من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
التنبيه الرابع
قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
ظاهر الآية ههنا دال على أن الغاشى هو الليل لقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
فالليل إذا غاش للنهار يطلبه، فهذا هو الظاهر من الآية ويحتمل أن يكون الغاشى هو النهار، وأن الغشيان مضاف إليه دون الليل، وأن الليل لا يغشى النهار، بخلاف التكوير فى قوله تعالى:
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
وبخلاف الإيلاج فى قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
فإن التكوير والإيلاج يصلح أن يكون فى كل واحد منهما كما فى ظاهر هاتين الآيتين، والسر فى ذلك هو أن التكوير هو الجمع، يقال: كور الليل، إذا جمعه ومنه كارة القصار، والإيلاج هو الإدخال يقال:
ولج فى بيته، إذا دخل فيه، وهذان المعنيان يصلحان فى كل واحد من الليل والنهار، لأن الليل يجمع على النهار كما يجمع النهار على الليل، وهكذا الإيلاج، فإن الليل يدخل فى النهار، كما يدخل النهار فى الليل. بخلاف الغشيان، فإنه مخصوص بالنهار، والسر فى ذلك هو أن النور أمر وجودى محقق، والظلمة أمر عدمى، وحقيقتها آئلة إلى أنها عدم النور، فهكذا تقول: الليل حقيقة آئلة إلى عدم الإضاءة، والنور حقيقة آئلة إلى حصول الإضاءة والإنارة، وإذا كان الأمر كما قلناه من ذلك صح وصف النهار بالغشيان لظلمة الليل، لأنه يطلع بالإنارة فيغشى الليل بإذهابه، ووصف النهار بكونه غاشيا استعارة حسنة، إذ الغشاء هو الغطاء فنزله أعنى النهار فى إذهابه لظلام الليل، منزلة من يغطى الشىء بالغشاوة ويستره، لأنه يذهب ظلمته ويزيلها بطلوعه، ويمحوها بإنارته.
ويجوز أن يكون من باب التشبيه، ولهذا فإنك لو أظهرت أداة التشبيه لحسن ذلك، فتقول النهار يذهب ظلمة الليل عند غشيانه كالثوب يغشى جسد الإنسان ويشتمل عليه عند ارتدائه به، وتوجيهه على جهة الاستعارة ألطف بمعناه، وأرق لألفاظه من التشبيه لأن الاستعارة فيه أظهر، لأن المستعار منه مطوى الذكر، فلهذا حسن موقعها وأنت إذا أظهرت أداة التشبيه تكاد تنقص من بلاغته، وتغض من موقع فصاحته وإنما قال: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
ولم يقل يلبس ولا يخلط الليل بالنهار، لأن لفظة التغشية، أبلغ فى الإحاطة والشمول من لفظة الإلباس والاختلاط، مع ما فيها من الرقة واللطافة، والخفة والسلاسة، وهى مؤذنة أيضا بشدة الاتصال والالتحام بين الغشاوة، والمغشى،
ومصداق ما قلناه قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
فشبه انفصال الليل من النهار بسلخ الأديم عن الشاة، وهذا يدلك على عظم اتصال الليل بالنهار وشدة التحامه به، ولهذا فإنك ترى الفجر عند طلوعه، نوره فى غاية الامتزاج والاختلاط بظلام الليل، فلا يزال النهار فى قوة، وغلبة، وظهور، حتى يستولى عليه بالإنارة فيمحوه ويزيله، فالسلخ مؤذن بشدة الالتحام، كالجلد، والغشيان مؤذن بعظم الاستيلاء والاشتمال، وكلاهما مشعر بالاتصال البالغ.
يُغْشِي اللَّيْلَ
جملة فعلية خبرية حال من الضمير فى خلق، ولهذا جاءت من غير واو، دالة على اندراجها تحت ما تقدم يَطْلُبُهُ
جملة أيضا خبرية حال من النهار، ومجيئها من غير واو تنبيه على أنها موضحة للغشيان ومفسرة له، لأنه لما جعل النهار غاشيا لظلمة الليل بالإنارة جعل النهار كالطالب لظلام الليل بالسرعة فى الإزالة والمحو، فكأنه قال: أغشيت الليل النهار، وجعلت النهار طالبا له بالسرعة والإحثاث، ويحتمل أن يكون (يطلبه حالا من الليل، أى جعلت الليل طالبا للنهار يستدعيه لإزالة ظلمته وكشف سواده بالإنارة والضوء، والأول أعجب، لأجل تقدم قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
فلما كان النهار غاشيا لظلام الليل، كان هو الطالب لإزالة ظلامه، وانتصاب حَثِيثاً
إمّا على الحال من النهار، أى مسرعا عجلا، وإما على الصفة لمصدر محذوف، أى طلبا حثيثا، وكلا المعنيين لا غبار على وجهه، وإنما جاء قوله: خَلَقَ
على صيغة الماضى، وقوله: يُغْشِي
ويَطْلُبُهُ
على صيغة المضارع، تنبيها على استقرار الخلق وتحققه وثبوته بالمضى، ولما كان الغشيان والطلب يتجددان بحسب الأوقات، جاءت المضارعة للإشعار بالتجدد والحدوث. وإنما قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
ولم يقل: الخالق للسموات والأرض، لأن الفعل الماضى أدل على تحقق الخلق وثبوته واستمراره من اسم الفاعل.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع