تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الضرب الأول منهما راجع إلى المعنى

وضابطه هو أن تصف الممدوح بما يدل على مدحه من صفات المكارم وسمات المحامد، ثم تورد صفات دالة على ذمه، لكن اقترن بها ما يرشد إلى كونها مدحا، فالتفويف داخل فى هذه الجهة، ومثاله قول جرير:

هم الأخيار منسكة وهدياوفى الهيجاء كأنّهم صقور
للشاعر جرير، من قصيدة «كأني بالمديبر بين زكا»
بهم حدب الكرام على المعالىوفيهم عن مساويهم فتور
خلائق بعضهم فيها كبعضيؤمّ كبيرهم فيها الصّغير
للشاعر بشير بن النكث، من قصيدة «أجدي فاشربي بحياض قوم»
عن النّكراء كلهم غبىّوبالمعروف كلّهم بصير
للشاعر جرير، من قصيدة «كأني بالمديبر بين زكا»

فكل واحد من هذه الأبيات قد تضمن ما يرشد إلى الذم، لكنه اقترن به ما أخرجه إلى المدح فقوله «كأنهم صقور» صفة ذم لأن من شأن الصقور الخطف والبغى لكنه لما اقترن بقوله «الهيجا» كان مدحا لأن الإنسان إذا كان فى الحرب كالصقر يغلب غيره ويسلبه فهو

مدح لا محالة، وهكذا قوله «وفيهم عن مساويهم فتور» لأن الفتور هو الضعف والعجز وهما ذمان، خلا أنه اقترن بقوله «بهم حدب الكرام على المعالى» فصيره مدحا لأن الإنسان إذا كان عظيم الولوع بالخصال السامية والمراتب العالية وكان ضعيفا متكاسلا عن المساوى ففيه نهاية المدح وهكذا قوله «يؤم كبيرهم فيها الصغير» فإنه يكون ذما لأنه لا خير فى الكبير إذا كان مقتديا بالصغير، وإنما المدح هو عكسه لكنه لما اقترن بقوله «خلائق بعضهم فيها كبعض» أفهم أن الصغير والكبير فيهم سواء فى فعل المعروف والإحسان، وهكذا قوله: «عن النكراء كلهم غبى وبالمعروف كلهم بصير» فإن الغباوة صفة ذم، خلا أنه لما اقترن به قوله: «وبالمعروف كلهم بصير» كان دليلا على المدح فهذا ما يحتمله هذا الضرب.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.