من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
أركان التشبيه (٢)
ــ
متشخص فلا بد أن يكون جزئيا، ووجه الشبه لا بد أن يكون أمرا يشترك الطرفان فيه، فلو كان حسيا والحسى موجود متعين، فى محل لزم أن يكون لكل من الطرفين صفة يختص بها فلا اشتراك حينئذ؛ لاستحالة وجود شئ واحد فى محلين فلا يوجد فى الطرف الآخر إلا مثله، والمثلان ليسا شيئا واحدا، ووجه الشبه لا بد أن يكون واحدا، يحصل الاشتراك فيه كليا مأخوذا من المثلين بتجردهما عن التعيين.
ثم قال: يمتنع أن يقال: وجه الشبه حصول المثلين فى الطرفين؛ لأن المثلين متشابهان، ولا بد للتشابه من وجه فإن كان عقليا صح ما قلناه، وإن كان حسيا لزم أن يكون منقسما فيهما، فيستدعى أن يكون من المثلين مثلان آخران، ويتسلسل وهو محال، وفيه نظر؛ لأن الكلى وإن وجد فى الخارج فليس حسيا.
وقال المصنف فى الإيضاح: المراد بكونه حسيا أن تكون أفراده مدركة بالحس، وهذا فى الحقيقة تسليم لكلام السكاكى، واعتراف بأن وجه الشبه عقلى، غير أنه يسمى حسيا، ثم يرد عليه أن هذا فى الاصطلاح لا يسمى حسيا، ألا ترى ما تقدم من المصنف فى الخيالى، وأنه ملحق بالحسى لا حسى، وإن كانت أفراده مدركة بالحس
فالسكاكى يقول: كما سلبتم اسم الحسى عن الخيالى، وإنما ألحقتموه به، فعليكم أن تسلبوا اسم الحسى عن الوجه أبدا وتصرحوا بإرادة ذلك منه، وقد أورد على قولهم أن وجه الشبه لا بد أن يكون واحدا كليا موجودا فيهما أنه يستلزم حصول العرض الواحد فى وقت واحد بمحلين، وأجيب بأنا لا نعتبر مع وجه الشبه تعينا وتشخصا، بل نأخذه مجردا، واعترض بأنه إذا أخذ مجردا امتنع أن يكون موجودا فيهما؛ إذ الوجود فيهما، يلزمه تعينه فى كل منهما، فالموجود فيهما غير كلى، فليس وجه الشبه، ووجه الشبه غير موجود فيهما فليس وجها. وأجيب بأن التعيين غير مانع من فرض العقل إياه مشتركا بين كثيرين، بمعنى أنه يتمكن من مطابقته لما يشتمل عليه كل واحد منهما، وأورد على السكاكى أن هذا تسلسل اعتبارى فلا إحالة فيه، وأنا أقول: أصل الاعتراض الذى أورده السكاكى على نفسه وأجاب عنه فاسد الوضع؛ لأن القول بأن وجه الشبه حصول المثلين؛ يقضى بأنه عقلى؛ لأن حصول المثلين أيضا عقلى لا حسى فإن عنى به أن الوجه لا يشترط أن يكون واحدا مشتركا بينهما، فلا حاجة إلى العدول عن الحسى.
فالواحد الحسىّ: كالحمرة، والخفاء، وطيب الرائحة، ولذّة الطّعم، ولين الملمس فيما مرّ.
والعقلىّ: كالعراء عن الفائدة، والجرأة، والهداية، واستطابة النفس فى تشبيه وجود الشئ العديم النفع بعدمه، والرجل الشجاع بالأسد، والعلم بالنور، والعطر بخلق كريم.
ــ
واعلم أن أقسام وجه الشبه على ما ذكره المصنف سبعة: واحد حسى، وواحد عقلى، ومركب حسى، ومركب عقلى، ومتعدد حسى، ومتعدد عقلى، ومتعدد مختلف - أى بعضه حسى وبعضه عقلى، ولك أن تقول: المتعدد وجهان لا وجه واحد مختلف، فهذا التقسيم ليس بصحيح، ولا يخفى أن الخيالى أهمل فى هذا الباب؛ لدخوله فى الحسى؛ والوهمى والوجدانى أهملا؛ لدخولهما فى العقلى على ما سبق، والسكاكى قسم المركب إلى ما هو حقيقة ملتئمة، وإلى ما هو أوصاف قصد من مجموعها هيئة واحدة وسيأتى مثالهما.
واعلم أن المراد بالتركيب تركيب الأجزاء غير المحمولة، وليس المراد به ما يحصل فى الأنواع من تركيب الفصول على الأجناس. فإن الحسى كالحمرة ونحوها مركبة ثم أخذ المصنف فى أمثلة ذلك فقال:
ص: (الواحد الحسى إلى قوله: والمركب).
(ش): مثال القسم الأول، وهو الوجه الواحد الحسى: الحمرة فى تشبيه الخد بالورد، والخفاء فى تشبيه الصوت الضعيف بالهمس، وطيب الرائحة فى تشبيه النكهة بالعنبر، وقد تقدم ما يرد عليه، ولذة الطعم فى تشبيه الريق بالخمر، كذا قال المصنف تبعا للسكاكى، وهو مخالف لما قاله المصنف فيما سبق من أن اللذة وجدانى عقلى لا
حسى، وموافق لاعتراضنا عليه، وقد تقدم ما يرد عليه أيضا، ولين الملمس فى تشبيه الخد الناعم بالحرير، وهذه أمثلة للواحد الحسى الذى طرفاه معقولان.
وأما الواحد العقلى الذى طرفاه معقولان، فالعراء عن الفائدة فى تشبيه وجود الشئ العديم النفع بعدمه، وجهة الإدراك فى تشبيه العلم بالحياة. فإن قلت: الإدراك هو العلم، فكيف يكون جهة مشتركة بين العلم والحياة؟ قلت: المقصود هنا بالعلم هو الصفة الموجبة للتمييز الذى لا يحتمل النقيض، وأما العقلى الذى طرفاه محسوسان فكالجراءة فى تشبيه الرجل الشجاع بالأسد، ومطلق الاهتداء فى تشبيه أصحاب النبى صلّى الله عليه وسلّم
والمركّب الحسى فيما طرفاه مفردان:
ــ
بالنجوم. هذه عبارة الإيضاح، والأحسن أن يقال فى الهداية، لأن الهداية وصف دائر بينهما يشتركان فيه، والاهتداء وصف قائم بالمهتدى بهما، والعقلى الذى المشبه فيه معقول، والمشبه به محسوس كمطلق الهداية فى تشبيه العقل بالنور، وإنما قلنا مطلق الهداية فى الأول؛ لأن هداية النجوم وهداية الصحابة - رضوان الله عليهم - مختلفا النوع، لدلالة الأول على الحسيات، والثانى على العقليات، والعقلى الذى المشبه فيه معقول، والمشبه به محسوس ما يحصل من الزيادة والنقصان فى تشبيه العدل بالقسطاس، والعقلى الذى المشبه فيه محسوس والمشبه به معقول كاستطابة النفس فى تشبيه العطر بخلق كريم، كذا قالوه. وهو مخالف لما سبق من المصنف من أن اللذة أمر وجدانى لا حسى، ومخالف للتفصيل الذى قدمناه فيها، فإنه يقضى بأن اللذة بالخلق عقلى؛ فإن الاستطابة استلذاذ فهذا كلام مخالف لما تقدم قريبا، ولما سبق قبله، وكل من الثلاثة لا يجتمع مع الآخر، وعدم الخفاء فى تشبيه النجوم بالسنن، قال فى المفتاح: وفى أكثر هذه الأمثلة فى معنى وحدتها تسامح، يريد أن فى أكثرها نوع تركيب إضافى، كخفاء الصوت، ولذة الطعم، واستطابة النفس، واعترض عليه فى قوله: (فى معنى وحدتها) بأن التسامح فى معنى وحدة وجه الشبه، لا فى الأمثلة.
قلت: وجوابه أن هذه الأمثلة المذكورة هى وجوه الشبه، فوحدتها وحدته.
ص: (والمركب الحسى).
(ش): لما فرغ من وجه الشبه إذا كان واحدا شرع فى القسم الثالث، وهو ما إذا كان مركبا فى حكم الواحد، وقد قسمه إلى أقسام، وكان ينبغى أن يقسم ما قبله أيضا إليها:
أحدها: أن يكون طرفاه مفردين، وعند التحقيق الإدراك واحد ليس مركبا، وإنما هذه الأجزاء التى يظن أنه تركب منها أطرافه التى نشأت عنها الهيئة المدركة، وهى شئ واحد، ومثله المصنف بالهيئة الحاصلة من تقارن الصور
البيض المستديرة الصغار المقادير فى المرأى على كيفية مخصوصة إلى أى مع، أو بمعنى المنتهية إلى مقدار مخصوص فى قوله:
كما فى قوله:
وقد لاح فى الصّبح الثّريّا كما ترىكعنقود ملّاحيّة حين نوّرا
من الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير فى المرأى، على الكيفية المخصوصة، إلى المقدار المخصوص.
ــ
وقد لاح فى الصّبح الثّريّا كما ترىكعنقود ملاحية حين نوّرا
وطرفا التشبيه هما الهيئة الحاصلة لكل منهما ووجهه هيئة ثالثة فهنا ثلاث هيئات، والتركيب هنا من سبعة أشياء، صور متقارنة بيض مستديرة صغار بكيفية مخصوصة بمقدار مخصوص.
وقول المصنف: كما فى خبر قوله: والمركب الحسى، وقوله: من الهيئة الحاصلة، يتعلق بقوله كما على وجه التبيين، وقوله: من تقارن الصور من فيه ابتدائية، وقوله:
فى المرأى على الكيفية المخصوصة، يتعلق بالتقارن. وكذلك قوله: إلى المقدار المخصوص إلا أن يتعلق بمحذوف تقديره المنتهية، والصور البيض المستديرة الصغار المقادير هى الثريا، والحبات والكيفية المخصوصة تقارن أجزاء كل منها، والمقدار المخصوص هو قدر العنقود، وقدر الثريا، وهذا البيت أنشده الدينورى.
ولاح الثّريّا عند آخر ليلة.
ونسبه إلى أحيحة بن الجلاح، وأنشده المرزبانى لقيس بن الأسلت ويروى:
وقد لاح فى الغور الثّريّا لمن يرى
وقوله: ملاحية الملاحية بالتخفيف عنب طويل أبيض، وشدده وهو ضعيف، ومثل فى الإيضاح للهيئة الحاصلة من الحمرة والشكل الكرى والمقدار المخصوص بقول ذى الرمة:
وسقط كعين الدّيك عاورت صاحبىأباها وهيّأنا لموقعها وكرا
فالوجه هو الهيئة الحاصلة من الحمرة والشكل الكرى والمقدار المخصوص، وهذا مثال لأحد قسمى المركب، وهو ما كان حقيقة ملتئمة فى الخارج، كما صرحوا به.
وفيما طرفاه مركّبان؛ كما فى قول بشّار:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
من الهيئة الحاصلة من هوىّ أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرّقة، فى جوانب شئ مظلم.
ــ
(قلت): ولقائل أن يقول: ليس الوجه هنا هيئة حاصلة كما ذكر، بل هذه أوجه متعددة كل مستقل، والسقط ما سقط من النار عند القدح، وعاورت - أى جاذبت، وأبوها زندها - أى عالجنا الزند حتى ورى، واستدل الفراء بهذا البيت على أن سقط النار يذكر ويؤنث.
ص: (وفيما طرفاه مركبان كما فى قول بشار).
(ش): أى: والوجه المركب فيما طرفاه مركبان، والظاهر أنه يريد القسم الثانى من المركب، وهو ما كان أوصافا، يجتمع منها هيئة فى الذهن، كما فى قول بشار بن برد:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
قال عبد اللطيف البغدادى: قال بشار: مذ سمعت.
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا
لم يقر لى قرار، حتى قلت هذا البيت، وذكر ابن جنى فى مجموعه عنه نحوه.
وأنشد ابن جنى فى مجموعه فوق رءوسهم وأسيافنا، وكذلك أنشده الخفاجى فى سر الفصاحة، وابن رشيق فى العمدة، وهو أحسن من جهة المعنى، بل متعين؛ لأن السيوف ساقطة على رءوسهم فلا بد أن يكون النقع على رءوسهم، ليحصل التشبيه.
وقوله: (من الهيئة) بيان لما - أى كالذى فى قوله: من الهيئة الحاصلة من هوى أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة فى جوانب شئ مظلم، مركب من سبعة:
هوى، وأجرام، ومشرقة، ومستطيلة، ومتناسبة، ومتفرقة، وفى ظلمة، والنقع التراب فجعل هيئة التراب الأسود، والسيوف البيض فيه كالكواكب فى الظلمة.
وفيما طرفاه مختلفان؛ كما مرّ فى تشبيه الشقيق.
ــ
وقوله: (تهاوى) أى تتهاوى فإن قلت: هلا قال: تهاوت، أو جعلت تهاوى ماضيا، ويصح إسقاط التاء حينئذ لا سيما والكواكب مضافة لمذكر؟ (قلت): لأنه لا يؤذن بانقضاء هويها فيفسد مقصوده؛ بل المعنى ليل كواكبه متهاوية، والليل الذى تهاوت كواكبه مظلم فقط ليس فيه شبه السيوف، وسيأتى الكلام على هذا البيت، وعلى تحقيق تشبيه المركب بالمركب فى موضعه إن شاء الله.
ص: (وفيما طرفاه مختلفان كما مر فى تشبيه الشقيق).
(ش): هذا القسم الثالث من أقسام الجامع المركب الحسى أن يكون طرفاه مختلفين، وهو قسمان:
أحدهما: أن يكون المشبه مفردا والمشبه به مركبا، قال: كما مر فى تشبيه الشقيق، يشير إلى قوله:
وكأن محمر الشّقيق إذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
فإن الشقيق مفرد، والمشبه به الهيئة الحاصلة المذكورة، ووجه الشبه مركب، وهو الهيئة الحاصلة من أجسام خضر مستطيلة، وعلى رءوسها أجرام مبسوطة.
(قلت): وفيه نظر: فإن المشبه الشقيق، والمشبه به أعلام ياقوت فقط، والجامع هو الحمرة المستعلية على الخضرة المستطيلة، ويكون قوله: (نشرن إلخ) مقيدا للمشبه به ومبينا؛ لأن مع المشبه قيدا لم ينطق به، وقد تقدم هذا، ولا أمنع أن يسمى الأعلام هنا مركبا بالمعنى السابق، وهو تركيبها مع الصفة بعدها. ثم إنى أقول: أى فرق بين تشبيه محمر الشقيق بأعلام الياقوت، وبين تشبيه أجرام النجوم بالدرر المنثورة، وقد جعلت الأول تشبيه مفرد بمركب، والثانى مركب بمركب كما سبق، ولوامع ليس قيدا حصل به تركيب فى التشبيه؛ بل هو إطناب مع أن زرقة السماء ليس لها ذكر فى أجرام النجوم، وخضرة أغصان الشقيق ليس لها ذكر. ويمكن الجواب بأن الشقيق اسم للورق والسواعد معا، فهو مفرد بخلاف أجرام النجوم، فإنها لا تصدق على الليل، فاحتجنا إلى تقدير، وكأن أجرام النجوم مع الليل.
ومن بديع المركّب الحسىّ: ما يجئ من الهيئات التى تقع عليها الحركة، ويكون على وجهين:
أحدهما: أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم؛ كالشّكل واللون؛ كما فى قوله:
والشّمس كالمرآة فى كفّ الأشل.
من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتّصلة مع تمّوج الإشراق، حتى يرى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له، فيرجع إلى الانقباض.
ــ
(تنبيه): الاختلاف أعم من أن يكون المشبه هو المفرد كما سبق، أو يكون المشبه هو المركب، وسيأتى تمثيله بقول المتنبى:
يا صاحبىّ تقصّيا نظريكماتريا وجوه الأرض كيف تصوّر
تريا نهارا مشمسا قد شابهزهر الرّبا فكأنّما هو مقمر
ص: (ومن بديع إلخ).
(ش): من بديع المركب الحسى ما يجئ فى الهيئات التى تقع عليها الحركة، ويكون على وجهين:
أحدهما: أن يقرن بالحركة غيرها - أى يكون الجامع هى وغيرها من أوصاف الجسم؛ لتكون محسوسة كالشكل واللون، كما فى قول أبى النجم، أو ابن المعتز:
والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل
فإن الجامع هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة فى المرآة، والشمس، وإشراقهما، وحركتهما السريعة المتصلة مع تموج إشراقهما، حتى يرى الشعاع كأنه يهم أن ينبسط، حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم بعد أن يهم بذلك، يبدو له فيرجع إلى الانقباض، وقد أطبق الناس على استحسان هذا التشبيه، إلا أن بعضهم اعترض عليه بأن الشلل فساد اليد فتمتنع عن الحركة، أو تتحرك بحركة غير متناسبة، وكلاهما لا يحصل به التشبيه، إنما كان يحصل بالارتعاش بأن يقول:
والثانى: أن تجرّد الحركة عن غيرها؛ فهناك - أيضا - لا بد من اختلاط حركات إلى جهات مختلفة الحركة له؛ فحركة الرحى والسهم لا تركيب فيها، بخلاف حركة المصحف فى قوله:
وكأنّ البرق مصحف قارفانطباقا مرّة وانفتاحا
ــ
والشمس مرآة بكفّ المرتعش
ثم قد يعترض بأن يقال: هذا تشبيه بأوجه متعددة، لا بوجه مركب، فإن كل واحد من هذه الأمور مستقل بنفسه، يمكن أن يجعل وجها، وقد يرد على هذا ما ورد على الذى قبله من أن يقال: هذه أوجه متعددة، لا وجه مركب، ومن هذا قول الوزير المهلبى:
والشمس من مشرقها قد بدتمشرقة، ليس لها حاجب
كأنّها بوتقة أحميتيجول فيها ذهب ذائب
فإن البوتقة إذا أحميت وذاب فيها الذهب استدارت، وتحركت بتلك الحركة السريعة العجيبة، والوجه الثانى: أن تجرد الحركة عن غيرها فتكون هى الوجه، فلا بد من اختلاط حركات إلى جهات؛ لأن الكلام فى الوجه المركب فعلم أن حركة الرحى والسهم، لا تركيب فيهما فلا بد من شئ يمكن تحرك بعضه إلى جهة اليمين، وبعضه إلى جهة اليسار، مثلا كحركة المصحف، فى قول ابن المعتز:
وكأنّ البرق مصحف قارفانطباقا مرّة، وانفتاحا
لأنّه يتحرك فى الحالتين إلى جهتين، فى كل حالة إلى جهة، كذا قال المصنف.
والأحسن أن يقال: فى كل حالة إلى جهتين، ففى حالة الانفتاح يتحرك اليمين إلى اليمين، واليسار إلى اليسار، وفى حالة الانطباق يتحرك اليمين إلى اليسار وعكسه فشبه اختلاف تعدد حركاته، باختلاف حركة البرق فتارة يظهر، وتارة يخفى بخلاف حركة الرحى مثلا فإنها لا تتغير عن جهة واحدة.
وقد يقع التركيب فى هيئة السكون؛ كما فى قوله فى صفة كلب:
يقعى جلوس البدوىّ المصطلى
من الهيئة الحاصلة من موقع كلّ عضو منه فى إقعائه.
ــ
وقوله: قار أصله: قارئ بالهمزة، وإنما خففه ولم يصحح الياء؛ لأنه جعل الأصل نسيا منسيا بجعله كقاض. وقوله: (انطباقا) منصوب بفعل - أى فينطبق انطباقا وكذا انفتاحا - أى وانفتاحا مرة، وقيل: المراد: انفتاح السحاب عن البرق، وانطباقه عليه، وهو حسن، إلا أنه يلزم أن يكون المشبه بالمصحف هو السحاب، لا البرق.
(قلت): ولك أن تقول: الوجه هنا واحد، وهو اختلاف الحركة لا مجموع الحركات المتعددات، ومن ذلك أيضا قوله:
فكأنّها والريح جاء يميلهاتبغى التّعانق ثم يمنعها الخجل
قال المصنف: ومن السهل الممتنع قول امرئ القيس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاكجلمود صخر حطّه السّيل من عل
يريد أن هذا الفرس لسرعة انحرافه يرى كفله فى الحال التى يرى فيها رأسه، فهو كصخر دفعه السيل من مكان عال، فهو يطلب جهة السفل، فكيف إذا أعانته قوة دفع السيل من عل؟ فهو بسرعة تقلبه، يرى أحد وجهيه حيث يرى الآخر. وقولنا: دفعه السيل، هى عبارة المصنف، والأحسن حطه كما فى البيت؛ لأن الدفع قد ينقطع، فلا يحصل معه الحط.
ص: (وقد يقع التركيب فى هيئة السكون إلخ).
(ش): يعنى أن الوجه قد يكون حسيا مركبا فى هيئة السكون، لا من الحركة ومنه قول أبى الطيب فى صفة الكلب:
يقعى جلوس البدوىّ المصطلى
ولطف ذلك؛ لأن لكل عضو من الكلب فى إقعائه موقعا خاصا، ولمجموع ذلك صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع، وقوله: (جلوس) منصوب على المصدر من يقعى، وإن كان بغير فعله، أو لفعل محذوف تقديره: يجلس، وخص البدوى بالذكر؛ لغلبة ذلك منه.
والعقلىّ: كحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمّل التعب فى استصحابه، فى قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ...
ــ
بقى أن يقال: كون الإقعاء هيئة سكون فيه نظر؛ لأن الجلوس حركة، لأن الحركة السكون فى حيز بعد السكون فى غيره، والجلوس كذلك نعم دوامه سكون، ومنه قوله فى صفة مصلوب:
كأنّه عاشق قد مد صفحتهيوم الوداع إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثتهمواصل لتمطّيه من الكسل
ص: (والعقلى كالمنظر المطمع إلخ).
(ش): هذا هو القسم الثانى من القسم الثانى، وهو الوجه المركب الذى بمنزلة الواحد، وهو عقلى. ومثله المصنف بقوله: كالمنظر المطمع مع المخبر المؤيس على خلاف المقدر فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ فإنه شبه عمل الكافر الذى يحسبه ينفعه فى الآخرة، ثم يخيب أمله، بشراب يراه الكافر، وقد غلبه العطش يوم القيامة، فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجده، ويجد زبانية ربه يذهبون به إلى النار.
فالوجه هنا منتزع من أمور مجموع بعضها لبعض؛ لأنه روعى من الكافر توهمه نفع العمل، وأن يكون للعمل صورة مخصوصة، وهى صورة الصلاح وأنه لا يفيد فى العاقبة شيئا، ويلقون فيها عكس ما أملوه. وكذا فى المشبه فالجامع كون الشئ على صفة يتوهم نفعه، وهو فى الباطن غير نافع بل ضار، وهو وجه عقلى أحد طرفيه وهو السراب عقلى وهمى، والآخر وهو الأعمال منقسمة إلى حسى كالصلاة والصدقة، وعقلى كالاعتقاد، وكل ما كان فى أطرافه حسى وعقلى كان وجهه عقليا، كما سبق.
وقوله: (الجامع المنظر المطمع مع المخبر المؤيس) يريد الهيئة الحاصلة من المنظر والمخبر، لا نفس المخبر والمنظر، فإن المنظر إن أريد به المفعول، فهو حسى أو المصدر فقد ينازع فى كونه عقليا؛ لأنه توجيه الحدقة نحو المنظور، وهو يشاهد بالحاسة وقد مثل هذا النوع بقوله ﷺ:" إياكم وخضراء الدمن" يريد: المرأة الحسناء فى المنبت
واعلم أنه قد ينتزع من متعدّد، فيقع الخطأ؛ لوجوب انتزاعه من أكثر؛ إذا انتزع من الشطر الأول من قوله [من
الطويل]:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامةفلمّا رأوها أقشعت وتجلّت
ــ
السوء" ومن يقول: إن هذا ليس تشبيها، بل استعارة يمثل به لما فيه من التشبيه المعنوى، لا اللفظى.
وقوله: (كالمنظر إلخ) لا يوجد فى كثير من نسخ التلخيص، ثم مثل المصنف أيضا بحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب فى استصحابه، كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً فإنه روعى به مجموع أمور: وهو الحمل للأسفار التى هى أوعية العلوم، مع جهل الحامل بما فيها.
واعلم أن ظاهر كلام المصنف أن الطرفين هنا حسيان، وهما الكفار والحمار، وفى كتاب البلاغة لعبد اللطيف البغدادى أنه من تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن حملهم التوراة ليس كالحمل على العاتق، إنما هو القيام بما فيها، ومثله بقوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ.
ص: (واعلم أنه ينتزع من متعدد، فيقع الخطأ؛ لوجوب انتزاعه من أكثر).
(ش): المقصود أنه قد يقع التشبيه بوجه مركب من أمور كثيرة فيظن أنه من بعضها، فيقع فى الغلط، ومثله المصنف بقوله:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامةفلمّا رأوها أقشعت وتجلّت
فإنه قد يتوهم أن النصف الأول تشبيه تام، وليس كذلك، بل وجه الشبه وقوع ابتداء مطمع متصل بانتهاء مؤيس.
(قلت): وهذا يتوقف على الوقوف على ما قبل هذا البيت؛ ليعلم هذا المشبه به، أيلتقى فى المعنى بهذا النصف أو لا؟ والآية السابقة أحسن فى التمثيل بها، وهو قوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ لا أن عبارة المصنف؛ قد ينتزع من متعدد فيقع الخطأ،
لوجوب انتزاعه من الجميع؛ فإنّ المراد التشبيه باتصال ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس.
ــ
لوجوب انتزاعه من أكثر، وهذه العبارة لا يصلح تمثيلها بالآية الكريمة؛ لأنا إذا قصرنا المشبه به على الحمار، لم ننتزع من متعدد.
وعبارة الإيضاح: قد تقع بعد أداة التشبيه أمور، يظن أن المقصود أمر منتزع من بعضها، فيقع الخطأ؛ لكونه منتزعا من جميعها، وهو أحسن من عبارة التلخيص؛ لأن البعض أعم من المتعدد، ويحسن تمثيله بالآية الكريمة.
(تنبيه): قال فى الإيضاح: فإن قيل: هذا يقتضى أن يكون بعض التشبيهات المجتمعة، كقولنا: زيد يصفو ويكدر، تشبيها واحدا؛ لأن الاقتصار على أحد الخبرين، يبطل الغرض من الكلام؛ لأن الغرض منه وصف بأنه يجمع بين الصفتين، ولا يدوم على إحداهما. قلنا: الفرق أن الغرض فى البيت إثبات ابتداء مطمع متصل بانتهاء مؤيس، وكون الشئ ابتداء لآخر زائد على الجمع بينهما، وليس فى قولنا: يصفو ويكدر أكثر من الجمع بين الصفتين. ونظير البيت قولنا: يكدر ثم يصفو؛ لإفادة ثم الترتيب المقتضى للربط، وقد ظهر أن التشبيهات المجتمعة تقارن التشبيه المركب فى مثل ما ذكرنا بأمرين:
أحدهما: أنه لا يجب فيها الترتيب، والثانى: أنه إذا حذف بعضها، لا يتغير حال الباقى إفادة ما كان يفيده قبل الحذف.
قلت: فيما قاله نظر، أما قوله: أن يصفو ويكدر تشبيه، فلا نسلم، وقد تكلمنا عليه، وقلنا: إن" زيد أسد" ليس ملازما للتشبيه، ولو سلمناه، فلا نسلم أن" زيد يصفو ويكدر"، مثل:" زيد أسد". سلمنا أنه تشبيه، فمن أين لنا تشبيهات مجتمعة؟ بل هو تشبيه مركب، ونحن نلتزم أن الاختصار على أحد الخبرين يبطل الغرض، ونقول: لا ينبغى الاقتصار عليه، وهل ذلك إلا كقولك: عن المز هو حلو؟ وتطوى قولك: حامض.
وأما قوله: الغرض فى البيت إثبات ابتداء وانتهاء، وقولنا: يصفو ويكدر، ليس فيه غير الجمع بين الصفتين فمسلم، وغايته أن تركيب التشبيه فى البيت بزيادة ليست فى هذا المثال. وقوله: (إن التشبيهات إذا حذف أحدها لا يتغير المعنى) صحيح، ولكن قولنا:
يصفو ويكدر، يتغير معناه بحذف أحدهما؛ لأن المراد الإخبار بأن صفاءه ينتهى إلى كدر، وبالعكس فليس من التشبيهات المجتمعة.
والمتعدّد الحسىّ: كاللون، والطّعم، والرائحة، فى تشبيه فاكهة بأخرى.
والعقلىّ: كحدّة النظر، وكمال الحذر، وإخفاء السّفاد، فى تشبيه طائر بالغراب.
والمختلف: كحسن الطلعة، ونباهة الشأن، فى تشبيه إنسان بالشمس.
واعلم: أنه قد ينتزع الشبه من نفس التضادّ؛ لاشتراك الضدّين فيه، ثم ينزّل منزلة التناسب بواسطة تمليح، أو
تهكّم؛ فيقال للجبان: ما أشبهه بالأسد، وللبخيل: هو حاتم.
ــ
ص: (والمتعدد الحسى إلى آخره).
(ش): هذا القسم الثالث، وهو ما كان وجه الشبه فيه متعددا حسيا، كتشبيه فاكهة بأخرى فى اللون والطعم والرائحة، وقد تقدم الاعتراض بأن المتعدد ليس وجها مختلفا، بل كل مستقل.
ص: (والعقلى).
(ش): أى: والمتعدد العقلى، كتشبيه طائر بالغراب فى حدة النظر، وكمال الحذر وإخفاء السفاد، وفيه نظر؛ لأن حدة النظر قد يقال: إنه حسى لا عقلى؛ لأن النظر، وهو تصويب الحدقة إلى المنظور يدرك بالنظر، وحدته متصل به، وكذلك إخفاء السفاد. قد يقال: إنه حسى، وأما الحذر فعقلى؛ لأن محله القلب، ويستدل عليه بأثره الظاهر.
ص: (والمختلف).
(ش): أى والوجه المتعدد الذى بعضه حسى وبعضه عقلى، كتشبيه إنسان بالشمس فى حسن الطلعة، وهو حسى، ونباهة الشأن، وهو عقلى.
ص: (واعلم أنه قد ينتزع الشبه من نفس التضاد؛ لاشتراك الضدين فيه، ثم ينزل منزلة التناسب).
(ش): لأن الضدين متناسبان مشتركان فى الضدية، لأن كلا منهما مساو للآخر فى مضادته له.
ص: (بواسطة تمليح، أو تهكم فيقال للجبان: ما أشبهه بالأسد، وللبخيل: هو حاتم).
(ش): وهذان يحتمل أن يكونا مثالين لكل من التمليح والتهكم، ويحتمل أن يكونا لفا ونشرا، والأول للأول، والثانى للثانى، لأنه أكثر أسلوبى اللف والنشر، وعلى
ــ
هذين فالتمليح بمعنى الإتيان بشئ مليح لا المصطلح عليه، وأن يكون لفا ونشرا، والأول للثانى والثانى للأول وهو التمليح، المصطلح عليه، وهو الإشارة فى الكلام إلى قصة أو مثل، ونحو ذلك، وهذا هو المتعين، وبه يظهر أن كل مثال لواحد. فإنا إذا أخذنا قوله:
وللبخيل هو حاتم إلى التمليح فالقصة المشار إليها ما اشتهر من كرم حاتم وأخباره، ونعيد التهكم إلى قولنا للجبان: هو كالأسد؛ لأن التهكم موجود فيه - أى: الاستهزاء، وقد اعتبر عبد اللطيف البغدادى - فى كتابه فى البلاغة -
التضاد على وجه آخر، فقال: قد يشبه أحد الضدين بالآخر، إذا كان أحدهما أظهر، كما يقال: العسل فى حلاوته، كالصبر فى مرارته، وكقول الحكيم: الموت فى قلة الأمل مثل ساعة الإنزال فى شدة اللذة؛ إذ هذا بدء خلق، وهذا بدء هدم، وأنشد لابن المهدى يخاطب المأمون ويعتذر:
لئن جحدتك معروفا مننت بهإنّى لفى اللؤم أحصى منك فى الكرم
(قلت): إن وجه الشبه ليس هو التضاد، بل هو مطلق القوة، أو الشدة الموجودة فى كل من الضدين، كما نقول: السواد كالبياض فى أن كلا منهما لون، أو اللون كالشم فى أن كلا محسوس.
(تنبيه): ما تقدم من الأمثلة لوجه الشبه كله من الوجه الحقيقى، وقد تقدم أن وجه الشبه قد يكون خياليا فى الطرفين، أو فى الأول، أو فى الثانى. فإذا كان وجه الشبه واحدا حسيا مثلا، فتارة يكون تحقيقيا فى الطرفين، كتشبيه خد بورد، وتارة يكون تخييليا فى أحدهما، كتشبيه الإيمان بالشمس، والسنن بالنجوم، والجامع النور الذى هو خيالى فى أحدهما كما سبق، ويصدق حينئذ على هذا الوجه أنه مختلف؛ لأنه خيالى بحسب أحد الطرفين، حقيقى بالنسبة إلى الآخر. وهذا ما تقدم الوعد به من أن وجه الشبه سواء أكان واحدا، أم مركبا، أم متعددا، قد يكون حسيا، أو عقليا، أو مختلفا، إلا أن اختلافه فى غير الأول على معنى أنه مجموع أمرين، أو أمور، وفى الأول على معنى أنه كلى صادق على أمرين بحسب نوعين. وإذا أردت تعداد وجوه الشبه على التفصيل، فقد علمت أن وجه الشبه، قد يكون واحدا، أو غيره، وأن أقسامه سبعة
ــ
بإدخال الوهمى والوجدانى فى العقلى، والخيالى فى الحسى، فإن لم يدخلها، فالأقسام خمسة وثلاثون:
واحد حسى.
واحد خيالى.
واحد عقلى.
واحد وهمى.
واحد وجدانى.
مركب حسى.
مركب خيالى.
مركب عقلى.
مركب وهمى.
مركب وجدانى.
متعدد حسى.
متعدد خيالى.
متعدد عقلى.
متعدد وهمى.
متعدد وجدانى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه خيالى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه عقلى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه وهمى.
متعدد بعضه خيالى، وبعضه عقلى.
متعدد بعضه خيالى، وبعضه وهمى.
متعدد بعضه خيالى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه عقلى، وبعضه وهمى.
متعدد بعضه عقلى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه وهمى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه خيالى، وبعضه عقلى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه خيالى، وبعضه وهمى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه خيالى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه عقلى، وبعضه وهمى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه عقلى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه حسى، وبعضه وهمى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه خيالى، وبعضه عقلى، وبعضه وهمى.
متعدد بعضه خيالى، وبعضه عقلى، وبعضه وجدانى.
متعدد بعضه عقلى، وبعضه وهمى، وبعضه خيالى.
وهذه الأقسام كل منها قد يكون وجه الشبه فيه تحقيقيا فى الطرفين، أو تخييليا فيهما، أو تخييليا فى المشبه فقط، أو فى المشبه به فقط.
أربعة أقسام تضرب فيما سبق، تبلغ مائة وأربعين.
وتضرب بحسب أقسام الطرفين مع ما سبق، وما سيأتى إلى شئ كثير، يعلم مما بعد عند استيفاء أقسام الطرفين إن شاء الله تعالى.
وأداته: (الكاف)، و (كأنّ)، و (مثل) وما فى معناها. والأصل فى نحو (الكاف): أن يليه المشبّه به؛ وقد يليه غيره؛ نحو: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ، ...
ــ
أداة التشبيه: ص: (وأداته الكاف، وكأن، ومثل، وما فى معناها إلى آخره).
(ش): هذا الركن الثالث، وهو أداة التشبيه، وعبر بالأداة لأنها تعم الاسم والفعل والحرف. فالكاف أداة تشبيه، كقولك: زيد كعمرو، وكأن كذلك، كقولك: كأن زيدا أسد، سواء أقلنا: إنها بسيطة أم مركبة، كما سيأتى تحقيقه إن شاء الله تعالى.
ومن أدوات التشبيه لفظ: مثل كقولك: زيد مثل عمرو على تفصيل سنذكره - إن شاء الله تعالى - وما فى معناه - أى: معنى" مثل" من شبه ونحو وغيرهما، وما اشتق من لفظة مثل وشبه ونحوهما، كما تقدم فى قولهم فى الجبان: ما أشبهه بالأسد، وكقولك: زيد يشبه أو يماثل عمرا، أو مشبه أو مماثل، ويرد عليهم التشابه، فإنه مشتق من هذه الأدوات، وليس تشبيها اصطلاحيا.
وقول المصنف: (وأداته الكاف وكأن إلى آخره) هو كقولهم: الكلمة: اسم، وفعل، وحرف. وقوله: (يشتق) لعله يريد الاشتقاق اللغوى لا النحوى، فإنه إنما يكون من المصادر.
وهذا الكلام من المصنف يقتضى أن قولك: زيد يشبه الأسد تشبيه، وفيه نظر. قال فى شرح ضوء المصباح: إنه ليس تشبيها؛ فإنه كلام يتضمن الوصف بالمماثلة بين زيد والأسد، لا بواسطة أداة تفيد ذلك الوصف، بل بوضع الجملة الخبرية دالة عليه.
انتهى، وهو حسن، ويلزمه إجراؤه فى مثل ونحو وغيرهما.
(قوله: والأصل فى نحو الكاف أن يليها المشبه به) قيل: لأن ما دخلت عليه الكاف مثلا، كالمضاف إليه، أى: الملحق به والمشبه كالمضاف. أى الملحق، فلو وليها غيره لالتبس، وفيه نظر. والأولى أن يقال: المشبه مخبر عنه بلحوق غيره، محكوم عليه، فلو دخلت الكاف عليه لامتنع الإخبار عنه.
(قوله: وقد يليه غير المشبه به) وذلك فيما إذا كان المشبه به مركبا، كقوله تعالى:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فإن الماء ليس مشبها
وقد يذكر فعل ينبئ عنه؛ كما فى: علمت زيدا أسدا إن قرب، و: حسبت ... إن بعد.
ــ
به، بل المشبه به الهيئة الحاصلة. قال بعضهم: فالكاف هنا دخلت على بعض المشبه به، لا على كله. وفيه نظر، فإن الماء ليس بعض المشبه به، بل المشبه به الهيئة الحاصلة، أو النبات الناشئ عن الماء، ولو كان الماء بعض المشبه به لما صدق أنه فى هذه الآية الكريمة ولى الكاف غير المشبه به، فإن مجموع المشبه به وليها شيئا فشيئا، وهذا كما نقول: همزة الاستفهام يليها المستفهم عنه، وقد تليها الجملة، ومن المعلوم أنه يستحيل أن يليها الجملة، إنما يليها أحد طرفيها.
نعم لك أن تقول: المصنف قال فى الإيضاح: شبهت حال الدنيا بحال ماء إلى آخره، فيمكن أن يكون مضاف محذوف، التقدير: كحال ماء، فلم يل الكاف إلا المشبه به، وهو الحال.
قال فى الإيضاح: وليس منه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ لأن المعنى: كونوا أنصارا، كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: من أنصارى إلى الله؟
(قوله: وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه) كعلمت من قولك: علمت زيدا أسدا، ونحو هذا من صيغ القطع، وفيما قاله نظر، أما أولا: فلأنه يرى أن:" زيدا أسدا" تشبيه دون علمت، فالتشبيه إنما هو بالكاف إلا أنها لم تذكر، فلفظ علمت لم يفد تشبيها. وأما ثانيا:
فلأن لفظ علمت لا إشعار له بالتشبيه أصلا، وإنما الذى يحصل بعلمت قرب التشبيه وتقويته، لا لكونه تشبيها، بل لكونه مضمون الجملة المذكورة بعد علمت.
وقوله: (إن قرب) أى إن قرب التشبيه، وقوله: (وحسبت إن بعد) أى: إذا كان التشبيه بعيدا نقول: حسبت زيدا أسدا، وكذلك خلته ونحوهما. هذا فى حسبت إذا استعملت فى الظن الصحيح، والغالب استعمالها فى الظن المخطئ.
(تنبيهات): الأول: اعلم أن المصنف قال: الأصل فى الكاف ونحوها أن يليها المشبه به، واحترز بقوله: الأصل عن أن يليها بعض المشبه به على ما قالوه، أو متعلق به على ما حققناه كما سبق.
ــ
قالوا: وأراد بقوله: ونحوها مثل وشبه ونحو فإن كلا منها يليه المشبه به، كقولك:
زيد مثل عمرو، أو شبهه، أو نحوه قالوا: واحترز أيضا عن المشتقات من شبه ومثل من فعل، وغيره.
(قلت): وفيما قالوه نظر؛ لأنك تقول: زيد مشابه الأسد فقد وليه المشبه به، والتحقيق أن يقال: أداة التشبيه إن كان لها معمولات، قدم ما تقتضى العربية تقديمه مشبها كان أو مشبها به فتقول: كأن زيدا أسد. فيليها المشبه لأنه مخبر عنه، والمخبر عنه هو اسم كأن لا خبرها، فليس تقديمه لكونه مشبها، بل لكونه اسما لها ومخبرا عنه، وإن قلت: كأن فى الدار زيدا. كان على خلاف الأصل وجعلناه تشبيها لا تحقيقا، وتقول: شابه زيد الأسد وماثله. فوليها المشبه لأنه فاعل ووضعه التقدم على المفعول، وتقول: زيد يشبه الأسد. فوليها المشبه لأنه ضمير متصل وإن كان لها معمول واحد وليها فى اللفظ المشبه به تقول: زيد كعمرو أو مثل عمرو أو شبه عمرو.
الثانى: جعل المصنف كأن أداة غير الكاف فاحتمل أن تكون عنده بسيطة وليست الكاف أصلها وهو مذهب بعض البصريين واحتمل أن تكون عنده مركبة من كاف التشبيه وأن، وهو اختيار شيخنا أبى حيان ومذهب الخليل وسيبويه والجمهور، ولا بدع أن يقال: أداة التشبيه الكاف أى فقط، أو الكاف مع غيرها وهى كأن.
الثالث: ما قدمناه من أن المشبه يلى كأن هو جرى على كلامهم وفيه نظر يتوقف على تحقيق معناها ولفظها بعد القول بالتركيب، والذى يتلخص من كلامهم فى ذلك أن فيها قولين:
(أحدهما): أن الأصل إن زيدا كالأسد، فلما قدمت الكاف فتحت الهمزة لفظا، والمعنى على الكسر والفصل بينه وبين الأصل أنك هاهنا بأن كلامك على التشبيه من أول الأمر وثم بعده مضى صدره على الإثبات، هذه عبارة الزمخشرى فى المفصل، قيل: وتحريره أن قولك: إن زيدا كالأسد تحقيق لإثبات إلحاق الناقص بالكامل، وقولك: كأن زيدا أسد. إعلام بأن تحقيق الأسدية على زيد إنما هو بطريق التشبيه لا غيرها.
ــ
وقال ابن جنى فى سر الصناعة: أصل كأن زيدا عمرو: إن زيدا كعمرو فالكاف تشبيه صريح كأنك قلت: إن زيدا كائن كعمرو. ثم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذى عليه عقدوا الجملة فأزالوا الكاف من وسطها وقدموها إلى أولها لفرط عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوها على إن وجب فتح إن، لأن المكسورة لا يتقدمها حرف الجر ولا تقع إلا أولا، وبقى معنى التشبيه الذى كان فيها وهى متوسطة بحالة فيها وهى متقدمة وذلك قولهم: كأن زيدا عمرو. إلا أن الكاف الآن لما تقدمت بطل أن تكون متعلقة بفعل ولا معنى الفعل؛ لأنها فارقت الموضع الذى يمكن أن تتعلق فيه بمحذوف وتقدمت إلى أول الجملة وزالت عن الموضع الذى كانت فيه متعلقة بخبر إن المحذوف، وزال ما كان لها من التعلق بمعانى الأفعال وليست زائدة، لأن معنى التشبيه موجود فيها، بقى النظر فى أن التى دخلت عليها هل هى مجرورة أو لا؟ وأقوى الأمرين عندى أن تكون أن فى كأنك زيد مجرورة بالكاف، فإن قلت: الكاف الآن ليست متعلقة بفعل فليس ذلك مانعا من الجر ألا ترى أن الكاف فى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ غير متعلقة بشئ وهى مع ذلك جارة ويؤكد أنها جارة فتحهم الهمزة بعدها كما يفتحونها بعد العوامل الجارة نحو:
عجبت من أنك قائم. فكذا فتحت أيضا فى كأنك قائم لأن قبلها عاملا قد جرها، فاعرف ذلك، انتهى.
(قلت): إذا تأملت كلام الزمخشرى وتدبرت عبارة ابن جنى علمت أن مقصودهما أن كأن مركبة من إن المكسورة والكاف، وأنها فتحت وصارت بعد الفتح على حالها من الدلالة على تأكيد الجملة غير منحلة مع ما بعدها إلى مصدر وأن هذه المفتوحة المتصلة بالكاف غير أن المفتوحة فى قولك: عجبت من أنك قائم، وقدمت ووضعت فى غير محلها مسارعة إلى تبادر ذهن السامع للتشبيه، ولعلها إنما فتحت لمشابهتها فى الصورة لعجبت من أنك قائم بجامع ما بينهما من اتصال كل منهما بحرف كراهية أن يقع فى الصورة اتصال إن المكسورة بحرف جر أو اتباعا لحركة الكاف، ألا ترى إلى قول الزمخشرى: فتحت لها الهمزة لفظا
ــ
والمعنى على الكسر؟! وقول ابن جنى: إن الكاف ليست الآن متعلقة بشئ ولو كانت مصدرية لتعلقت بشئ سواء أكانت اسما أم فعلا، فإنها تكون مع ما بعدها فى تأويل المفرد، وهذا المفرد لا بد له أن يتعلق بشئ، ثم يلزم
أن يكون فى الكلام محذوف كما به الجملة، وابن جنى لا يقول: إن فى الكلام محذوفا كما سيأتى نقله عنه، وقول ابن جنى: إن المكسورة لا يتقدمها حرف الجر ثم قوله: إن الكاف هذه جارة لعل الجمع بينهما أن المكسورة لفظا ومعنى لا يتقدمها حرف الجر، أما المكسورة معنى فيتقدمها إذا كانت مفتوحة فى اللفظ، فإن قلت: الفتح اللفظى لا أثر له فى منع حرف الجر إذا كان المعنى على الكسر بل المانع معنى الكسر لما فيه من عدم الانحلال بمفرد.
قلت: معنى الكسر يمنع من أن يتصل بإن حرف حال فى موضعه، أما حرف على نية التأخير موضوع فى غير موضعه فلا مانع منه غير أنه باب سماع فلا يقاس عليه مثله.
وقول بعض البصريين: القول بالتركيب خطأ لأنه يلزم قائله أن يأتى بخبر الكاف ليس بصحيح، لأنه يوهم أن" أن" عنده مصدرية.
(القول الثانى): وإليه ذهب الزجاج، أن الكاف جارة فى موضع رفع فإذا قلت:
كأنى أخوك ففيه حذف التقدير: كأخوتى إياك موجود لأن أن وما علمت فيه بتقدير مصدر ولا تكون الكاف على هذا مقدمة من تأخير.
قال ابن عصفور: وما ذهب إليه أبو الفتح أظهر لأن العرب لم تذكر" موجود" مع هذا الكلام قط.
وهذا الكلام من ابن عصفور يقتضى أنه فهم عن ابن جنى ما فهمناه عنه من كون أن فى كأن غير منحلة لمفرد فإنه لو قال بذلك لاتحد مذهبه ومذهب الزجاج.
(قلت): فإذا علمت ذلك اتجه أمران: أحدهما: النزاع فى أن كأن يليها المشبه به.
الثانى: لك أن تقول: أى تركيب فى كأن حينئذ غايته أن الكاف إن كانت مقدمة من تأخير فهى حرف وضع فى غير موضعه جاور حرفا آخر، وكذلك إن كانت غير
ــ
مقدمة وما بعدها مصدر فلا يصدق فى قولك: عجبت من أن زيدا قائم، أن يقال:
من أن مركبة، وشأن التركيب أن يجعل للكلمتين عند التركيب معنى ثالثا لم يكن قبل التركيب أو يحدث لهما أمرا لفظيا.
الرابع: ما تقدم من أن كأن للتشبيه على الإطلاق هو المشهور، وذهب الكوفيون والزجاج وابن الطراوة وابن السيد إلى أنها إن كان خبرها اسما جامدا فهى للتشبيه، وإن كان مشتقا فهى للشك بمنزلة ظننت وتوهمت، قال ابن السيد: إذا كان خبرها فعلا أو جملة أو صفة فهى فيهن للظن والحسبان، ولا تكون للتشبيه إلا إذا كان الخبر مما
يمثل به فإن قلت: كأن زيدا قائم، لا يكون تشبيها لأن الشئ لا يشبه نفسه، وأكثر الناس على الأول، فقيل: إن معنى: كأن زيدا قائم تشبيه حالته غير قائم بحالته قائما، وقال ابن ولاد: معناه تشبيه هيئة حال عدم القيام بهيئة حال القيام.
الخامس: إذا ثبت أنها للتشبيه فقد تخرج عنه فتستعمل فى غيره. قال ابن الأنبارى:
فى قولهم: كأنك بالشتاء مقبل. معناه: أظن، وجعل الكوفيون هذا، وقولهم: كأنك بالفرج آت. للتقريب، وكذا قول الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.
والجمهور يؤولون ذلك على تأويل يرجع إلى التشبيه لا نطيل بذكره، وزعم الكوفيون والزجاجى أن كأن للتحقيق فى قوله:
فأصبح بطن مكّة مقشعرّاكأنّ الأرض ليس بها هشام
وقال ابن أبى ربيعة:
كأنّنى حين أمسى لا تكلّمنىمتيّم يشتهى ما ليس موجودا
والجمهور يؤولون ذلك.
ــ
السادس: فى تعداد صيغ التشبيه على ما ذكره المصنف من أن كل ما كان بمعنى مثل وشبه أداة تشبيه، فمن أدوات التشبيه: الكاف، وكأن، وياء النسب، ومثل، ومثيل، وشبه، وشبيه، ونحو، - ذكره جماعة منهم ابن النحاس النحوى الحلبى، وقل من صرح به من أهل اللغة وإن كان مشهورا فى الاستعمال - ومثيل، وضريب، وشكل، ومضاه، ومساو، ومحاك، وأخ، ونظير، وعدل، وعديل، وكفء، ومشاكل، وموازن، ومواز، ومضارع، وند، وصنو، وما كان بمعناها أو كان مشتقا منها من فعل أو اسم. وأشار الطيبى إلى أن من أدوات التشبيه أفعل التفضيل، مثل: زيد أفضل من عمرو، وفيه بعد وإن كان يشهد له ما سيأتى من كلام ابن الشجرى، ومن أدوات التشبيه: لعل، ففى البخارى فى قوله تعالى: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ عن ابن عباس: معناه كأنكم. وفى الكشاف معناه:
ترجون الخلود فى الدنيا، أو تشبه حالكم حال من يخلد، وفى مصحف أبى (كأنكم تخلدون) وقال الطيبى: لعل هذا وارد على الاستعارة التمثيلية، وجعل عبد اللطيف البغدادى من أدوات التشبيه كلمة سواء، كقولهم: رأيت رجلا سواء هو والعدم، ولا يخفى أن هذه الألفاظ بعضها يصلح للتشبيه وبعضها يصلح للمشابهة، لكن اسم التشبيه قد يطلق على الجميع.
السابع: لم يحرر البيانيون معنى هذه الأدوات فظاهر كلامهم أن معناها واحد وليس كذلك، فإن الكاف وكأن وكذلك مثل للتشبيه فى أى شئ كان لا تختص بنوع دون آخر كما صرح به الراغب فى مادة الند، وحيث وقع فى كلامه أو كلام غيره أنها عامة فى كل شئ فهو على إرادة العموم البدلى لا الاستغراقى، قال: والند المشارك فى الجوهرية فقط، وقال فى موضع آخر: فى الجنسية والشكل لما يشاركه فى القدر والمساحة، كذا ذكره فى مادة المثل، وقبل فى مادة شكل فى الهيئة والصورة وهو قريب من الأول، والضريب هو الشكل، والشبه المشارك فى الكيفية، كاللون والطعم وكالعدالة والظلم، كذا ذكره الراغب وفيه نظر لما سيأتى.
ــ
والمساواة: المشاركة فى الكمية بالذرع والوزن والكيل وقد تعتبر بالكيفية، نحو: هذا السواد، مساو لهذا السواد وإن كان تحقيقه راجعا إلى اعتبار مكانه دون ذاته، والمضارعة المشابهة، والنظير المثل مطلقا، والأخ حقيقته المشارك لغيره فى أب أو أم، ثم أطلق على المشارك فى القبيلة، أو فى الدين، ثم استعمل فى كل مساو، ومنه قول ابن الزبير: كان عمر - رضى الله عنه - إذا حدث النبى ﷺ بحديث حدثه كأخى السرار.
قال الزمخشرى فى الفائق: أى كلاما كمثل المساررة، والمحاكى المشابه مطلقا، وأما الصنو فتصاريفه تدل على أنه المشارك لغيره فى الأصل الذى خرجا منه فالإنسان صنو أخيه لاشتراكهما فى أب أو أم، وصنو عمه أو أبيه لاشتراكهما فى الجد، والغصنان الخارجان من شجرة صنوان، والكفؤ والنظير.
وقال عبد اللطيف البغدادى فى قوانين البلاغة: إن قولك: زيد كعمرو أو مثله أو شبهه أو نظيره موضعه الأمور العلمية والمعارف النظرية، وقد تستعمله الخطباء والبلغاء لاشتراكهم فى معناه، كما يقال: هذا المربع مثل ذلك المربع، وهذا نظير هذا، والأرز كالحنطة فى تحريم التفاضل، وأما ياء النسب فقاله عبد اللطيف أيضا، وعد من الشبيه بها قولهم: لون أحمرى ووردى.
الثامن: فى ذكر ما بين هذه الصيغ من التفاوت لم يتعرض المصنف ولا غيره للفرق بين ما ذكره من هذه الصيغ، بل يقتضى كلامهم أن معناها واحد وأن رتبتها متساوية، والتحقيق فى ذلك أن يقال: إن كان شئ من هذه الصيغ يدل على المشابهة من كل وجه فهو أبلغ الصيغ، والذى قد يتخيل فيه ذلك كلمات، إحداها كلمة المساواة، فإن الأصوليين اختلفوا فى أن فعل المساواة فى حال الإثبات للعموم أو الخصوص، والشافعية وأكثر الأصوليين على أنها للخصوص، ويشهد له كلام الراغب المنقول عن الحنفية أنها للعموم بالمادة بمعنى أنه لا تصدق حقيقة المساواة إلا من كل وجه غير ما يقع به الامتياز وعليه اصطلح المنطقيون وعلى ذلك تنبئ حالة النفى، فنحو: لا يستوى تقتضى العموم عندنا، ولا تقتضيه عندهم، والثانية كلمة مثل، فإن هذا الخلاف فى عموم المساواة لا شك أنه يجرى فى المماثلة، بل هو أدل على ذلك من لفظ المساواة. وقال الشيخ تقى الدين
ــ
ابن دقيق العيد فى شرح العمدة عند الكلام على قوله:" رأيت النبى ﷺ يتوضأ نحو وضوئى هذا"، وفى شرح الإلمام أيضا لفظ النحو والمثل ليسا مترادفين، فلفظ المثل دال على المساواة بين الشيئين، إلا فيما لا يقع التعدد إلا به هذا حقيقته، ويستعمل مجازا فيما دون ذلك، ولفظ النحو يدل على المقاربة فى الفعل لا على المماثلة، وإن استعمل فى المثل فبملاحظة معنى آخر، هذه عبارته فى شرح الإلمام، فإن كان ﵀ أخذ ذلك نقلا عن اللغة فلا كلام، وإن كان أخذ كون المثل كذلك من كلام المنطقيين ففيه نظر؛ لأن الظاهر أن ذلك اصطلاح لهم ويؤيده كثرة ما ورد من التشبيه بمثل ذلك فى شئ واحد لا من كل وجه، كقوله تعالى: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ، وقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وفَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ونَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها وفَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ وإِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ففى كل من هذه الآيات الكريمة قصد نوع من المماثلة لا كل نوع، قال ابن رشيق فى العمدة: التشبيه سواء كان بالكاف أو كأن أو غيرهما لا يكون من جميع الجهات، بل من جهة أو جهات، ومما يدل على أن كلمة مثل لمطلق المشابهة قول النحاة:
إنها لا تتعرف بالإضافة لتوغلها فى الإبهام، لأنك إذا قلت: زيد مثل عمرو.
احتمل أن يكون مثله فى جنسه أو صفته الظاهرة أو الباطنة فهى صادقة على كل مماثلة فى شئ ما فلا تكون معرفة.
نعم إذا أريد بكلمة مثل المشابهة من كل وجه ينبغى أن يقال: تتعرف بالإضافة الثالثة كلمة المشابهة، فإذا قلت: زيد شبيه عمرو. كان معناه أنه شابهه من كل وجه مبالغة؛ ولذلك تعرفت بالإضافة بخلاف مثل ذكره فى شرح
التسهيل.
ــ
وينبغى أن يلحق بها مثيل إذا تقرر ذلك، فنقول: إما أن يثبت فى شئ من هذه الأدوات أنه يعم جميع أنواع الشبه أو لا - فإن ثبت فيه ذلك فلا إشكال أنه أبلغ فى التشبيه مما لم يثبت، وما لم يثبت فيه ذلك إن اختص شئ منه بنوع من أنواع الشبه - كما زعم الراغب - فلا فضل لصيغة على أخرى إلا أن ما دل على التشابه فى الجوهرية من جنس أو نوع أو فصل أقوى فى التشبيه مما دل على المشابهة فى صفة، والشبه فى الصفة الذاتية أقوى من الشبه فى الخارجية وإن لم يثبت ذلك فالذى يظهر أن الأدوات الاسمية كلها سواء، وإن اختلفت فاختلافها بشهرة استعمال البعض، وأنها مساوية للكاف الحرفية، وكأن لا يقال: دلالة مثل ونحوها على المشابهة أصرح فتكون أقوى؛ لأن قوة هذه الأسماء باعتبار الدلالة على التشبيه، لا أن التشبيه المستفاد بها أبلغ من التشبيه المستفاد من الحرف.
وأما الكاف وكأن فالمتبادر إلى الذهن أن كأن أبلغ. وكذلك صرح به الإمام فخر الدين فى نهاية الإيجاز، وكذلك حازم فى منهاج البلغاء، وقال: وهى إنما تستعمل حيث يقوى الشبه حتى يكاد الرائى يشك فى أن المشبه هو المشبه به أو غيره، ولذلك قالت بلقيس: كَأَنَّهُ هُوَ وعندى فى ذلك تحقيق، وهو بناء هذا على أن كأن بسيطة أو مركبة، فإن قلنا: إنها بسيطة استقام هذا فإن كثرة الحروف غالبا دليل على المبالغة فى المعنى، كما سبق فى أول هذا الشرح، وإن قلنا: إنها مركبة فلا؛ لأنك إن فرعت على رأى ابن جنى فأداة التشبيه بالحقيقة إنما هى الكاف، وأن تأكيد للجملة، وتأكيد الجملة المخبر فيها بالتشبيه لا يدل على المبالغة فى التشبيه، والاعتناء بالتشبيه فى تقديم الكاف المشعرة بالتشبيه من أول وهلة ليس فيه ما يدل على أن المشابهة أبلغ، بل فيه تأكيد الدلالة على مطلق
التشبيه والاعتناء به سواء أكان هو أبلغ أو لم يكن، فيكون مساويا فهو كقولك: إن زيدا كأسد وزيادة، كأن زيدا أسد، على زيد كالأسد لا باعتبار مقدار الشبه بل باعتبار تأكيد مضمون الجملة، وهو الإخبار أو الحكم على ما سبق، وفرق بين تأكيد الحكم بالتشبيه وبين الإخبار بتشبيه مؤكد، وإن فرعت على رأى
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع