من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الضرب الأول منها تشبيه المفرد بالمفرد
وهذا كقوله تعالى:
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
شبهها بالدهان لحمرتها، وهو الجلد الأحمر وكقوله تعالى تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ
وقوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
إلى غير ذلك من التشبيهات المفردة الواردة فى القرآن، وقوله ﷺ «مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن، كمثل الأترجّة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن، كمثل ريحانة، ريحها طيب ولا طعم لها». ومنه قولهم زيد كالأسد، وعمرو كالبحر، وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الشّقشقية، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، وقوله فى مخاطبة طلحة والزبير، والله لا أكون كالضبع، تنام على طول اللّدم حتى يصل إليها طالبها.
ومن التشبيه الفائق قول امرىء القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذى لم يثقب
وقول زهير:
بكرن بكورا واستحرن بسحرةفهن بوادى الرس كاليد للفم
ولقد أجاد زهير فى هذا التشبيه وأبدع فيه، ومنه قول ذى الرمة:
قف العيس فى أطلال مية فاسألرسوما كأخلاق الرداء المسلسل
ومثله قول أبى تمام:
خرقاء تلعب بالعقول مزاجهاكتلعب الأفعال بالأسماء
وكقول ابن المعتز فى وصف العنب:
حتى إذا حرّ آب جاش مرجلهبفائر من هجير الشمس مستعر
ظلت عناقيده يخرجن من ورقكما احتبى الزنج فى خضر من الأزر
وكما قال بعض الأذكياء:
والصبح يتلو المشترى وكأنهعريان يمشى خلفه بسراج
ومن ذلك قول بشار:
كأن الناس حين تغيب عنهمنبات الأرض أخطأه القطار
ومن بديع التشبيه قول امرىء القيس:
وكشح لطيف كالجديل مخصروساق كأنبوب السقى المذلل
وتعطو برخص غير شثن كأنهأساريع ظبى أو مساويك إسحل
مهفهفة بيضاء غير مفاضةترائبها مصقولة كالسجنجل
فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الأبيات من بديع التشبيه وغريبه، ومن هذا قول بعضهم فى تشبيه الفحم والجمر:
كأنما النار فى تلهبهاوالفحم من فوقها يغطيها
زنجية قبضت أناملهامن فوق نارنجة لتخفيها
ومن جيد التشبيه ورائقه ما قاله بعض الأدباء وهو البحترى:
دنوت تواضعا وعلوت قدرافشاناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامىويدنو الضوء منها والشعاع
ولنكتف بهذا القدر فى المفردات.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع