من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المذهب الثانى استكراهه
وهذا شىء حكاه ابن الأثير، ولم أعرف قائله، ولا وجدته فيما طالعت من كتب البلاغة، ولعل الشبهة لهم فى استكراهه ما ورد عن الرسول ﷺ لما أوجب فى الجنين غرة، عبدا أو أمة، فقال الذى أوجبها عليه «كيف تدى من لا شرب ولا
أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك بطل»، فقال ﷺ: «أسجعا كسجع الكهان»، فأنكر السجع على من تكلم به، وفى هذا دلالة على استكراهه. والجواب أنا نقول إنه لم ينكر السجع مطلقا، وإنما أنكر سجعا مخصوصا وهو سجع الكهان، لأن أكثر أخبارهم عن الأمور الكونية، والأوهام الظنية، على جهة السجع وتطابق أعجاز الألفاظ كما تراه يحكى عن شق وسطيح، وغيرهما من الكهان، والمختار قبوله، ولو لم يكن جائزا فى البلاغة لما أتى عليه أفصح الكلام وهو التنزيل، ولما جاء فى كلام سيد البشر وكلام أمير المؤمنين، لأن هذه هى أعظم الكلام بلاغة وأدخلها فى الفصاحة، فلا يمكن ترك هذا الأسلوب من الكلام لقصة عارضة من جهة الرسول يمكن حملها على وجه لائق كما أشرنا إليه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع