تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

التنبيه الثالث

قوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ

ظاهر الآية دال على أن الاستواء إنما كان بعد خلق السموات والأرض وإكمال أحوالهما، فأما خلق العرش فليس فى ظاهر الآية ما يدل على تعين وقت خلقه فبقى الأمر فيه على الاحتمالين حتى يدل دليل شرعى على ذلك، والعرش والكرسى من أعظم المخلوقات، لما خصهما الله تعالى من عظم الخلق، ولما اشتملا عليه من الأسرار الإلهية، والحكم المصلحية التى لا يحيط بعلمها إلا الله تعالى.

والاستواء فيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى الاستيلاء يقال: فلان الملك قد استوى على ملكه، أى استولى عليه وأحاط به فلا يشذ عنه منه شىء، وثانيهما: أن يكون الاستواء على حاله من غير تأويل من قولهم: الأمير استوى على سرير مملكته أى تمكن فيه، وتحقيقه، قعد عليه قعود المتمكن المستقر، لا قعود القلق المنزعج، وكلاهما حاصل فى حق الله تعالى، فعلى المعنى الأول أن الله استولى على العرش وملكه وأحاط به علما واقتدارا، وعلى الوجه الثانى يكون على جهة التخييل كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

وتقرير التخييل، أن الحالة الحاصلة للملك فى الاستقرار والتمكن على تخت مملكته، وسريره، هى حاصلة لله تعالى على عرشه، كما فى قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ

كما سنقرره فى التخييل ونوضح أمثلته بمعونة الله تعالى.

وأتى بثم، دون الفاء ليدل بها على التراخى، ولأن نظام الآية معها يكون أسلس وأسهل والسبك بها أتم وأعجب، وهذا يذوقه من جاد ذوقه وسلم طبعه عن عجرفة الكلام، وزال عن العنجهانية فى القول.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.