تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

المثال الأول فى الخطب والمواعظ

ولقد أتى فى توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة الممكنات، وبعده عن مماثلة المكونات، بكلام ما سبقه إليه سابق، ولا أتى بما يدانيه من تأخر بعده من تابع ولا لاحق، فمن ذلك كلامه فى ابتداء الخلق بعد ثنائه على الله بما هو أهله قال فيها: «فطر الخلائق بقدرته، ودبرها بحكمته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، ثم قال:

أول الدين معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده التصديق به، وكمال التصديق به الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه- يريد الصفات التى لا تليق بذاته- فمن وصف الله تعالى فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال (فيم) فقد ضمنه، ومن قال (علام) فقد أخلى عنه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم». إلى غير ذلك فى أثناء هذه الخطبة من التوحيد البالغ، والتنزيه الكامل، وقد أشرنا إلى هذه الأسرار فى التوحيد فى شرحنا لكلامه فى نهج البلاغة، وأظهرنا مراداته فى هذه الإشارات الإلهية والرموز المعنوية، فمن أرادها فليطالعها منه، وهذه الخطبة من جلائل خطبه، لما اشتملت عليه من بالغ التوحيد، وذكر أحوال المخلوقات من خلق السماء والأرض والملائكة، وخلق آدم، وما كان من إبليس فى حقه، ومن عرف كلام الفصحاء فى منظومهم، ومنثورهم، ومقامات البلغاء فى خطبهم ومواعظهم بعده ﵇ إلى يومنا هذا غير كلام الله وكلام رسوله، علم قطعا لا شك فيه أنهم قد أسفوا فى البلاغة وحلّق، وقصروا فى الفصاحة وسبق، والعجب من علماء البيان والجماهير من حذاق

المعانى حيث عولوا فى أودية البلاغة، وأحكام الفصاحة، بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله، على دواوين العرب، وكلماتهم فى خطبهم، وأمثالهم، وأعرضوا عن كلامه، مع علمهم بأنه الغاية التى لا رتبة فوقها، ومنتهى كل مطلب، وغاية كل مقصد فى جميع ما يطلبونه من الاستعارة، والتمثيل والكناية، وغير ذلك من المجازات الرشيقة، والمعانى الدقيقة اللطيفة، ولقد أثر عن فارس البلاغة وأميرها أبى عثمان الجاحظ أنه قال: ما قرع مسامعى كلام بعد كلام الله، وكلام رسوله إلا عارضته إلا كلمات لأمير المؤمنين كرم الله وجهه فما قدرت على معارضتها، وهى قوله ﵇ «ما هلك أمرؤ عرف قدره، وقوله: من عرف نفسه عرف ربه، وقوله: المرء عدو ما جهل، ومثل قوله: استغن عمن شئت، تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.

فانظر إلى إنصاف الجاحظ فيما قاله، وما ذاك إلا أنه خرق قرطاس سمعه ببلاغته، وحير فهمه لما اشتمل عليه من إعجازه وفصاحته، فإذا كان هذا حال الجاحظ وله فى البلاغة اليد البيضاء فكيف حال غيره.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.