من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المقصد الثالث فى إفادته للبيان والإيضاح
وهذه أيضا هى فائدة التشبيه الكبرى، فإنه يخرج المبهم إلى الإيضاح والمتلبس إلى البيان، ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه، والبروز بعد استتاره وهذا كقوله تعالى:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
الآية، وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ
الآية فهاتان الآيتان واردتان مثالا وتشبيها بحال أهل النفاق.
وإيضاحا وبيانا لأمرهم فيما ظهر لهم من النور التام بالرسول ﷺ، وإعراضهم عنه، فشبه حالهم فى ذلك بالمستوقد للنار، وبالصيب الذى فيه الرعد والبرق، كشفا لحالهم فى النفاق، وإظهارا لأمرهم فيه، فنظام هذه الآية وسياقها دال على نهاية الإيضاح بالتشبيه، وإظهار حالهم به، وهكذا إذا قلت زيد يفيض فيض البحر، ويقدم إقداما كالأسد، فإنك بذكر هذا التشبيه قد أوضحت أمره فى الكرم والشجاعة، وكشفت ذلك بالإيضاح كشفا لا غاية له ولا مزيد عليه، ومنه قوله ﷺ «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» »
يعنى فى قطع العلائق، وخفة الحال، فإن الغريب لا علقة له فى بلاد الغربة، وابن السبيل لا لبث له إلا مقدار العبور وقطع المسافة، فهذا المعنى قد أظهره التشبيه نهاية الظهور وأوضح حاله كما تراه. ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «كن فى الفتنة كابن اللّيون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب» أراد أن الفتن إذا تلبس الإنسان بها ووقع فى غمرتها كان أدعى للهلاك وأقرب إلى تورط النفوس، وإذا كان لا علقة له بها، فربما كان ذلك أدعى للسلامة وأقرب إلى الخلاص عنها، وهذه المعانى قد أشعر بها التشبيه ودل عليها ومن واضح التشبيه قول أبى نواس فى ذم الدنيا وتقبيحها:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو فى ثياب صديق
فهذا من التشبيه الواضح المضمر الأداة فلهذا أوردناه ههنا، ومن أعجب ما يورد مثالا فى وضوح التشبيه قول البحترى:
يمشون فى زغف كأن متونهافى كل معركة متون نهاء
بيض يسيل على الكماة فضولهاسيل السراب بقفرة بيداء
فإذا الأسنة خالطتها خلتهافيها خيال كواكب فى ماء
وقوله أيضا:
وتراه فى ظلم الوغى فتخالهقمرا يكر على الرجال بكوكب
فقد ظهر بما أوردناه من هذه الأمثلة وضوح ما ادعيناه من كون التشبيه مختصا بالإيضاح والبيان لما قصد به.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع