تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

المثال الثانى فى مضمر الأداة

وهذا كقوله ﷺ «العزل هو الوأد الخفى» وهذا من التشبيه الذى فاق فى رشاقته، وراق فى جودة نظمه وبلاغته، والوأد هو ما كانت العرب تفعله من دفن البنات وهن أحياء، خوفا من العار بركوب الفاحشة، فجعل العزل كالوأد، وعبر عنه بهذه العبارة التى تغض لها العيون طرفها، ولا ينتهى الوصف إليها، فيكون ترك وصفها كوصفها، ومن هذا قول أمير المؤمنين فى وصف العترة، ﵈ «فردوهم ورد الهيم العطاش» فهذا من الكلام لا يدرك فى البلاغة منتهاه، ولا يحرز بغاية غوره وأدناه. ومن غريب ما وجدته فى هذا الضرب كلام لابن الأثير فى وصف القلم «جدع أنفه فصار فى اليد قصيرا» يشير بذلك إلى ما كان من حديث قصير، مع الزّبّاء وفتكه بها، وكيده العظيم لها «وأرهف

صدره فصار فى المضاء عضبا شهيرا» أراد كالسيف فى مضائه «وقمص لباس السواد، وهو شعار الخطباء فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهو صورة الإذلال، فاختال فى مشيه من الإعجاب» فأقول لقد نطق بفصل الخطاب ابن الأثير، وصار على بليغ التشبيه والاستعارة كالأمير، وهذا الضرب أعنى تشبيه المفرد بالمركب كثير الدور، واسع الجرى، وما ذاك إلا من أجل المبالغة فى المشبه نفسه فاتسعوا فيه بتشبيهات كثيرة.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.