من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المذهب الثانى أن اسم التجريد يطلق عليه وهذا هو الذى ذكره أبو على الفارسى
وهذا وهو الأقرب، وتقريره هو أن الإنسان حقيقة ليس عبارة عن هذه الصورة المدركة من الأبعاض والأوصال، وإنما هو أمر وراء ذلك، وللعلماء فيه خوض عظيم وتفاصيل طويلة، وأقربها مذهبان، أحدهما وهو الذى عول عليه المعتزلة وهو مذهب أئمة الزيدية، أن حقيقة الإنسان عبارة عن مجموع آسان متصلة به تقصد بالمدح والذم والثواب والعقاب والأمر والنهى وغير ذلك مخالفة لسائر الحقائق وهى الإنسانية، وهى مؤلفة من أجزاء جسمانية، وثانيهما مذهب أكثر الفلاسفة، وهو أن الإنسانية عبارة عن النفس الناطقة، وهى أمر حاصل فى الإنسان ليست جسما ولا عرضا، ولكنها حقيقة معقولة إلى غير ذلك من التفاصيل لمذهبهم، فإذا كان الأمر كما قلناه فحاصل كلام الفارسى أن العرب تعتقد
أن فى الإنسان معنى كامنا فيه، فتعتقد أنه أمر خارج عن الإنسان فتخاطبه بالخطاب والغرض غيره، فلهذا كان هذا تجريدا مشبها للأول، وهذا الذى يمكن أن يقرر عليه كلام الفارسى فى تسمية ما هذا حاله تجريدا، وقد عاب ابن الأثير على الفارسى هذه المقالة ووجه الخطأ عليه من وجهين، الوجه الأول منهما أنه قال: إن حقيقة الإنسان معنى كامن فيه، هو حقيقته، ولا وجه لذلك، فإن المعقول من صفة الإنسان هو هذه البنية المشار إليها من غير تخصيص هناك فيها، وهذا فاسد فإن الحق ما قاله الفارسى كما حكيناه عن أهل الإسلام، والمعتزلة وغيرهم، وعن الفلاسفة من أن حقيقة الإنسان هى أمر حاصل فيه، ولم ينكره ابن الأثير إلا لأنه قليل الخلطة بالمباحث الكلامية والعلوم العقلية، ولو اطلع على مقالة العقلاء من المسلمين والفلاسفة واضطراب أقوالهم فيها، لم ينكر على الفارسى هذه المقالة ولتحقق يقينا لا شك فيه أن فى الزوايا خبايا، وأن فى الخبايا خفايا، الوجه الثانى أنه قال: إنه قد أدخل فى التجريد ما ليس منه، وهذا فاسد أيضا فإنه إذا تحقق ما قلناه من أن حقيقة الإنسان أمر مخالف لهذه البنية المدركة المحسوسة عقل التجريد، وكأنها هى المخاطبة بالخطابات والمراد غيرها كما قلناه فى التجريد المحقق من أن الخطاب موجه إلى غيرك وأنت فى الحقيقة تريد به نفسك، فهذا ما أردنا ذكره من حقائق التجريد وذكر وجوهه والخلاف فيه والله أعلم.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع