من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
مثال لقسم الاتفاق بين المسند والمسند اليه معنا (٢)
أو تضادّ؛ كالسواد والبياض، والكفر والإيمان، وما يتصف بها؛ كالأبيض والأسود، والمؤمن والكافر؛
ــ
وهذا ليس مثالا لما نحن فيه، فإنه من عطف المفردات، والصفرة والحمرة مثال ضدين بينهما شبه تماثل، وشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر مثال لمختلفين بينهما شبه تماثل.
(قوله: أو تضاد) معطوف على شبه، أى: أو يكون بين تصورهما تضاد واعلم أن الضدين على مذهب أهل السنة هما كل عرضين يستحيل اجتماعهما فى محل واحد لذاتيهما من جهة واحدة، فقولنا: عرضان يعلم منه أن التضاد لا
يكون بين المعدومين، ولا بين موجود ومعدوم، ولا بين جوهرين، ولا بين عرض وجوهر، ولا بين القديم والحادث، وقولنا: يستحيل اجتماعهما خرج به نحو السواد مع الحلاوة، وقولنا: فى محل واحد احتراز عن مذهب المعتزلة؛ فإنهم لم يشترطوا المحل، وقالوا: الإرادة الربانية مضادة الكراهة الربانية، وكلاهما لا فى محل، ويقولون: إن الضدين يقومان بمحلين من القلب، وقولنا: لذاتيهما، احتراز عن العلم الإنسانى بسكونه حال تحركه، فإنه يمتنع الجمع بينهما لا لذاتيهما؛ بل لأن العلم بالسكون يلزمه السكون المضاد للحركة، وقولنا: من جهة واحدة احتراز عن نحو القرب والبعد بالنسبة إلى شيئين فلا يتضادان وإن كانا فى محل واحد إلا بالنسبة لشئ واحد، كذا قال الآمدى فى الإنكار ولا يخفى ما فيه وقد دخل فى حد المتضادين، هذا نحو الحمرة مع البياض، والحمرة مع الصفرة وغيرهما من الألوان الوسائط بين السواد والبياض.
وأما ما وقع فى كلام أهل هذا العلم من أن الضدين كل ذاتين يتعاقبان على موضع واحد، ويستحيل اجتماعهما وبينهما غاية الخلاف والبعد فهو فاسد؛ لأنه على رأى الفلاسفة الذاهبين إلى أن الوسائط لا تضاد بينها وبين السواد والبياض مثلا، وقد مثل المصنف الضدين بالسواد والبياض فى الألوان، والكفر والإيمان فى المعانى فهما ضدان إذ يرتفعان فى حق غير المكلف، وقوله: (وما يتصف بها)، مثاله: المؤمن والكافر والأسود والأبيض، وفيه نظر؛ لأن الأسود والأبيض ليسا ضدين فإنهما ليسا عرضين، وقول المصنف: أو تضاد قد يقال: السواد والبياض بينهما تضاد، أما تصورهما فكيف يقال بينهما تضاد؟ ولا شك أن تصور الأبيض وتصور الأسود فى وقت واحد ممكن لا يقال: الجمع بين الضدين لا يتصور فى الذهن على ما اختاره
أو شبه تضادّ؛ كالسماء والأرض، والأول والثانى؛ فإنه ينزّلهما منزلة التضايف؛ ولذلك تجد الضّدّ أقرب خطورا بالبال مع الضدّ.
أو خيالىّ: بأن يكون بين تصوّريهما تقارن فى الخيال سابق، وأسبابه مختلفة؛ ولذلك اختلفت الصور الثابتة فى الخيالات ترتّبا ووضوحا؛ ولصاحب علم المعانى فضل احتياج إلى معرفة الجامع، لا سيّما الخيالىّ؛ فإنّ جمعه على مجرى الإلف والعادة.
ــ
ابن سينا فى الشفاء؛ لأنا نقول: الممتنع على هذا القول تصورهما مجتمعين، وأما تصورهما فى وقت واحد منفردين فلا يمتنع إلا إذا قلنا: إن العلم يستحيل أن يتعلق بأمرين فى وقت واحد؛ لكن المصنف لا يريد ذلك؛ لأن القول به لا اختصاص له بالضدين، بل فى كل أمرين مطلقا ولو قال: أو يكون المسند إليهما أو المسندان متضادين، سلم من هذا؛ وإنما كان التضاد جامعا؛ لأن الوهم ينزلهما منزلة المتضادين اللذين يلزم من تصور
أحدهما تصور الآخر.
(قوله: أو شبه تضاد)، أى: يكون بين تصورهما شبه تضاد وعليه من السؤال ما سبق فينبغى أن يقول: أو يكون بين الشيئين شبه تضاد (كالسماء والأرض) وإنما لم يحكم عليهما بالتضاد، لأنهما لا يتعاقبان على محل، وليسا بعرضين؛ ولكنهما يشبهان المتضادين لما بينهما من الاختلاف (و) من شبه التضاد (الأول والثانى) وينبغى أن يعد منه الأبيض والأسود - كما سبق - وإنما عد الأول والثانى من شبه التضاد ولم يعدا متضادين؛ لأن فى كل منهما قيد العدم؛ لأن الأول ما لم يسبقه غيره والثانى ما سبقه واحد فقط، والضدان لا يكونان عدميين، (قوله: فإنه)، أى: لأن الوهم (ينزلهما) أى الضدين (منزلة التضايف) ينبغى أن يقول: منزلة المتضايفين أو يقول: ينزل المضادة منزلة التضايف (ولذلك تجد الضد أقرب خطورا بالبال مع الضد) كالسواد والبياض.
وأما الخيالى فهو أن يكون بين تصوريهما تقارن فى الخيال سابق أى سابق فى الخيال، والخيال قوة حافظة لما يدركه الحس المشترك. وينفرد الخيالى عن العقلى والوهمى؛ بأن فى العقلى علاقة حقيقية - كما سبق - وفى الوهمى علاقة اعتبارية حاصلة فى ذات تلك المقارنات، وأما الخيالى فإنها صور تثبت فى قوة الخيال وتصل إليها من الحواس وإن كانت تلك الأشياء بحسب ذلك الشخص؛ لكونه كثير الاستعمال لها فى خياله؛ لكثرة مشاهدتها واشتمال حواسه الظاهرة عليها؛ ولذلك كثر الاختلاف فى ثبوت الصور فى الخيالات، وربّ شيئين يجتمعان فى خيال زيد دون خيال عمرو، لملابسته
ومن محسّنات الوصل: تناسب الجملتين فى الاسمية أو الفعلية، والفعليتين فى المضى والمضارعة، إلا لمانع.
ــ
لها دون غيره أو جريان ذكرهما فى مجلسه دون غيرهما، وربما كان بين الأمرين جامع خيالى بالنسبة إلى قوم دون قوم كقوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فإن هذه الأمور مجتمعة فى خيال أهل البوادى، فإن أكثر انتفاعهم بالإبل وانتفاعهم بها بالرعى الناشئ عن المطر النازل من السماء، المقتضى لتقلب وجوههم إليها ولا بد لهم من مأوى وحصن فكثر نظرهم إلى الجبال ولا بد لهم من التنقل من أرض لأرض، فذكرت الأرض فصور هذه الأمور حاضرة فى ذهنهم على الترتيب المذكور بخلاف الحاضر فإنه إذا تلا الآية قبل تأمل هذه الأمور ربما وسوس إليه الشيطان ظن أن هذا الوصل معيب.
(قلت): وأنت تعلم كما سبق أن الاتحاد فى المسند والمسند إليه موجود فى هذه المتعاطفات بالنسبة لكل أحد، ومع ذلك قال المصنف: لولا اجتماع هذه الأمور فى خيال البدوى لما ساغ هذا العطف ففسد بذلك قوله - فيما سبق -:
إن الاتحاد فى المسند والمسند إليه يكون كافيا وعلم صحة ما قلناه من أن المعتبر المناسبة وهذه الآية الكريمة ليست مما نحن فيه؛ لأنها من عطف المفردات لكن يعلم به حكم الجمل على هذا الأسلوب، بل أولى؛ لأن الاتصال بين المفردات أوضح منه بين الجمل واعلم أنك لو قلت: انظر إلى السماء كيف رفعت وانظر إلى البرغوث الذى يأكلك لكان ممتنعا، ولصاحب علم المعانى احتياج كثير إلى معرفة الجامع لا سيما الخيالى فإن مبناه على الإلف والعادة.
ص: (ومن محسنات الوصل إلخ).
(ش): لما ذكر مواطن الوصل والفصل، شرع فى فرع غير ذلك وهو أنه إذا ساغ الوصل فربما يستحسن وربما لا يستحسن فإن قلت: ذلك يستدعى جواز الوصل والفصل حتى يستحسن أحدهما فى حالة والآخر فى حالة ولم يتقدم لنا صورة يجوز فيها بلاغة الأمرين بكل اعتبار بل صور يجوز فيها القطع والوصل باعتبارين؛ فأى
ــ
اعتبار سلكته وجب ما يقتضيه وقطع الاحتياط المتقدم إن حملناه على جواز الأمرين فلا شك أن الفصل فيه أرجح ومتى ترجح الفصل من حيث المعنى لا ينظر إلى التناسب اللفظى.
(قلت): لا مانع من انقسام الوصل الواجب إلى مستحسن وغيره؛ لأن المعنى بوجوبه امتناع الفصل، فإن كان مع تناسب بحسب الوصل، كان التركيب حسنا وإلا كان التركيب قبيحا، أو يكون المراد إذا أردت أن تصل فعليك بالتناسب ويحتمل أن يريد بالمحسن الموجب؛ لأن واجبات البلاغة يستند أكثرها إلى التحسين فإنه كل ما وجب لغة وجب بلاغة من غير عكس، ويشهد لذلك أن السكاكى قال: إن محسنات الوصل أن يكون الجملتان متناسبتين فى الاسمية أو الفعلية، فإذا كان المراد من الإخبار مجرد نسبة الخبر إلى المخبر عنه، من غير تعرض لقيد زائد لزم أن يراعى ذلك، انظر كيف جعله من المحسنات ثم جعله لازما، وقد ذكر من محسنات الوصل أمرين، أحدهما:
تناسب الجملتين بالاسمية والفعلية، أى: بأن يكونا اسميتين أو فعليتين كذا ذكروه والأحسن أن يقال: أو ذواتا وجهين؛ لأن الجملة التى طرفاها اسمان اسمية، والتى أحد طرفيها فعل إن كانت مصدرة بالفعل سميت فعلية أو باسم سميت ذات وجهين ويطلق عليها أيضا الاسمية كثيرا.
واعلم أولا: أن النحاة اختلفوا فى جواز عطف الجملة الاسمية على الفعلية وعكسه، وعطف الاسم على الفعل وعكسه، على أربعة أقوال، قيل: يمتنع حكاه عبد اللطيف البغدادى فى شرح مقدمة ابن بابشاذ، ويلزم امتناع الرفع على الابتداء فى قام زيد وعمرو ضربته إذا لم تكن الثانية حالا وهو خلاف ما أطلق النحاة عليه، وقيل: إن كان
العطف بالواو جاز، أو غيرها فلا يجوز، قاله ابن جنى فى سر الصناعة ونقله عن الفارسى، وقال: إنه الصواب، وقيل: يجوز مطلقا وهو المشهور الصحيح، ولهذه المسألة فرع سنذكره فى آخر الكلام إن شاء الله تعالى، والرابع: وهو تجويزه فى عطف الاسم على الفعل، وعكسه قاله ابن الشجرى فى أماليه وهو أن الفعل المضارع يعطف على اسم الفاعل وعكسه، لما بينهما من المضارعة التى استحق بها يفعل الإعراب واسم الفاعل الإعمال فتقول: زيد يتحدث وضاحك وضاحك ويتحدث ولا يجوز زيد سيتحدث وضاحك؛ لأن ضاحكا لا يقع موقع يتحدث هنا؛
ــ
لأنه لا يصلح لمباشرة السين وكذلك لا يجوز مررت بجالس ويتحدث، فإن عطف اسم الفاعل على فعل ماض لم يجز إذ لا ملازمة بينهما إلا إذا قربت الماضى من الحال بأن تقربه بقد، كقوله:
أم صبىّ قد حبا أو دارج
أو يكون اسم الفاعل مرادا به الماضى فيجوز عطفه عليه مثل: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ وعليه بنى المصنف وغيره ما ذكره كأنه يقول: إن قلنا:
يجوز عطف الاسمية على الفعلية وعكسه، فهو غير مستحسن لما فيه من عدم التناسب، وذلك نحو: قام زيد وعمرو قعد؛ ولذلك كان المعطوف على الجملة الاسمية نحو: زيد قام وعمرو ضربته يختار فى ضربه النصب، ولو كانت الجملة الاسمية ذات وجهين نحو: زيد قام وقعد عمرو فقد جعله السكاكى من عطف الفعلية على الاسمية، والظاهر أنه فى الرتبة الوسطى لا يصل فى القبح إلى عطف فعلية على اسمية محضة ولا فى الحسن إلى عطف اسمية محضة على اسمية، وعكسه فإنه يشارك الفعليتين والاسميتين فى اشتمال كل من الجملتين على فعل واسم، بل يزيد عليهما بتوالى الفعلين المحمولين؛ ولكنه ينقص عنهما بالاختلاف بجعل محمول إحداهما مقدما ومحمول الأخرى مؤخرا، وقول المصنف: (فى الفعلية والاسمية) فيه نظر، وينبغى أن يقول: أو الاسمية؛ لأن التناسب لا يكون فى كل منهما، بل فى إحداهما.
الأمر الثانى من التناسب: أنهما إذا كانا فعليتين يتناسبان فى المضى والمضارعة وينبغى أن يقول: أو المضارعة فإن التناسب لا يكون إلا فى إحداهما - كما سبق - كقولك: قام زيد وقعد أو يقوم ويقعد فلو قلت: قام زيد ويقعد أو عكسه، لم يحسن وهذا بشرط أن يكون المضارع والماضى مرادا بهما المضى أو الاستقبال، أما لو أريد بأحدهما المضى وبالآخر الاستقبال أو الحال لم يجز بالكلية، كما تقدم عن الشيخ أبى حيان نقل الإجماع فيه.
ومن التناسب أيضا ولم يتعرض له المصنف: أن تكون الجملتان سواء فى الشرطية والظرفية، أى: إذا كان المعطوف عليها شرطية فليكن المعطوف كذلك أو كانت المعطوف عليها ذات ظرف؛ فلتكن الثانية كذلك.
ــ
(قلت): فيه نظر؛ لأنه إذا كانت الأولى ظرفية فإن قصدت إعطاء الظرف للأخرى وصلت وإلا وجب الفصل - كما سبق - وينبغى أن يدخل فى هذا القسم إذا كان فى إحداهما أداة حصر، مثل: إنما زيد قائم وعمرو جالس تريد عطف عمرو وجالس على إنما وما بعده، وكذلك إذا كانت إحداهما مؤكدة بإن أو اللام دون الأخرى.
وقوله: (إلا لمانع) هو استثناء عائد إلى القسمين السابقين فالتناسب فى الاسمية والفعلية يعتبر إلا لمانع مثل: أن تريد بإحداهما التجدد وبالأخرى الاستمرار، كقولك:
قام زيد وعمرو قاعد إذا أردت أن قيام زيد تجدد وقعود عمرو لم يزل؛ لأن رعاية المعنى تقدم على رعاية التناسب اللفظى، قال السكاكى فى المفتاح: وعليه قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ أى سواء أجددتم الدعوة أم استمر عليكم صمتكم عن دعائهم؛ لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله ﷿ دون أصنامهم لقوله تعالى:
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ وكانت حالهم المستمرة أن يكونوا عن دعوتهم صامتين واعترض عليه بأنه إنما يتجه لو كان المدعو الله تعالى، وإنما المدعو الأصنام فلا يصح المثال؛ لأن دعاءهم الأصنام أمر ثابت لهم (قلت): والجواب أن السكاكى أراد أن الثابت لهم الصمت عن دعائهم؛ لأن الدعاء فى الغالب إنما يكون عند مسّ الضر وهم عند مس الضر إنما يدعون الله ﷿ ودعاء الله صمت عن دعائهم، ولذلك قال السكاكى: إن حالتهم المستمرة الصمت عن دعائهم، واستدل عليه بأنهم كانوا يدعون الله تعالى بدليل الآية الكريمة والمعنى سواء تجدد دعاؤكم الأصنام عند نزول الضر وتركتم ما أنتم عليه من دعاء الله تعالى عند الضر أم أنتم صامتون عن دعاء الأصنام مستمرون على دعاء الله ومن أمثلة هذا أيضا قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ؛ لأنهم كانوا يزعمون أن اللعب حالة مستمرة له ﷺ فاستفهموا عن تجدد مجيئه لهم بالحق ولا فرق فى التمثيل بهذه الآية الكريمة بين أن نقول: أم منقطعة أو نقول: متصلة قيل: ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ على قراءة النصب فإنه معطوف على فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فإن
ــ
قلت: الجملة لا تخلو عن أن تكون اسمية فتكون للثبوت أو فعلية فتكون للتجدد، فإن أريد التجدد فيهما وجب كونهما فعليتين لذلك لا للتناسب، أو أريد الثبوت فيهما وجب كونهما اسميتين لذلك أو أريد الثبوت فى إحداهما والتجدد فى الأخرى وجب اختلافهما لذلك، فليس لرعاية الاسمية والفعلية محل تكون فيه للتناسب اللفظى.
(قلت): الجملة فى نفسها لا تخلو عن دلالة على الثبوت إن كانت اسمية أو التجدد إن كانت فعلية؛ لكن وراء إرادة الثبوت وإرادة التجدد قسم ثالث وهو: إرادة مطلق النسبة من غير نظر لثبوت أو تجدد وإن كانت لا يقع الإخبار بها إلا على إحدى الكيفيتين، وبهذا ظهر الجواب عن قول السكاكى: إن كان المراد مجرد النسبة روعى التناسب فى الفعلية والاسمية وأما المانع من رعاية التناسب فى عطف أحد الفعلين على الآخر فهو أن يكون الفعلان المستقبلان مثلا يقصد إتيان أحدهما بصيغة الماضى لنكتة كالدلالة على أن هذا الأمر صورته صورة الواقع وقد تقدم الكلام على هذا ومثله وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ إشارة إلى أن الفزع المترتب على النفخ كأنه قد وقع حتى عبر عنه بلفظ الماضى. (تنبيه): إذا تأملت ما ذكرناه فى هذه الأمثلة وتأملت كلام السكاكى علمت أن المراد فى هذا المكان بقولهم: الفعل المتجدد أنه للإخبار بتجدد الشئ ووقوعه بعد أن لم يكن ويشهد لذلك قول السكاكى: سواء عليكم أجددتم دعاءهم بخلاف قولنا:
الفعل المضارع للتجدد فمعناه: أن الشئ يتجدد وقتا بعد وقت ويتكرر كما سبق تقريره.
(تنبيه): ينبغى أن يستثنى من الفعل المضارع المجزوم بلم أو لما فيعطف على الماضى تقول: زيد قام ولم يقعد ولا يعطف على المضارع المراد به الاستقبال فتقول:
سيقوم ولم يقم؛ وكأنهم استغنوا عن هذا بقولهم: إلا لمانع فإن إرادة المضى بالمضارع المجزوم لا يؤثر معها رعاية التناسب فى عطفه على مضارع للاستقبال كما أن إرادة الاستقبال بفزع منعت رعاية التناسب.
(تنبيه): جميع ما سبق فى الجملتين سواء أكانا كلامين مستقبلين أم لم يكونا مثل:
جملتى الشرط أو جملتى الجواب فيراعى فيهما ما سبق أما جملتا شرط وجواب مثل
ــ
قولك: إن قام زيد قعد عمرو وإن خرج بكر دخل خالد، فهل يشترط فى عطف الثانية على الأولى الاتحاد فى المسندين والمسند إليهما فى الجمل الأربع إذا مشينا على رأى المصنف أو يكفى الاتحاد بين مسندى الشرط والمسند إليهما أو يعتبر الجواب لم يتعرضوا لذلك فلينظر فيه.
(تنبيه): قد علم حكم الجملتين فى الوصل والفصل أما المفردات فلم يتعرضوا لها فى ذلك والظاهر أنهم إنما تركوا ذلك؛ لأنه فى الغالب واضح؛ أو لأنه يعلم حكمه من الجملتين ولذلك تجد فى أمثلة المفتاح وغيره، حين يمثل بوصل إحدى الجملتين بالأخرى كثيرا من المفردات والذى ينبغى التعرض لذلك، فنقول: الأصل فى المفرد فصله مما قبله، لأن ما قبله إما عامل فيه مثل: زيد قائم فلا يعطف المعمول على عامله أو معمول فلا يعطف العامل على معموله أو كلاهما معمول، والفعل يطلبهما طلبا واحدا، فلا يمكن عطفه؛ لأنه يلزم قطع العامل عن الثانى مثل: علمت زيدا قائما، ونحو ذلك إلا ما سنذكره فى عطف أحد الخبرين على الآخر؛ لكن قد يأتى ذلك فى بعض المفردات فلا بد له من ضابط، فنقول: إذا اجتمع مفردان وأمكن من جهة الصناعة عطف أحدهما على الآخر، فإن كان بينهما جامع وصلت وإلا فصلت ولنمش على اصطلاحهم فى الجمل، فنقول: ذلك أقسام أحدها: أن يكون بين المفردين كمال انقطاع بلا إيهام غير المراد، مثل: زيد عالم قائم، فإنه لا جامع بين هذين الخبرين معتبر، وكذلك جاء زيد لابسا ثوبا ضاربا عمرا، وكذلك الأسماء قبل التركيب، نحو: واحد اثنان ثلاثة وحروف الهجاء، نحو: ألف باء، الثانى: أن يكون بينهما كمال الانقطاع، وفى الفصل إيهام غير المراد نحو: ظننت زيدا ضاربا وعالما، فيجب العطف إذ لو لم يعطف لتوهم أن عالما معمول لقولك ضاربا، الثالث:
كمال الاتصال، بأن يكون تأكيدا معنويا أو لفظيا أو عطف بيان أو نعتا أو بدلا، نحو: جاء زيد نفسه، وجاء زيد أبو عبد الله، وجاء زيد القائم فلا يعطف شئ من ذلك أو يكون فى معنى واحد من هذه الأمور - كما سبق فى الجمل - أو يكونا بمنزلة خبر واحد كقوله:
هذا حلو حامض إذا جعلناهما خبرين، فإن قلت: قد وقع عطف بعض الصفات على بعض، قلت: على خلاف الأصل، وأكثر ما يقع ذلك للجمع بين صفتين أو للتنبيه على تغايرهما، كقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ
ــ
وَالْباطِنُ إن جعلناها صفات لرفع وهم من يستبعد أن تكون هذه الصفات لذات واحدة؛ لأنه إذا قصد فى العرف تضاد أحوال الشخص الواحد، يقال: هو قائم قاعد، وجاء العطف فى قوله تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً؛ دون ما قبله؛ لأن الثيوبة والبكارة قسمان متضادان للموصوف، لا يجتمعان فى محل واحد بخلاف الصفات قبله.
وكذلك قوله ﵎: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ فإنه لما كان الأمر بالمعروف ملازما للنهى عن المنكر، وعكسه عطف عليه، ليكونا صفتين مستقلتين بالفضل، بخلاف ما قبله فإنه لا يتوهم أن أمرين منهما صفة واحدة وأما قولهم واو الثمانية فهو كلام ضعيف ليس له أصل طائل، وإن كان وقع فى كلام كثير من الأئمة واستندوا فيه إلى أن السبعة نهاية العدد عند العرب. وأما غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ فلأن غافر الذنب وقابل التوب من صفات الأفعال، وعطف أحدهما على الآخر أيضا يتوقف على تحرير المقتضى لاختلاف هذه الصفات تعريفا وتنكيرا، وللكلام فيه سبح طويل ليس هذا محله، فإن غافر وقابل قد يظن أنهما وصف واحد لتناسبهما، فبين بعطف أحدهما أنهما متغايران وشَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ كالمتضادين بالنسبة إلى غير الله ﷿.
وقال الزمخشرى فى قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلى آخرها:
العطف الأول: نحو قوله تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً فى أنهما جنسان مختلفان إذا اشتركا فى حكم، لم يكن بد من توسط العاطف بينهما.
وأما العطف الثانى: فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع فكان معناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم مغفرة. اهـ.
قال الوالد - رحمه الله تعالى -: الصفات المتعاطفة إن علم أن موصوفها واحد إما من كل وجه كقوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ فإن الموصوف الله تعالى، وإما بالنوع كقوله تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً فإن الموصوف الأزواج، وقوله تعالى:
ــ
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ فإن الموصوف النوع الجامع للصفات المتقدمة، وإن لم يعلم أن موصوفها واحد من جهة وضع اللفظ، فإن دل دليل على أنه من عطف الصفات، أتبع كهذه الآية الكريمة، فإن هذه الأعداد لمن جمع هذه الطاعات العشر، لا لمن انفرد بواحد منها؛ إذ الإسلام والإيمان كل منهما شرط فى الأجر، وكلاهما شرط فى حصول الأجر على البواقى، ومن كان مسلما مؤمنا له أجر، لكن ليس هذا الأجر العظيم الذى أعده الله فى هذه الآية الكريمة، وقرن به إعداد المغفرة، وإعداد المغفرة زائد على المغفرة، فلخصوص هذه الآية جعل الزمخشرى ذلك من عطف الصفات والموصوف واحد، فلو لم يكن كذلك واحتمل تقدير موصوف مع كل صفة وعدمه حمل على التقدير، فإن ظاهر العطف يقضى بالتغاير، ولا يقال: الأصل عدم التقدير؛ لأن هذا الظاهر مقدم على رعاية ذلك الأصل، ومثاله قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ولو كانت من عطف الصفات لم يستحق الصدقة إلا من جمع الصفات الثمان، ولذلك إذا وقف على الفقراء والفقهاء والنحاة استحقه من به إحدى هذه الصفات، والله تعالى أعلم.
الرابع: شبه كمال الانقطاع بأن يكون للمفرد الأول حكم لا يقصد إعطاؤه للثانى نحو: زيد مجيب إن قصد صالح، إذا أردت الإخبار بأنه صالح مطلقا فإن عطف صالح على مجيب يوهم أنه صالح إن قصد؛ لأن الشرط فى أحد المتعاطفين شرط فى الآخر بخلاف الشرط فى واحد من خبرى المبتدأ، وتارة يكون عطفه على المفرد قبله يوهم عطفه على غيره، نحو:
كان زيد ضاربا عمرا قائما، فلو قلت: وقائما؛ لأوهم أنه معطوف على عمرا المفعول.
الخامس: شبه كمال الاتصال كقولك: زيد غضبان ناقص الحظ، كأن سائلا سأل لم غضب وهذا تقدير معنوى لا صناعى، ولو كان صناعيا لدخل فى عطف الجمل.
السادس: أن يكون بينهما التوسط من كمال الانقطاع وكمال الاتصال كقولك: زيد معط مانع على أن يكونا خبرين فإنك إذا أردت جعل الثانى صفة تعين الوصل - كما سبق - إلا بتأويل ثم ذلك فى المفردات يكون أيضا بالاتحاد، فتارة يتحد فيه باعتبار المسند، ونعنى به مدلول المفرد والمسند إليه، وهو العامل فى المفردين، مثل: زيد
ــ
كاذب ومائن أو قاعد وجالس، فإنه يجوز عطف أحدهما على الآخر مع اتحاد اللفظ كقوله:
فقدّدت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذبا ومينا
وكذلك: جاء زيد راضيا وضاحكا؛ يتحدان باعتبار المناسبة بين الضحك والرضا، وليسا هنا مسندين، بل هما متعلقان بصاحب الحال، أو الاتحاد بمعنى عمل الفعل السابق فيهما، ولا حرج عليك فى تسمية ذلك إسنادا إن شئت، فقد سبق عند أسباب العلمية نظيره عن سيبويه والسكاكى.
وتارة يقع الاتحاد فى المسند فقط وإن لم يوافق على تسمية ذلك إسنادا، فقل فى النسبة: جاء زيد وعمرو ضاحكا وباكيا فقد اشتركا فى جاء.
وتارة يقع الاتحاد فى المسند إليه فقط مثل: زيد عالم آكل.
(تنبيه): إذا علمت حكم الوصل والفصل بالنسبة إلى الجملتين وبالنسبة إلى المفردين، فلا يخفى عليك حالهما بالنسبة إلى جملة ومفرد، وقد جوز أكثر النحاة عطف الفعل على الاسم، وعطف الاسم على الفعل إذا كان كل منهما فى تقدير الآخر، وقال السهيلى: يحسن عطف الفعل على الاسم إذا كان اسم فاعل - ويقبح عطف الاسم على الفعل، قال: فمثل: مررت برجل يقوم وقاعد، ممتنع إلا على قبح، وجوزه الزجاج كعطف الفعل على الاسم، والأكثرون على الجواز، قال تعالى: صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ وقال تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً وقال الزمخشرى: إن قوله ﷿: وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً معطوف على معنى الفعل فى المصدقين كأنه قال: الذين اصدقوا وأقرضوا. قال شيخنا أبو حيان: تبع الزمخشرى فى ذلك الفارسى، ولا يصح العطف على المصدقين؛ لأن المعطوف على الصلة
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع