تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الحكم الأول هل المستعار هو اللفظ، أو المعنى

؟

زعم زاعمون أن المستعار هو اللفظ، والذى عليه أهل التحقيق أن الاستعارة إنما تكون متعلقة بالمعنى، وهذا هو المختار، ويدل على ذلك أوجه ثلاثة، أما أولها فلأن الإجماع منعقد من جهة علماء الأدب وأرباب هذه الصناعة على أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة وأن قولنا: زيد أسد، فى المبالغة فى وصف الشجاعة أعظم من قولنا: زيد يشبه الأسد، فى شجاعته، فلو لم تكن هناك استعارة لفظ الأسد ونقله، لم تكن هناك مبالغة لأنه لا مبالغة فى نقل العبارة خالية من معناها وعرية عنه، وأما ثانيا فلأن القائل إذا قال: رأيت أسدا، ولقينى أسد، فالسابق من هذا الكلام هو أنه صوره بحقيقة الأسد مبالغة فى شجاعته، وزيادة فى جراءته، وليس ذلك إلا لأجل ما كان من المقصود من إثبات حقيقة الشجاعة ومعقولها، ولو كان ذلك من أجل استعارة اللفظ لم يكن هذا الإطلاق، لأنه لا يقال لمن سمى إنسانا باسم الأسد، أنه صيره أسدا، وجعله

بحقيقة الآساد، وأما ثالثا فلقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً

فظاهر الآية مشعر بأنهم أثبتوا للملائكة صفة الأنوثة، فلأجل هذا الاعتقاد سموهم باسم الإناث، وليس الغرض إطلاق اسم البنات عليهم من غير اعتقاد معنى الأنوثة، ولهذا قال تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ

فلو لم يعتقدوا الأنوثة لكان لا وجه للمبالغة فى التنكير عليهم فى ذلك، وظهر بما لخصناه أن المبالغة فى الاستعارة بإثبات المعنى أولا ثم يتلوه اللفظ فى الاستعارة كما حققناه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.