تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الحكم الرابع فى بيان موقع الاستعارة

اعلم أنهم ربما بالغوا فى الاستعارة حتى ينزلوها منزلة الحقيقة، وبيان ذلك أنهم قد يستعيرون الوصف للشىء المعقول ويجعلون تأتيه لذلك الشىء على جهة التحقيق وكأن خلافها محال وكأن الاستعارة غير موجودة، وينكرون خلاف ذلك ويتعجبون منه، وهذا كقول أبى تمام:

ويصعد حتى يظن الجهولبأن له حاجة فى السماء

فقرر صعوده فى الخصال العالية، والمراتب الشريفة، على وجه لا يمكن جحده ولا يسوغ إنكاره، وأحسن من هذا وأوضح لما نحن فيه قول بعض الشعراء:

ومن عجب أن الصوارم والقناتحيض بأيدى القوم وهى ذكور
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «صلوا حبل ودي يا كرام وزوروا»
وأعجب من ذا أنها فى أكفهمتأجج نارا والأكف بحور
للشاعر القاضي الجليس ابن الجَبّاب الأغلبي، اقرأ القصيدة

فلولا أن هذه الاستعارة قد نزلت منزلة الحقائق لما كان للتعجب وجه، ومن هذا ما قاله بعض الأدباء:

لا تعجبوا من بلى غلالتهقد زر أزراره على القمر
للشاعر علي الغراب الصفاقسي، اقرأ القصيدة

فالقمر من طبعه إبلاء الأثواب وتقطيعها فمعناه لا تعجبوا من تقطيع الغلالة فإنها مشتملة على القمر، فانظر إلى تحقيقه للاستعارة وتقريرها، ومن هذا قوله:

قامت تظللنى من الشمسنفس أعز على من نفسى
قامت تظللنى ومن عجبشمس تظللنى من الشمس

فلولا أنها قد نزلت عنده منزلة الشمس على الحقيقة لما كان للتعجب وجه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.