من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المرتبة الثانية فى بيان التشبيه المنعكس
اعلم أن هذا النوع من التشبيه، يرد على العكس والندور، وبابه الواسع هو الاطراد كما أشرنا إليه، وإنما لقب بالمنعكس لما كان جاريا على خلاف العادة والإلف فى مجارى التشبيه، وقد يقال له غلبة الفروع على الأصول، وكل هذه الألقاب دالة على خروجه عن القياس المطرد، والمعيه المستمر، وله موقع عظيم فى إفادة البلاغة، وقد ذكره ابن الأثير فى كتابه المثل السائر وقرره ابن جنى فى كتاب الخصائص، والشرط فى استعماله أن لا يرد إلا فيما كان متعارفا، حتى تظهر فيه صورة الانعكاس، كما سنقرره فى أمثلته، لأنه لو ورد فى غير التعارف لكان قبيحا، لأن مطرد العادة فى البلاغة على تشبيه الأدنى بالأعلا، فإذا جاء على خلاف ذلك فهو معكوس، ومن الأمثلة الواردة فيه قول ذى الرمة:
ورمل كأرداف العذارى قطعتهإذا لبسته المظلمات الحنادس
فانظر إلى ما فعله ذو الرمة، كيف جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، وذلك أن العادة جارية بتشبيه أعجاز النساء، بكثبان الأنقاء، فعكس ذو الرمة القضية، فشبه كثبان الأنقاء
بأعجاز النساء، وإنما قصد بذلك المبالغة فى أن هذا المعنى قد صار ثابتا للنساء بحيث لا يتمارى فيه أحد، فلا جرم كان أصلا فى التقرير، وغيره فرعا له، وقد تابعه البحترى على هذا فى قوله:
فى طلعة البدر شىء من محاسنهاوللقضيب نصيب من تثنيها
فالعادة جارية على جهة الاطراد فى تشبيه الوجوه الحسنة بالبدور، فعكس البحترى هذه القضية، وشبه البدر بها، مبالغة فى الأمر، وتعظيما لشأنها، ومن هذا القبيل ما قاله عبد الله بن المعتز فى قصيدته المشهورة التى مطلعها: سقى الجزيرة ذات الظل والشجر، فقال منها:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنامثل القلامة إذ قصت من الظفر
فالجارى فى الاطراد، هو تشبيه القلامة من الظفر بالهلال فى نحولها، وتقوسها، واعوجاجها، فعكس ابن المعتز ذلك، وشبه الهلال بالقلامة، مبالغة ودخولا وإغراقا من جهته فى التشبيه كما هو دأبة وهجّيراه، وعادته المألوفة فى الخمريات وغيرها، فحاصل الأمر فيما ذكرناه من تشبيه العكس أن جريه إنما يكون فيما قد ألف وعرف حاله، فلهذا لم يلتبس حاله، فأما ما لا يعرف حاله ولا يؤلف فلا يجرى فيه، فإن جرى فعلى القلة والندور، ويكون من التشبيه المهجور الذى قد بعد عن البلاغة، ونأى بعض النأى عن استعمال الفصحاء.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع