أرقى شواعر العرب، وأحزن من بكى وندب.
كان أبوها عمرو، وأخواها معاوية وصخر، وكانت هي من أجمل نساء زمانها فخطبها دريد بن الصمة فارس جشم، فرغبت عنه، وآثرت التزوج من قومها فتزوجت منهم، وكانت تقول المقطعات من الشعر فلما قتل شقيقها معاوية ثم أخوها لأبيها صخر، جزعت عليهما جزعاً شديداً، وبكتهما بكاءً مراً، وكان أشد وجدها على صخر: لأنه شاطرها هي وزوجها أموالها مراراً ولما جاء الإسلام
وفدت مع قومها على النبي ﷺ، وأسلمت وكان يعجبه شعرها ويستنشدها ويقول هيه يا خناس، ويومئ بيده.
وما فتئت تبكي صخراً قبل الإسلام وبعده حتى عميت، وبقيت إلى أن شهدت حرب القادسية مع أولادها الأربعة، فأوصتهم وصيتها المسرة وحضتهم على الصبر عند الزحف فقتلوا جميعاً، فقال: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، ولم تحزن عليهم حزنها على أخويها، وتوفيت سنة هـ?.
شعرها: أغلب علماء الشر على أنه لم تكن امرأة قبل الخ=نساء ولا بعدها أشعر منها، ومن فضل ليلى الأخيلية عليها لم ينكر أنها ارثى النساء وكان شار يقول لم تقل امرأة شعراً إلا ظهر العف فيه لقيل وكذلك الخنساء فقيل تلك التي غلبت الفحول، ولم يكن شأنها عند شعراء الجاهلية أقل منه عند شعراء الإسلام فذلك النابغة الذبياني يقول لها وقد أنشدته بسوق عكاظ قصيدتها التي مطلعها:
قذى بعينيك أم بالعين عوّارأمة ذرَّفت إذ خلت من أهلها الدارُ
لولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني قبلك لقلت أنك اشعر من بالسوق، وسئل جرير من أشعر الناس قال أنا لولا الخنساء، قيل فبم فضلتك قال بقولها:
إن الزمان (وما يفنى له عجبُأبقى لنا ذنباً واستوصل الراس
إن الجديدين في طول اختلافهمالا يفسدان ولكن يفسد الناس
ومن جيد شعرها ترثي أخاها صخراً:
أعيني جودا ولا تجمداألا تبكيان لصخر النَّدى
ألا تبكيان الجريء الجميلألا تبكيان الفتى السّيدا
رفيع العماد طويل النّجاد ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهمإلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهممن المجد ثم انتمى مصعدا
يحملّه القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا
وإذن ذكر المجد ألفيتهتأزّر بالمجد ثم ارتدى
ومن قولها ترثيه أيضاً:
ألا يا صخر إن أبكيت عينيفقد أضحكتني زمناً طويلاً
دفعت بك الخطوب وأنت حيٌّفمن ذا يدفع الخط الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيلرأيتُ بكاءك الحسن الجميلا
ومن بديع قولها:
يذكرني طلوع الشمس صخراًوأذكره لكل غروب شمس
فلولا كثرةُ الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
ولكن لا أزال أرى عجولاًونائحة تنوح ليوم نحس
هما كلتاهما تبكي أخاهاعشية رزئه أو غبّ أمس
وما يبكين مثل أخي ولكنأسلي النفس عنه بالتأسيّ
فقد ودّعت يوم فراق صخرأبي حسان لذاتي وأنسي
فيا لهفي عليه ولهف أميأيصبح في الضّريح وفيه يمسي
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع