تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

النوع الخامس فيما ورد من الكنايات الشعرية

فمن ذلك قول أبى الطيب المتنبى فى مدح سيف الدولة:

وشر ما قنصته راحتى قنصشهب البزاة سواء فيه والرخم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

فكنى بالبزاة عن سيف الدولة، وبالرخم عن غيره، وأنه يستوى فيه المال هو وغيره، ومن ذلك قول الأقيشر الأسدى:

ولقد أروح بمشرف ذى ميعةعسر المكرة ماؤه يتفصد
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
مرح يطير من المراح لعابهويكاد جلد إهابه يتقدد
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

وكان عنّينا لا رغبة له فى النساء، وكان كثيرا ما يصف ذلك من نفسه، فهذان البيتان جعلهما كناية، فهما كما ترى دالان بحقيقتهما على شىء، وبمجازهما على غيره، وهذه هى فائدة الكناية. وحكى ابن الأثير أن سعيد بن عبد الرحمن وفد على هشام بن عبد الملك، وكان جميل الوجه، فراوده عبد الصمد على نفسه، فدخل على هشام مغضبا وهو يقول:

أما والله لولا أنت لمينج منى سالما عبد الصمد

فقال هشام، ولم ذاك؟ فقال:

إنه قد رام منى خطةلم يرمها قبله منى أحد
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة

فقال له هشام، وما هى؟ فقال:

رام جهلا بى وجهلا بأبىيدخل الأفعى إلى خيس الأسد

قال فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك، ومما أنشده ابن الأثير فى الكناية وقال من لطيفها وعجيبها لأبى نواس فى الهجاء:

إذا ما كنت جار أبى حسينفنم ويداك فى طرف السلاح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قل لأبي الأنكح إن جئته»
فإن له نساء سارقاتإذا ما بتن أطراف الرماح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قل لأبي الأنكح إن جئته»
سرقن وقد نزلن عليه أيرىفلم أظفر به حتى الصباح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قل لأبي الأنكح إن جئته»
فجاء وقد تخدش جانباهيئن إلى من ألم الجراح

فجعل قوله «أطراف الرماح» كناية عن العضو المشار إليه، وهذه عبارة فى غاية اللطافة، والحسن والرشاقة، ومن جيد الكناية وبديعها ما قاله الفرزدق يرثى امرأته:

وجفن سلاح قد رزئت فلم أنحعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفى جوفه من دارم ذو حفيظةلو ان المنايا أمهلته لياليا

وقد قيل: إنه ما كنى عن امرأة ماتت بأحسن من هذه الكناية، وإنها لجيدة فى معناها، فائقة فى مقصودها ومغزاها، ومما حسن موقعه فى الكناية قول الشريف الرضى:

أحن إلى ما يضمن الخمر والحلىوأصدف عما فى ضمان المآزر

ومن ذلك ما قاله أبو تمام فى الاستعطاف:

ما لى رأيت ترابكم يبس الثرىما لى أرى أطوادكم تتهدم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرض مصردة وأخرى تثجم منها»

فجعل يبس الثرى، كناية عن تنكر ذات البين، يقال يبس الثرى بينى وبين فلان، إذا تنكر الود الذى بينك وبينه، وهكذا تهدم الأطواد فإنه كناية، إما عن موت الرؤساء، وإما عن خفة الحلوم وطيش العقول، ومن ذلك قول أبى نواس يكنى به عن امرأة:

تحاول أن يقوم أبو زيادودون قيامه شيب الغراب
أتت بجرابها تكتال فيهفعادت وهى فارغة الجراب
للشاعر راشِد بن إسحاق، اقرأ القصيدة

فقوله: «أتت بجرابها تكتال فيه» من الكناية اللطيفة، ومن هذا قول زياد الأعجم:

إن السماحة والمروءة والندىفى قبة نصبت على ابن الحشرج
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فأراد أن يقول: إن السماحة والمروءة والندى مجموعة فيه، أو مقصورة عليه، أو مختصة به، لكنه عدل إلى ما هو أرق من ذلك، وأدخل فى الإعجاب والمدح، فجعلها فى «قبة» وكنى به عن كونه فيها وأنه متمكن فى الندى، منسدل عليه كالقبة المضروبة على كل ما تحويه، ومن ذلك ما قاله بعض الأذكياء فى الكناية:

وما يك فى من عيب فإنىجبان الكلب مهزول الفصيل

فكنى عن كرم نفسه، وكثرة قراه للضيفان، بجبن الكلب، وهزال الفصيل، ولو صرح لقال: إن جنابى مأهول، وكلبى مؤدب، لا ينكر الضيف، ولا يهر فى وجوههم، وإنى أنحر النوق، فأدع فصالها هزلى، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:

يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلايكلمه من حبه وهو أعجم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»

وهكذا ورد قول أبى نواس:

فما جازه جود ولا حل دونهولكن يصير الجود حيث يصير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

فتوصل إلى إثبات الصفة للممدوح، بإثباتها فى مكانه، وإلى لزومها له، بلزومه الموضع الذى يحله. ومن هذا قول حسان بن ثابت:

بنى المجد بيتا فاستقرت عمادهعلينا فأعيا الناس أن يتحولا

وقول البحترى:

ظللنا نعود المجد من وعكك الذىوجدت وقلنا اعتل عضو من المجد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأنفسنا لا بالطوارف والتلد»

فكنى باعتلال عضو منه، عن اعتلال عضو من المجد، ومن هذا ما قاله البحترى أيضا:

أو ما رأيت المجد ألقى رحلهفى آل طلحة ثم لم يتحول
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»

ومن هذا قول أبى تمام:

أبين فما يزرن سوى كريموحسبك أن يزرن أبا سعيد

وقول الآخر:

متى تخلو تميم من كريمومسلمة بن عمرو من تميم

ومن الكناية قول بعضهم: يصف امرأة بالعفة:

يبيت بمنجاة من اللوم بيتهاإذا ما بيوت للملامة حلت

ومن غريب الكناية وبديعها ما قيل فى أبيات الحماسة:

أبت الروادف والثدى لقمصهامس البطون وأن تمس ظهورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»
وإذا الرياح مع العشى تناوحتنبهن حاسدة وهجن غيورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»

فكنى عن كبر الأعجاز، ونهود الثدى، بارتفاع القميص عن أن يمس بطنا أو ظهرا، وهذا من عجيب الكناية وغريبها. ومن هذا ما قاله بعض الشعراء:

بعيدة مهوى القرط إما لنوفلأبوها وإما عبد شمس وهاشم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «رأيت بجنب الخيف هندا فراقني»

ومن هذا النوع ما قاله بعض المغاربة:

رشا يرنو بنرجسة ويعطوبسوسان ويبسم عن أقاح
يشير إلى قرطاه وتصغىخلاخله إلى نغم الوشاح

ومن غريب الكناية قول بعضهم فى أيام الأسبوع:

سبع رواحل ما ينخن من الونىسنم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدءوب يملهاباق تعاقبها على الدهر

ومن لطيفها قول بعضهم فى حجر المحك:

ومدرع من صبغة الليل بردهيفوق طورا بالنضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلاأجاب بما أعيى الورى وهو أخرس

ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على معانى الكناية، وقد نجز غرضنا من الفصل الثالث الذى جعلناه بيانا للأمثلة وحصرها، فأما ما كان من التلويح، والرمز، والإشارة، فكلها مندرجة تحت ما ذكرناه من حقيقة التعريض لاتفاقها فى الدلالة على مقصود واحد فلا جرم أغنى ذلك عن إفرادها بالذكر، وبالله التوفيق.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.