تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

النداء من أنواع الإنشاء

ص: (ومنها النداءإلخ)

(ش): أى الخامس من أنواع الإنشاء: النداء، وحقيقته طلب إقبال المدعو على الداعى بأحد حروف مخصوصة، وأحكامه معلومة فى النحو، وقد يستعمل فى غير معناه مجازا، فمن ذلك: الإغراء، وهو فى الاصطلاح إلزام المخاطب العكوف على ما يحمد عليه، والمراد به هنا الابتلاء، وقد تستعمل فيه صيغة النداء كما نقول لمن يتظلم

ويتشكى من الظلم: يا مظلوم، فإنه ليس نداء حقيقة؛ لأن الغرض أن المخاطب أقبل يتظلم، ولكنه ترغيب له فى شكوى الظلم، ومن ذلك: الاختصاص، كقوله: أنا أفعل أيها الرجل، وغفر الله لنا أيتها العصابة، أى: مخصصا به دون الرجال، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب، والاختصاص حقيقة اسم ظاهر بعد ضمير متكلم أو مخاطب مسند إليه حكم على معنى التخصيص والتأكيد، وأى هذه مبنية على الضم كحالها فى النداء وليست منادى. وزعم السيرافى أنها فى الاختصاص معربة، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ تقديره: هو أيها الرجل، أى المخصوص به، وأن تكون مبتدأ تقديره: أيها الرجل المخصوص أنا المذكو. وذهب الأخفش إلى أنه منادى، قال: ولا يمتنع أن ينادى الإنسان نفسه، كقول عمر - رضى الله عنه - " كل إنسان أفقه منك يا عمر". وإذا تأملت ما ذكرناه علمت أن الاختصاص على قول الجمهور ليس طلبا

ــ

وعلى رأى الأخفش طلب؛ لأنه نداء، ولا يكون ذلك فى ضمير الغائب، فلا يجوز:

اللهم اغفر لهم أيتها العصابة. قال سيبويه: أراد أن يؤكد؛ لأنه قد اختص حين قال:

أنا ولكنه أكد ولم يعرف المختص إلا بلفظ أيها وأيتها، وإنما وقع علما أو مضافا أو معرفا بالألف واللام، وقد خالف النداء فى أنه لا يبدأ به، ولا يستعمل بسائر أحرف النداء، واستعمل معرفا بالألف واللام، وهو أقسام؛ قسم منقول من النداء وهو ما سبق، وقسم تتبع فيه النقل، مثل: نحن العرب أقرى الناس للضيف، وقسم يجوز فيه الأمران، وهو خمسة: أهل، كقوله ﷺ:" سلمان منا أهل البيت" وآل، نحو: نحن آل فلان كرام، ومعشر:" نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وبنى:

إنا بنى نهشل لا ندعى لأب

والعلم، نحو: بك الله نرجو الفضل، بنا تميما يكشف الضباب.

(تنبيه): اقتصر المصنف من الإنشاء الطلبى على ما ذكره، وبقى عليه الترجى، نحو:

لعل الله يأتينا بخير، ونقل القرافى الإجماع على أنه إنشاء وإذا كان الترجى إنشاء فهو

ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء: إمّا للتفاؤل، أو لإظهار الحرص فى وقوعه، كما مر، والدعاء بصيغة الماضى من البليغ - كقوله: رحمه الله تعالى - يحتملهما، أو للاحتراز عن صورة الأمر، أو لحمل المخاطب على المطلوب بأن يكون ممّن لا يحبّ أن يكذّب الطالب.

ــ

طلب كالتمنى، وما قيل من أنه قد يكون" لعل" إشفاقا لتوقع محذور كقوله تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ إن سلم لا يقضى على غيره مما فيه طلب، ولا يقال: استغنى بذكر التمنى عن ذكر الترجى؛ لأنهما بابان مختلفان، ولأنه قال فى التمنى: إنه قد يتمنى:

بلعل، فيعطى حكم ليت. وتقع" لعل" للتقليل عند السكاكى والأخفش، وللاستفهام عند الكوفيين كما سبق، وللشك عند الفراء والطوال. قال التنوخى فى الأقصى القريب: وقد تجئ" لعل" للإشفاق والتقليل والاستفهام مع بقاء معنى الترجى، وأما القسم فهو إنشاء إجماعا، كما نقله القرافى أيضا، قيل: وإنما لم يذكره لكونه ليس طلبا؛ لأنه لتأكيد الخبر مثل: والله لأفعلن، أو الطلب على سبيل الاستعطاف مثل: بحياتك أخبرنى. وفيه نظر؛ لأن تأكيد الطلب طلب، ولا ينحصر ذلك فى الاستعطاف، فإنك تقول: بالله اضرب زيدا.

وأما التحضيض فهو إنشاء فذكره المصنف فى باب التمنى، وجعله قسما منه. وأما العرض فهو إنشاء، وقد جعله مولدا عن الاستفهام، ويرد عليه أنه كان ينبغى أن يجعل العرض قسما من الاستفهام، كما جعل التحضيض قسما

من التمنى، أو يجعلهما قسمين برأسهما؛ لأن حرف الاستفهام فى كل منهما؛ لأن فى كل منهما أداة استفهام اتصل بها" لا" بل أولى لأن" هلا" استعملت فيها" هل" للتمنى، ثم زيد عليها" لا" فاستمر فيها عنده معناها المجازى من التمنى، وأما: ألا تنزل عندنا، فإن الهمزة لم تنتقل عن الاستفهام قبل العرض لغيره.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.