من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الفائدة الثالثة فى ذكر أقسامه
اعلم أن السجع منقسم إلى ما يكون طويلا، وإلى ما يكون قصيرا، فأما القصير فهو أوعر أنواع التسجيع مسلكا، وأصعبها مدركا، وأخفها على القلب، وأطيبها على السمع، لأن الألفاظ إذا كانت قليلة فهى أحسن وأرق، لأنها إذا كانت أطرافها متقاربة لذت على الآذان لقرب فواصلها ولين معاطفها، ومن هذا النوع القصير قوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً
وقوله تعالى فى صدر سورة المدثر: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
وأقل ما يكون القصير من كلمتين لا غير، لأن ما نقص عن ذلك فليس مؤلفا مسجوعا، وأما الطويل فهو ما عدا ذلك، وكلما قلت كلماته وقرب من التعبير كان أحسن لما ذكرناه، وقد تكون السجعتان ثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وخمسا خمسا، وقد تزيد على ذلك حتى تنتهى إلى عشرين كلمة، ومع ذلك فليس له حد مضبوط، فمن الثلاثية قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ
ثم قال: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ
ومن الرباعية قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
ثم قال: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
ومن الخماسية قوله تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ
، ومن الطويل قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
فالفقرة الأولى مبنية على إحدى عشرة كلمة، والفقرة الثانية مبنية على ثلاث عشرة كلمة، وأدخل منه فى التطويل قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
فالفقرة الأولى تنيف على عشرين لفظة والفقرة الثانية قريب من هذه العدة، فإذا عرفت هذا فاعلم أن أعداد ألفاظ الفقر، وإن كانت على هذه العدة، لكنها منقسمة، بالإضافة إلى الأولى والثانية إلى ما تكون الفقرة الأولى مساوية للثانية، وإلى ما تكون عكس هذا، فهذه أضرب ثلاثة، نذكر ما يتوجه فى كل واحد منها.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع