تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه (٥)

وهو فى كلامه أكثر من أن يحصر، وخاصة فى العهود الطويلة والكتب المنتشرة، والكلمات الواسعة، فإنه يخرج فيها إلى أودية كثيرة، فبينا يتكلم فى أسلوب الوعظ، إذ خرج إلى وصف الرسول ﷺ، أو إلى وصف القرآن أو إلى غير ذلك من الأساليب المختلفة فيما يكون معدودا من محاسن التخلصات، ومن أراد الوقوف من كلامه على محاسن التخليص فليطالع من ذلك ما أوصى به الحسن بن على فى وصية له، فإنه جمع له من محاسن الآداب وأجمعها، وأعظم الحكم وأنفعها، ما لا يحتمله حصر، ولا يشتمله عد،

ومن ذلك العهد، الذى كتبه للأشتر النخعى لما أعطاه عمالة مصر، وأدّبه بهذا العهد، وجمع له فيه من محاسن الآداب وصفة الحكمة وفصل الخطاب. ومن ذلك خطبته المسماة بالغراء فإنه جمع فيها من الثناء على الله تعالى وذكره بالصفات اللائقة به وتنزيهه عما لا يليق بحاله، ومن جيد كلامه فى التخلص قوله: أرسله على حين فترة من الرسل وانقطاع من الوحى وطول هجعة من الأمم واعتزام من الفتن وانتشار من الأمور وتلظّ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، وإغوار من مائها، قد درست أعلام الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهى متجهمة لأهلها، عابسة فى وجه طالبها، ثمرها الفتنة وطعامها الخيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف، فاعتبروا عباد الله واذكروا تيك التى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون، وعليها محاسبون، ولعمرى ما تقادمت بهم ولا بكم العهود، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون. فهذا الكلام مشتمل على تخلصات متعددة، فبينا هو يذكر حال الرسول ﷺ وما منّ الله به على الأمم، إذ خرج إلى حال الدنيا وصفتها وانقطاعها، إذ خرج إلى الوعظ والتذكير، وما من كلام من كلامه وإن كان بسيطا إلا وتخلص فيه مخالص كثيرة، كل ذلك فيه دلالة على تفننه فى الكلام وملكه لزمامه، واستيلائه على خاصه وعامه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.