من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
النوع الرابع ما ورد من الكنايات فى كلام البلغاء
فمن ذلك ما روى عن عمرو بن العاص أنه لما زوج ولده عبد الله بن عمرو بن العاص، امرأة فمكثت عنده ثلاث ليال، لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عليه عمرو بعد ثلاث فقال لها: كيف ترين بعلك، فقالت: نعم البعل هو، إلا أنه لم يغش لنا كنفا، ولا قرب لنا مضجعا. فقولها «لم يغش لنا كنفا» من الكنايات الغريبة، والكنف هو الستر، والكنف الوعاء، وكلاهما محتمل ههنا، ومن أمثال العرب قولهم:
«إياك وعقيلة الملح» جعلوا هذا كناية عن المرأة الحسناء فى منبت السوء، فإن عقيلة الملح، هى اللؤلؤة تكون فى البحر، فهى حسنة، وموضعها ملح، ومن ذلك قولهم «ليس له جلد النمر، وجلد الأسد» إذا كثرت عداوته، وعظم حقده، واشتد غضبه، ولهذا قال أمير المؤمنين لابن عباس «وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم» يشير به إلى ما ذكرناه، ومن هذا قولهم «قلب له ظهر المجن» جعلوه كناية عن أن يبدو له خلاف ما كان يعهده منه، من الألفة والمودة، وقولهم «فلان ورمت أنفه علينا» إذا كان مغتاظا يظهر الحنق والغضب، ومن هذا قولهم «الآن حمى الوطيس» جعلوه كناية عن شدة الحرب والتحامها، أخذ لها من حر النار، والوطيس التنور، وقد قيل: «إن أول من تكلم بهذا المثل رسول ﷺ فى حنين» لما رأى جلادهم بالسيف بعد الهزيمة للمسلمين، قال ذلك، فإن صح هذا كان الأحسن إيراده فى قسم كنايات الأخبار، ومن ذلك ما ورد عنهم من قولهم «التفت حلقتا البطان» وهذا مثل جعلوه كناية عند شدة الأمر، وازدحام العظائم فى الحروب وغيرها، ومن ذلك ما روى أن امرأة جاءت إلى عائشة رضى الله عنها، فقالت: أقيد جملى؟ فقالت لها عائشة «لا» وأرادت المرأة أنها تصنع بزوجها شيئا يمنعه عن غيرها، أى تربطه أن يأتى سواها، فظاهر هذا اللفظ يفيد تقييد الجمل، وباطنه أنها جعلته كناية عما ذكرناه، ومن هذا ما يحكى عن عبد الله بن سلام أنه أتاه رجل عليه ثوب معصفر فقال له: لو أن ثوبك
هذا فى تنور أهلك لكان خيرا لك، فذهب الرجل فألقاه فى التنور، فاحترق، ولم يرد عبد الله احتراقه وإنما أراد المجاز، وهو أنه لو باعه وصرف قيمته إلى دقيق يخبزه فى التنور أو حطب يلقيه فيها لكان خيرا له، وهذا الكلام حكاه ابن الأثير عن عبد الله بن سلام، وهو مأثور عن الرسول ﷺ، بمعناه فى سنن أبى داود. ويمكن أن نقول: ما نقله عبد الله بن سلام هو من جهة الرسول ﷺ، ومن هذا قولهم «فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى» جعلوه كناية عمن يتحير فى أمره، فلا يدرى كيف يورده ويصدره، وقوله «مازال يفتل فى الذروة والغارب» يجعلونه كناية عمن يريد التلطف والاحتيال فى المساعدة إلى ما يقصده ويريده، وقولهم «فلان ينفخ فى غيره ضرم» جعلوه كناية عمن يفعل فعلا لا يجدى عليه بفائدة، ولا يعود عليه بنفع، لأن النفخ فى غير ضرم لا يورى نارا، ومن هذا قولهم «فلان يخط على الماء» يكون هذا كناية عمن يفعل فعلا يكون عدمه كوجوده بالإضافة إلى عدم الفائدة. لأن الخط على الماء يذهب فى أسرع شىء وأقربه، والكنايات كثيرة فى كلام العرب، وأمثالها، وفيما ذكرناه غنية وكفاية، وبالله التوفيق.
واعلم أن هذه الأمثلة التى أسلفناها من الكنايات من الكتاب، والسنة، وكلام أمير المؤمنين فى الكناية، فإنها واضحة فى الاستعارة وضوحا كليا، واحتمالها للكناية بعيد يحتاج إلى تكلف، والمقصود وهو معرفة الأمثلة وإيضاح المقصود بها، فإن هى صلحت حصل المقصود، وإن كانت غير صالحة للتمثيل طلب غيرها ولم يكن خللها يخل بالحقيقة المطلوبة.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع