تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الضرب الثانى فى بيان المسند به

ويعرض له ما يعرض للمسند إليه فى وجوه، ويخالفه فى وجوه، وجملة ما يذكر من حاله أمور عشرة، أولها ذكره للبيان كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ

وقوله تعالى: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً

وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ

إلى غير ذلك من الآيات التى يذكر فيها الخبر عن المبتدأ، أو الفعل المسند إلى فاعله، وثانيها حذفه للاتكال على القرينة كقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ

فإنما حذف الفعل ههنا، لقيام حرف الشرط وهو «لو» مقام الفعل، من أجل كونه مؤذنا بالفعل، من جهة أن الشرط لا يليه إلا الفعل، لأن التقدير فيه قل لو ملكتم، فلما حذف الفعل لا جرم انفصل الضمير، ونحو قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ

أى فصبر جميل أجمل، فحذف الخبر للقرينة الدالة على حذفه، وهذا قد ذكرناه مثالا فى جواز حذف المبتدأ فهو محتمل للأمرين كما ترى «نعم» يقال أيهما يكون أرجح فنقول: كلا الوجهين لا غبار عليه، خلا أن حذف الخبر فيه يكون أقوى لأمرين، أما أولا فلأن حذف الخبر أكثر وجودا، وأعم جريانا فى لغة العرب، فكان حمله على الأكثر أحق من حمله على الأقل، وأما ثانيا فلأنا نجد فى كلام العرب أن حذف الخبر قد يكون قياسا فى نحو قولك: لولا زيد لأكرمتك، ولا يكاد يكون حذف المبتدأ قياسا، فلهذا كان حمله عليه أولى، وقد نظرنا فى كتاب الإيجاز: أن الأقوى هو حذف المبتدأ قياسا، فلهذا كان حمله عليه أولى، وقد نظرنا فى كتاب الإيجاز: أن الأقوى هو حذف المبتدأ لأمر ذكرناه هناك، ومن أمثلته قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ

أى خلقهن الله، فحذف المسند به لقيام القرينة على حذفه، وتقول: زيد منطلق وعمرو، فتحذف خبر عمرو، لتقدم ما يدل عليه، ونحو قولك: خرجت فإذا الأسد، أى فإذا الأسد واقف، وثالثها كونه اسما لأنه هو الأصل، وإنما يعدل إلى غيره لقرينة، نحو زيد منطلق، وزيد أخوك، قال الله تعالى اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ

وقال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

وإنما كان اسما لأنه يفيد الاستمرار على تلك الصفة من غير تجدد، بخلاف ما لو كان فعلا فإنه يدل على خلاف ذلك، وأنشد النحاة:

لا يألف الدرهم المضروب صرّتنالكن يمرّ عليها وهو منطلق

ورابعا أن يكون فعلا كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ

وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً

وإنما جاز كونه فعلا للدلالة على الأزمنة المستقبلة، والماضية، وللإشعار بالتجدد أيضا، وهذه المعانى تختلف باختلاف مواقعها، فتارة يؤثر ذكر الاسم، وتارة يؤثر ذكر الفعل، على حسب ما يعن من المعانى. وخامسها أن يكون شرطا، إما بإن، وإما بلو، وإما بإذا، فهذه كلها أدوات للشرط، فإن، إنما يكون ورودها فى الأمور المحتملة المشكوك فى وقوعها كقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ

وقوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ

وتختص بالأزمنة المستقبلة، لأن الشرط لا يعقل إلا فيما كان مستقبلا، وأما «إذا» فإنما تستعمل فى الأمور المحققة كقوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها

وقوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ

وقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ

وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ

إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة، فهذه الأمور كلها محققة فلهذا حسن دخول «إذا» فيها، وأما «لو» فهى شرط فى الماضى عكس «إن» ومعناها امتناع الشىء لامتناع غيره فى مثل قولك: لو قمت قمت، فامتناع الثانى إنما كان من جهة امتناع الأول، وحكى عن الفرآء أنها شرط فى المستقبل مثل «إن» والأكثر خلاف ذلك كقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ

وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها

وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها

وإن دخلت على الفعل المضارع فعلى جهة المجاز فى نحو قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ

وقوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ

إلى غير ذلك من الآيات الواردة فى الأزمنة المستقبلة، وإنما كان ذلك لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا كقوله تعالى: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ

وسادسها تنكيره، إما لإرادة الأصل فيه، لأنه إنما يخبر بما لا يكون معلوما، وإما لإرادة عدم الحصر كقوله تعالى: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ

وقوله تعالى: اللَّهُ

لَطِيفٌ بِعِبادِهِ

وقوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

وإما لإرادة التفخيم كقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ

لأن المراد إنما هو هدى أى هدى، أو لإرادة التكثير كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ

وسابعها تعريفه، إما لإفادة السامع الحكم بأمر معلوم على أمر معلوم كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ

أو من أجل إفادة تعريف الجنس كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ

إذا جعلناه خبرا لا صفة، وإن جعلناه صفة فهو ظاهر، وإما على جهة الحصر كقوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً

أى الله المرسل، ومعناه أنه لا مرسل سواه. وثامنها كونه جملة، وهو وارد على خلاف الأصل من جهة أن أصل الخبر يكون بالمفردات، إما للتقوّى، لأن الخبر بالجملة أقوى من الخبر بالمفرد، وإما لكونه سببيا كقولك: زيد أبوه منطلق، ومن الخبر بالجملة قوله تعالى:

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ

وبالجملة الماضية كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ

وبالجملة الابتدائية كقوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

والجملة نوعان إما جملة ابتدائية، وإما جملة فعلية، إما شرطية، وإما ظرفية وإما حرفية، وكلها مندرجة تحت الجملة الفعلية. وتاسعها تقديمه، إما للاهتمام به كقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ

وإما لتخصيصه بالمسند إليه كقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ

بخلاف خمور الدنيا، ومن أجل هذا لم يقدم الظرف فى قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ

مخافة أن يكون فيه تعريض، بالريب فى غيره من الكتب السماوية، كالتوراة والإنجيل. وعاشرها التثنية والجمع، لأجل المطابقة لما هو خبر عنه كقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ

وهكذا حال التذكير والتأنيث فإن هذه إنما وردت فى المسند به لأجل المطابقة بين المسند إليه والمسند به، لأنهما صارا مقولين على ذات واحدة، فهذا ما أردنا ذكره فى الأمور الخبرية والله أعلم.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.