من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء
فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى كتاب كتبه إلى بعض إخوانه يذكر فيه الربيع فقال فيه:
وكما أن هذه الأوصاف فى شأنها بديعة فكذلك شأنى فى شوقه بديع، غير أنه فى حرة فصل مصيف، وهذا فصل ربيع، فأنا أملى أحاديثه العجيبة على النوى وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستقصى حديث من قتله الهوى. فبينا هو يذكر الربيع إذ خرج إلى ذكر الأشواق، ومن هذا قوله أيضا يصف البرد لما كان فى بلاد الروم فقال: ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس بها إلا فى شهر ناجر، وهو قائم مقام الظل الذى يتبرد به من لفح الهواجر، ولفرط شدته لم أجد ما يخففه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضا ما أطلبه، لكن وجدت نار أشواقى أشد حرا فاصطليت بجمرتها التى لا تذكى بزناد، ولا تؤول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد غير
أنى كنت فى ذلك كمن شد خلّة، واستشفى من علة بعلة، فما ظنك بمن يصطلى نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق، فضنّ عليه بالأوراق. فبينا هو يتكلم فى وصف البرد إذ خرج إلى وصف الأشواق. ومما ورد فى التخلص من المنظوم قول أبى الطيب المتنبى فى بعض قصائد:
خليلىّ إنى لا أرى غير شاعرفلم منهم الدعوى ومنّى القصائد
فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرةولكنّ سيف الدولة اليوم واحد
فانظر كيف تخلص من الغزل إلى المديح بأحسن خلاص وأعجبه. كما ترى، ومن عجيب ما جاء به فى كلامه هذا، هو أنه جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة فى بيت واحد، وهو من بدائعه المأثورة عنه فى غير موضع، ومن ذلك ما قاله أبو تمام فى بعض قصائده:
خلق أطلّ من الربيع كأنّهخلق الإمام وهديه المتيسّر
فى الأرض من عدل الإمام وجودهومن الشّباب الغضّ شرح يزهر
ينسى الرياض وما يروّض فعلهأبدا على مرّ الليالى يذكر
فهذا وأمثاله من لطائف التخليصات وأعجبها، والشعراء يتفاوتون فى هذا الباب، فربما اختص بعض الشعراء بالإجادة فى شعره من جزالة ألفاظه، ودقة معانيه، لكنه مع هذا لم يفق فى التخليص كما فاق غيره من الشعراء كما يحكى عن البحترى، فإن مكانه فى الشعراء لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذى تراه كالشمس قريبا ضوءها، بعيدا مكانها، أو يكون كالقناة، لينا مسّها، خشنا سنانها، وقالوا أيضا إنه فى الحقيقة قينة الشعراء فى الإطراب، وعنقاؤهم فى الإغراب، ومع ما حكيناه فإنه لم يجد فى التخليص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا على وجه لا ملائمة بينه وبين الأول، وله مواضع قليلة أحسن فيها التخلص، لكنها حقيرة بالإضافة إلى ما أساء فيها الخلاص. ومن أعجب ما يذكر فى مثال التخلص ما حكاه ابن الأثير: أن قرواشا الملقب بشرف الدولة ملك العرب صاحب الموصل، اتفق أنه كان جالسا مع ندمائه فى ليلة من ليالى الشتاء، وفى جملتهم رجال منهم البرقعيدى وكان مغنيا وسليمان بن فهد، وكان وزيرا، وأبو جابر، وكان حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو هؤلاء ويمدحه فأنشد هذه الأبيات ارتجالا قال فيها:
وليل كوجه البرقعيدىّ مظلموبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومى فيه نوم مشرّدكعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه التفات كأنهأبو جابر فى خبطه وجنونه
إلى أن بدا وجه الصباح كأنهسنا وجه قرواش وضوء جبينه
فانظر إلى ما أودعه فى هذه الأبيات من هجاء هؤلاء الثلاثة فى أبيات ثلاثة وتخلص فى البيت الرابع بأحسن الخلاص فى مدح شرف الدولة، وهذه الأبيات أحسن ما يورد فى أمثلة التخليص. فهذا ما أردنا ذكره فى أمثلة التخليصات.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع