من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
الاستعارة (٢)
والمسلوخ عنه الشاة ونحوها والشاة وإن سميت مسلوخة فلاعتبار أنها مسلوخ عنها الجلد كذا
ــ
يقتضيه كلام جماعة من اللغويين فلا يشك أن النهار هو المسلوخ لأنه مفعول نسلخ فليكن هو الظرف والثانى معنوى وهو أن الظلمة سابقة على النور لسبق الليل على النهار والطارئ على الشئ المستولى عليه هو الجدير بالظرف وأيضا فإن النور هو المنكشف قال الفراء: الأصل الظلمة والنهار طار عليها وهو الذى يشهد له أصول علم الهيئة من أن مخروط النور الحاصل من وقوع شعاع الشمس على وجه الأرض وانعكاسه محيط بمخروط ظل الأرض إحاطة الجلد الأسود بالمسلوخ، فإذا زال ضوء الشمس عن وجه الأفق بواسطة مخروط الظل إليه فهو زمان الليل، وأما كلام السكاكى فيرجحه قوله تعالى:
" منه" فإن الجلد وإن كان مسلوخا، والشاة مسلوخ عنها إلا أن الشاة مسلوخة من الجلد فحينئذ إن حملناه على الأول لزم تأويل" من" فيه بمعنى عن وتكون للمجاوزة كما قيل فى قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أى" عن" تأويل" نسلخ ينخرج" ويشهد له قول الواحدى فى الآية:" نسلخ" نخرج منه النهار إخراجا، وكذلك قال الرمانى، وبالجملة ما ذكره المصنف أقرب، والقولان مجتمعان على أن المراد زوال النور ووجود الظلمة بغروب الشمس. قال السكاكى: إنما أراد بظهور النور خروجه وزواله بالكلية بالغروب، فلا يبقى سوى الظلمة قال الشيرازى:" السلخ" يستعمل بمعنى النزع، تقول: سلخت الإهاب عن الشاة، أى نزعته عنها، ويستعمل بمعنى الإخراج تقول: سلخت الشاة من الإهاب، فهما صحيحان، وتقدير الآية على الأول نزعنا النهار، وكان كاللباس فصار ليلا، فإذا هم داخلون فى الظلام على الفور، كما هو موضوع الفاء، وتقديرها على الثانى أخرجنا النهار من الليل فلم يبق شئ من الليل، وذلك بطلوع الشمس، ثم أورد على نفسه أنه لو كان كذلك لما قال - تعالى -: فإذا هم مظلمون، والفاء للتعقيب، وأجاب بأن الفاء قد تستعمل لمجرد الترتيب، فالمراد فإذا هم مظلمون بعد انقضاء النهار، ولما كان النهار المتوسط بينهما يزول قطعا جعل كالزائل واستعملت" الفاء" و" إذا" الفجائية. قال: ولا تستقيم إذا الفجائية إلا إذا كان السلخ بمعنى الإخراج، إذ لا
ــ
يستقيم أن تقول:" نزعت ضوء الشمس ففاجأ الظلام" كما لا يقال:" كسرت الكوز ففاجأ الانكسار" بخلاف قولك:" أخرجت النهار من الليل ففاجأ الليل" قلت: ما ذكره من أنه لا يقال:" غابت الشمس فإذا الظلام ممنوع" وقد قال - تعالى -: حَتَّى إِذا جاؤُها بعد قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً وإن كان مجيئهم عقب سوقها إليها، والذى ألجأ الشيرازى إلى هذا التكلف أنه ظن أن ظهور النور من الظلمة لا يكون إلا ببقاء النور ظاهرا وطلوع الشمس. وليس كذلك فإنما يريد السكاكى بخروج النور وظهوره خروجه عن الأفق، فلا يبقى منه شئ عند غروب الشمس وزوال الشعاع والله أعلم.
بقى على الجميع اعتراض، وهو أن قولهم: إن الطرفين حسيان والجامع عقلى ممنوع، يحتمل أن يقال: إن ترتيب أمر من هذين على الآخر حسى، فإن خروج الجلد وانصراف النهار وظهور الظلمة والشاة كله محسوس مشاهد فهو حسى، ويمكن أن يقال: كشف الضوء وهو إزالته غير محسوس بل متعقل وإنما المحسوس الضوء نفسه.
وقد يجاب عنه بأن إزالة النور هو إغابة الشمس وهو مشاهد وبروز الظلمة مشاهد، وذلك ترتيب لا ترتب، والجامع ليس ذلك بل هو الترتب، فالترتيب حسى والترتب الذى هو أثره عقلى، وكذلك كشف النور عن الظلمة حسى، وانكشافه المرتب على الكشف عقلى، لكن هذا التحقيق يجر إلى فساد أن يكون الترتيب وهو الجامع، ويقتضى أن يكون الجامع هو ترتب شئ على آخر فحينئذ يصح الاعتراض، ويرجع حاصله إلى أن الجامع ليس الترتيب بل الترتب والترتب حسى، ومثل السكاكى استعارة ما طرفاه حسيان ووجه عقلى بقوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ فالمستعار له الريح، والمستعار منه المرأة، والجامع المنع عن ظهور النتيجة والأثر، فالطرفان حسيان والجامع عقلى. قال المصنف: فيه نظر، لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها، ولذلك جعله صفة للريح لا اسما، كأنه يريد أن العقيم هو المستعار منه، وهو صفة فهو عقلى، وقد تقدم لنا فى باب التشبيه الكلام على المستعار من اسم الفاعل ونحوه وأنهم عدوها عقلية، وإن كانت واقعة على ذات كقوله:
ــ
أخو العلم حىّ خالد بعد موته
وكلام المصنف واعتراضه ماش على هذا لأن العقيم صفة لا ذات وقد تقدم منا الاعتراض على ذلك بأن قولنا:" أخو العلم حى" معناه رجل حى فى صفة جارية على ذات محسوسة وتلك الذات هى المشبه به، فيكون المشبه به محسوسا، وهذا السؤال جار بعينه هنا، وفيه تأييد لما يقوله السكاكى، بل عقيم أقرب إلى أن يكون محسوسا من نحو الحى والعالم، لأن الحى مدلوله شئ له الحياة لا يدل على خصوص جسم أو غيره، وعقيم ليس مدلوله على ما ذكروه شيئا له العقم بل هو خاص بالعقيم عن الولادة، فمدلوله إنسان له العقم، فقد يقال: إنه من هذه الحيثية أقرب للدلالة على الذات، فيصح ما زعمه السكاكى ويصح بذلك قوله: المستعار له المرء، إما لأن العقيم يفيد ذلك، وإما لأنه ليس المشبه به على التحقيق، بل المشبه به المرء العقيم، والمعنى: إذ أرسلنا عليهم الريح المشبه للمرء العقيم.
واعلم أن هذا المكان أشكل على الشيرازى فمن بعده حتى قالوا: إن هذا عند السكاكى استعارة له بالكناية، فإنه ذكر المشبه وهو الريح، ولم يذكر المشبه به وهو المرء، بل ذكرت صفته وهو العقيم، وهو غلط، فإن الاستعارة بالكناية أن يراد بالمشبه المشبه به لادعاء أنه فرد من أفراد المشبه به كما تريد بالمنية السبع لادعاء أن المنية فرد من أفراد السباع، تثبت بذلك اغتيالها الذى هو صفة جنس السباع، وهذا المعنى لا يتأتى هنا لأنه ليس الغرض إثبات أن الريح فرد من جنس النساء فإن ثبوت ذلك للريح لا يفيد أنها عقيم لأن العقيم ليست صفة ثابتة للنساء مطلقا، ولا غالبا والذى أوقعهم فى ذلك قول السكاكى: إن المشبه به المرء، وهو لا يريد أن المشبه غير مذكور، بل يريد أن المشبه به المرء المستعار من لفظ العقيم على ما سبق فليتأمل، ثم قال المصنف: الحق أن المستعار منه ما فى المرأة من الصفة التى تمنع الحمل، المستعار له ما فى الريح من الصفة المانعة من إنشاء المطر وإلقاح الشجر والجامع لهما ما ذكر وهو المنع من ظهور الشجر اه. وفيه نظر؛ لأن المستعار منه وهو اللفظ المجازى المسمى بالاستعارة وهو هنا لفظ عقيم فكيف يجعل المستعار له الصفة وهى لم تذكر، والاستعارة عبارة
ــ
عن ذكر أحد طرفى التشبيه، وقال بعضهم: المشبه والمشبه به ههنا الريح، والمرأة وهما حسيان، والاستعارة هنا مكنية لكون المذكور هو المشبه، وهو الريح دون المشبه به، وهو المرأة، والعقيم استعارة تخييلية.
واعلم أن جميع ما تقدم هو مبنى على أن استعمال عقيم فى الريح مجاز، وقد قال الجوهرى: يقال:" رجل عقيم وريح عقيم لا تلقح سحابا ولا شجرا فيحتمل أن يكون العقم للريح حقيقة وقال الراغب: أصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر، يقال:" ريح عقيم" يصح أن يكون بمعنى فاعل، وهى التى لا تلقح سحابا ولا شجرا، ويصح أن تكون بمعنى المفعول، كالعجوز العقيم وهى التى لا تقبل أثر الخير، وإذا لم تقبل ولم تتأثر لم تعط ولم تؤثر، ومثل السكاكى أيضا لما نحن فيه بقوله تعالى: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ قال: فالمستعار له الأرض المزخرفة والمستعار منه النبات وهما حسيان، والجامع الهلاك وهو أمر عقلى قال الشيرازى: وغيره يريد أن الاستعارة هنا بالكناية لكون المشبه مذكورا دون المشبه به بقرينة، وهو الحصد. وفيه نظر، لجواز أن يكون استعارة تحقيقية مصرحا بها بأن يراد بالأرض حقيقتها، وقوله:
" حصيدا" أى نباتا حصيدا فالمشبه به فى الحكم المذكور لأن حصيدا صفته التقدير:
فجعلناها نباتا وقوله: حصيدا ولا شك أنك إذا قلت: زيد كالراقم على الماء وطرفا التشبيه مذكوران لأن تقديره: كالشخص الراقم، لا يرتاب فى ذلك، ثم إن الزمخشرى قال: التقدير: فجعلنا زرعها حصيدا، مشبه بما يحصد من الزرع، وكأن لم يغن زرعها، على حذف المضاف فى هذه المواضع لا بد منه، وإلا لم يستقم المعنى اه. وهذا يقتضى أنه لا يرى أن هذا استعارة بالكلية، ثم قول السكاكى: إن الهلاك عقلى. فيه نظر، لأن المراد به فى جانب النبات الحصد هو حسى وفى جانب الأرض زوالها وهو حسى، وإلا فأى فرق بين ذاك وبين كشف الضوء عن الظلمة، وكشف الجلد عن الشاة، وكل منهما زوال شئ، وقد جعلهما حسيين، وإن قال: إن الحسى إنما هو الإهلاك لا الهلاك، كما أن الكشف والانكشاف عقلى. قلنا: مسلم، ولكن لا تسلم أن الجامع الهلاك بل هو الإهلاك، لأنه مدلول فجعلناها حصيدا.
وإما مختلف؛ كقولك: رأيت شمسا وأنت تريد إنسانا كالشمس فى حسن الطلعة، ونباهة الشأن.
وإلا فهما إمّا عقليان؛ نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؛ فإنّ المستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل؛ والجميع عقلىّ.
ــ
(مجئ الجامع مختلفا): ص: (وإما مختلف إلخ).
(ش): هذا هو القسم الثالث، وهو أن يكون الطرفان حسيين والجامع مختلف فبعضه حسى وبعضه عقلى، كقولك:" رأيت شمسا" نريد إنسانا كالشمس فى حسن الطلعة ونباهة الشأن، والإنسان والشمس وحسن الطلعة حسيات، ونباهة الشأن عقلى.
قال المصنف: وأهمل السكاكى هذا القسم، وأجاب عنه بعض الشارحين: بأنه لم يهمله لأن التقسيم إلى حسى وعقلى منفصلة مانعة الخلو فهى تصدق بكل منهما وبمجموعهما فإنها ليست مانعة الجمع. (قلت): والتحقيق أنه إن أريد بالجامع المختلف، أنهما جامعان مستقلان، فهذا القسم داخل فى كلام السكاكى، وأدل دليل على المصنف أنه صنع ما صنع السكاكى فيما سيأتى، فإنه قسم الاستعارة إلى ثلاثة أقسام: مطلقة، ومرشحة، ومجردة، ولم يجعل منها رابعا، وهو مجردة مرشحة، لكن قال: بعد الثلاثة قد يجتمع الترشيح والتجريد فهذا نظير ما صنعه السكاكى فى كونه لم يجعل القسمة رباعية، فإما أن يفسد المصنف الآتى، أو يكون السكاكى لا حاجة به إلى ذكر هذا القسم وإن أريد أنه جامع واحد مركب من أمرين حسى وعقلى فلم يدخل، إذ لا يصدق عليه أنه حسى، ولا أنه عقلى، والظاهر أن المراد الأول؛ لأن حسن الطلعة، ونباهة الشأن جامعان لم يقصد منهما التئام حقيقة واحدة (قوله: و" إلا") إشارة إلى القسم الرابع، أى وإن لم يكن الطرفان حسيين فهما عقليان نحو قوله تعالى: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فإن المستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والثلاثة عقلية، وقد يقال: المرقد اسم مكان الرقاد كالمضجع فيكون مستعارا للممات موضع الموت إن كان يطلق عليه، أو للمصدر، فعلى الأول يكون استعارة محسوس لمحسوس بجامع عقلى، ومثل السكاكى لهذا القسم بقوله تعالى:
وإمّا مختلفان، والحسى هو المستعار منه، نحو: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ؛ فإنّ المستعار منه كسر الزجاجة، وهو حسىّ، والمستعار له التبليغ، والجامع التأثير؛ وهما عقليان، ...
ــ
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً فالمستعار منه القدوم، والمستعار له الأخذ فى الجزاء بعد
الإمهال، والجامع وقوع المدة فى البين. وفيه نظر، لأن قدوم المسافر حسى، وكون قدومه بعد مدة لا ينفى أن يكون حسيا بقيد عقلى، وكذلك مثل بقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ استعير نفرغ لنجازى، وهما عقليان، وقد يقال: الفراغ من شغل البدن حسى (قوله: وإما مختلفان) إشارة إلى القسم الخامس، وهو استعارة محسوس لمعقول، كقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فإن المستعار منه كسر الزجاجة وهو حسى. كذا قال المصنف، وفى قوله: إن الصدع كسر الزجاجة نظر، فإن الصدع فى اللغة هو الشق، سواء أكان للزجاجة أم غيرها، والمستعار له التبليغ، والجامع التأثير وهما عقليان، كأنه قال: أبن الأمر إبانة لا تنمحى، كما لا يلتئم صدع الزجاجة، كذا قالوه، وفيه نظر، لأن التبليغ حسى يدرك بحاسة السمع فهما على هذه حسيان، ولو أن المصنف قال: المستعار له إظهار الدين لكان أقرب، فإن الإظهار قد يكون بطريق حسى، أو بطريق عقلى. قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر أى أظهر دينك، ثم إن الآية لم يرد بها مطلق التبليغ، بل التبليغ جهارا، ومطلق التبليغ كان واقعا قبل نزول الآية، والتأثير فى الزجاجة حسى، وفى التبليغ عقلى، فالجامع بعضه حسى، وبعضه عقلى. والسكاكى أخذ فى التبليغ قيد بذل الإمكان وهو قيد عقلى، فهو أقرب من كلام المصنف.
ومنه قوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أى جعلت كالقبة المضروبة عليهم، أو ملصقة بهم، حتى أنها صارت منهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه، فالمستعار منه: إما ضرب القبة على الشخص، أو ضرب الطين على الحائط، والمستعار له حالهم مع الذلة، والجامع الإحاطة أو اللزوم، وهما عقليان، وقد يعترض على هذا بأن بعض أهل اللغة وهو صاحب إيراد المقاييس ذكر أن الصدع الإظهار فعلى هذا يكون" اصدع" فى الآية الكريمة حقيقة.
وإمّا عكس ذلك؛ نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ؛ فإن المستعار له كثرة الماء؛ وهو حسىّ، والمستعار منه التكبّر، والجامع الاستعلاء المفرط؛ وهما عقليان.
وباعتبار اللفظ قسمان؛ لأنه إن كان اسم جنس فأصليّة؛ كأسد وقتل، وإلا فتبعيّة؛ كالفعل، وما اشتقّ منه،
والحرف:
ــ
(قوله: وإما عكس ذلك) إشارة إلى القسم السادس، وهو أن يكونا مختلفين، والحسى مستعار له، والعقلى مستعار منه، كقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ فالمستعار له كثرة الماء، وهو حسى، والمستعار منه التكبر، فإن الطغيان حقيقة فى التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وهما عقليان، وفى إطلاق أن الجامع عقلى نظر، لأن استعلاء الماء حسى، واستعلاء التكبر عقلى، وقد مثل السكاكى وابن مالك فى المصباح لهذا القسم بقوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وهو وهم، لأنه استعارة محسوس لمعقول على العكس مما ذكروه، فإن النبذ حسى والتعرض للغفلة عقلى.
الاستعارة باعتبار اللفظ قسمان: ص: (وباعتبار اللفظ قسمان إلخ).
(ش): الاستعارة تنقسم باعتبار اللفظ قسمين: أصلية، وتبعية. فالأصلية ما كان التجوز به بطريق الأصالة، والتبعية ما كان التجوز به تبعا. وضابطه أن لفظ الاستعارة إن كان اسم جنس فهى أصلية وإلا فتبعية، والمراد باسم الجنس ما وضع للذات إما للأعيان" كأسد، ورجل" أو للمعانى" كالقيام والقعود" وإنما كانت الاستعارة أصلية لأسماء الأجناس لأنها تعتمد التشبيه، والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا بمشاركته للمشبه به فى وجه، فلا بد أن يكون المشبه به أيضا موصوفا، لأن المشاركة تستدعى شيئا من الطرفين. قال المصنف: وإنما يصلح للموصوفية الحقائق، كقولك:" جسم أبيض" و" بياض صاف" دون معانى الأفعال والصفات المشتقة منها والحروف. فإن قلت: فقد قيل فى نحو:" شجاع باسل"، و" جواد فياض"، و" عالم نحرير" أن باسلا وصف لشجاع، وفياضا وصف لجواد، ونحريرا وصف لعالم. قلت: ذلك متأول بأن
ــ
الثوانى لا تقع صفات إلا لما يكون موصوفا بالأول انتهى كلام المصنف وهو معنى كلام المفتاح، إلا أنه لم يقل: إنما يصلح للموصوفية الحقائق، بل قال: الأصل فى الموصوفية هى الحقائق، وإنما قلنا: الأصل ولم نقل: لا يعقل الوصف إلا للحقيقة قصرا للمسافة حيث يقولون فى نحو: شجاع باسل، وذكر السؤال والجواب، ووافقهما
الخطيبى وزاد أن قال: لأن معنى الموصوفية كون الشئ قائما به غيره، ومعنى الوصفية كون الشئ قائما بغيره، فالأصل فى الموصوف أن يكون جوهرا، وفى الصفة أن تكون عرضا (قلت):
قولهم: إن الاستعارة تعتمد التشبيه والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا، مسلم، لكن ليس من شرط التشبيه أن يكون المشبه موصوفا بوصف قائم به، بل أن يصح وصفه بأمر داخل فيه أو خارج عنه حقيقى أو إضافى. وقوله: إنما يصلح للوصفية الحقائق إن أراد قيام الصفة بالموصوف، فمسلم، بل لا يكون ذلك إلا للجواهر، فيلزم أن لا يتجوز بأسماء الأجناس الموضوعة للمعانى، كالعلم والجهل، لأنها لا تقوم بها الصفات، فإن العرض لا يقوم بالعرض عند الجمهور، وإن أراد الصفة المحتاج لها فى التشبيه فتلك لا يشترط فيها ما ذكره. ثم قوله:" إن الوصف إنما يكون للحقائق" يقال عليه: مسلم ذلك، ولكن ما الذى صرف الصفات المشتقة عن أن تكون حقائق، ومدلولها ليس هو الصفة، بل الذات باعتبار الصفة؟ قال ابن الحاجب فى النحو: الصفة ما دل على ذات باعتبار معنى هو المقصود، وقال فى مختصره فى الأصول: الأسود ونحوه من المشتق يدل على ذات متصفة بسواد. وقال الإمام فى المحصول فى باب الاشتقاق: مدلول المشتق مركب، والمشتق منه مفرد. وقال البيضاوى: المشتق ما دل على صفة، فلا شك أن مدلول الضارب ذات متصفة بضرب، واعتبار الوصف فى مدلوله أو اعتبار الزمان لا ينفى كون مدلوله الذات، كما أن اعتبار الناطق فى مدلول الإنسان قيدا فى كونه حيوانا لا ينفى كونه اسما لذات، لا يقال: المراد بالحقائق الذوات المتقررة فيها غير ثابتة، لأنا نقول: الذات بقيد الضرب المسماة بالضارب حقيقة متقررة فى الذهن لا يقال فيها: غير ثابتة، إنما الضرب إذا أخذ صفة للإنسان هو الذى يقال فيه: صفة غير ثابتة فلقائل أن يقول: كل كلى يدخله المجاز، وأطبق الأصوليون على قولهم: اسم الجنس إذا دخلته الألف واللام هل يعم؟ واسم الجنس كلى وغير ذلك لا يريدون به اسم الجنس المصطلح عليه فى العربية بل
ــ
الكلى مشتقا كان أم غيره، وليت شعرى إذا كان الرجل اسم جنس يصح أن يوصف، والضرب القائم به اسم جنس يصح أن يوصف، فالمتركب منهما وهو ضارب ما منعه من أن يوصف، فيستعار منه بحسب المعنى المتركب منهما، أو بحسب أحدهما.
واعلم أن الصفة فى المعنى غير الصفة فى اللفظ فأنت إذا قلت: مررت بزيد القائم، فصفة زيد التى تضمنها كلامك فى المعنى هى القيام، وصفته فى اللفظ هى لفظ قائم، وإنما أتينا باسم الفاعل؛ لعدم إمكان وصف الذات بالمصدر، إذ لا يصح أن تقول: مررت بزيد القيام، فاحتجنا إلى الإتيان بالاسم الدال على الذات باعتبار الصفة، وكما أن الصفة
لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بموصوفها، كذلك الصفة فى اللفظ لا يمكن إجراؤها على موصوفها إلا بذكر ما يدل على ذاتها، وإذا تقرر هذا فالحقيقة والمجاز قد علمت أنهما لفظان، فالمحكوم بكونه مجازا إنما هو اللفظ، وكون المقصود إنما هو الصفة لا يقضى بأن اللفظ لم يستعمل مدلوله أصالة لغيره، فقد وضح بذلك استشكال ما ذكروه من أن المشتق ليس مجازا بالأصالة، ولم يبق إلا أن يقال:" الناطق" مثلا إذا كان مشتقا من النطق فلا بد أن يكون فرعا له؛ لأن المشتق فرع المشتق منه. ولا بد أن يكون مشتقا من النطق الحقيقى، لأن المشتق شرطه أن يوافق أصله بالمعنى والحروف، فتعين أن يكون مشتقا من نطق مجازى؛ لتكون استعارته تبعية بهذا الاعتبار، وقد يعترض على هذا بمنع اشتمال المشتق على جميع معنى المشتق منه، بل يكون فيه شئ من معناه، وقد يكون بين الضارب المجازى والضارب الحقيقى اشتقاق فى جزء المعنى بقى أن يقال:
إذا كان مدلول المشتق مركبا فالتجوز فيه يكون باعتبار الصفة فقط، كما إذا أردت أن تكون الصفة التى اشتق الاسم منها هى الجامع وهذا هو الذى يبتدر إليه الذهن، لأنك إذا شبهت" زيدا" بالقائم" فالظاهر أن تشبهه به فى القيام، لأن ترتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، فإن كان المصنف يعنى بكون الاستعارة فيه تبعية أن المقصود إنما هو الصفة فى الغالب، فنحن نسلم ذلك، وقد يكون التشبيه باعتبار الذات والصفة معا فيكونان مقصودين بأن يجعل الجامع تلك الصفة، وأمرا آخر يشتركان فيه من جنس، أو نوع، أو غير ذلك على ما سبق فى التشبيه، ويحتمل أن يكون الجامع هو أمر ذاتى فقط، ولا ينظر إلى الصفة وجواز هذا بعيد، ولا يكاد يقع وقد يكون التشبيه فى المشتقات، والاستعارة فيها بحسب الزمان،
ــ
كإطلاق الضارب على من وقع منه ضرب ماض، لا باعتبار إطلاقه عليه لأنه كان عليه، فإن ذلك مجاز مرسل، بل باعتبار تشبيه حالته بعد الضرب بحالته ضاربا، فهو استعارة باعتبار الصفة. وأما قولهم فى:" جواد فياض" أن فياضا صفة لجواد، فالجواب عنه صحيح. إنما القول بأن فياضا صفة جواد، هو أحد القولين. وقيل: إنهما صفتان للجامد قبلهما. وعلى القولين فليس مما نحن فيه، لأن ذلك فى الصفة النحوية، وكلامنا فى الصفة المعنوية. وأما تقرير الخطيبى لما قاله المصنف وأتباعه بقوله: لأن الموصوفية للجوهر لا للعرض فكلام عجيب، لأنه يقتضى أن لا يتجوز بأسماء الأجناس الموضوعة للمعانى، وقد مثل هو بها قبل ذلك فى هذا الكلام، والمصنف والسكاكى لم يقولا: إنما تكون للجوهر، وإنما قالا: إنما تكون للحقائق، والحقائق أعم من الجواهر والأعراض.
وقول المصنف:" نحرير" و" باسل" لا يصح أن يكون مثالا للمشتق من الاستعارة؛ لأن باسلا معناه شجاع ليس
حقيقة فى" الأسد" حتى يستعار لغيره، والظاهر أن نحريرا حقيقة قال الجوهرى: النحرير، العالم، ثم يرد على الجميع علم الجنس، فإنه يتجوز به قطعا، وكذلك يرد عليهم الأسماء التى أصلها صفات، واستعملت استعمال الأسماء، فإنها لا إشكال أن الاستعارة فيها أصلية حتى إن منها ما لا يحتاج إلى تقدير موصوف قبله، بل يباشر العوامل بنفسه، كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ فإن الجوارى هنا لا تحتاج لموصوف قبلها، كما صرحوا به، فإذا سلمت ما ذكرناه فانقل منه إلى الأفعال والحروف ما يمكن نقله، وبالجملة نحن ماشون على ما ذكره الأئمة (قوله: وإلا) أى وإن لم يكن اسم جنس، يعنى والفرض أنها استعارة حتى لا يرد عليه الأعلام، فإنها ليست مجازات.
الاستعارات الواقعة ضمائر أو أسماء إشارات: واعلم أن الاستعارات الواقعة ضمائر، أو أسماء إشارات لها حكم ما يطابقه من مفسر إن كانت ضمائر ومشار إليه إن كانت أسماء إشارة، والظاهر أنها كلها داخلة فى التبعية، فإن الاستعارة فيها باعتبار الاستعارة فيما ترجع إليه، أو يقال: إنها لا يتجوز بها، فإن وضعها أن تعود على ما يراد بها من حقيقة ومجاز، فإذا قلت:" رأيت
ــ
أسدا يرمى فأكرمته" فضمير المفعول حقيقة لعوده على مفسره، وذلك وضعه. وإذا قلت:
" يأيها الأسد الرامى بالنبل" مشيرا إلى الإنسان، فالضمير فى قولك: الرامى حقيقة (قوله: كالفعل) يشير إلى أن الأفعال استعارتها تبعية، فإنها إنما تستعار باعتبار استعارة المصدر، فإذا قلت:" نطق الحال" فقد استعرت أولا النطق للدلالة، ثم أطلقت نطقت، فالمشبه الدلالة، والمشبه به النطق، والجامع حصول الفائدة. ويرد عليه ما سبق من أن المجاز لفظ المصدر الذى هو النطق، ولم يلفظ به حتى يكون هو المستعار أولا، ثم اشتق منه النطق، وجوابه أنه المستعار أولا تقديرا لا تحقيقا، ثم يلزم أن يكون نطق الفعل الملفوظ به مستعارا من النطق المجازى. والغزالى فى طائفة من الأصوليين يقولون:
إن المجاز لا يشتق منه، ومراد المصنف استعارة الفعل بحسب مصدره، ولا شك أن الفعل يدل على حدث وزمان، ودلالته على كل منهما بالتضمن، وعلى مجموعهما بالمطابقة وقيل: يدل على الحدث بالمطابقة، وعلى الزمان بالالتزام وقيل: يدل على كل منهما بالمطابقة كالمشترك. وفيه مباحث ذكرناها فى شرح المختصر. فالفعل إذا
تجوز به تارة يتغير حدثه فقط مثل:" نطقت الحال" بمعنى دلت، وهو الذى ذكره المصنف، وليس اللفظ فيه مستعملا فى غير موضوع بالكلية (؟) فى بعض مدلوله وهو الزمان، وغير مدلوله وهو الحدث، وتارة يتغير زمانه فقط، كقولك:" أتى زيد" بمعنى أنه يأتى، فالمصدر لم يتجوز به، بل تجوز بالتعبير بالماضى عن المستقبل، وهذا أشبه بالمجاز المرسل، وقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ يحتمل أن يكون المراد قارب الإتيان، أو أتت مقدماته، فيكون من تحويل المصدر. ويحتمل أن يكون المراد يأتى، فيكون من تحويل الزمان، وتارة يقصد تحويل مدلولى الفعل، فتقول:" نطقت الحال" بمعنى أنها ستدل، فهو دائر بين الاستعارة والمرسل بحسب مدلوليه. (قوله: ما يشتق منه) يشير إلى الصفات" كالناطق" فهو مستعار للدالّ، وكقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، وقوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ فالمستعار فى الأصل هو المصدر. وما قاله ضعيف، فإن الصحيح أن الصفات مشتقة من المصدر لا من الفعل وقد تقدم الكلام على كون استعارة المشتقات تبعية وقوله: و" الحروف" يشير إلى أن
فالتشبيه فى الأولين لمعنى المصدر، وفى الثالث لمتعلّق معناه؛ كالمجرور فى:
(زيد فى نعمة)؛ فيقدّر فى: (نطقت الحال) و: (الحال ناطقة بكذا): للدّلالة بالنّطق، وفى لام التعليل؛ نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً: للعداوة والحزن بعد الالتقاط، بعلّته الغائية.
ــ
استعارة الحروف تبعية. قال السكاكى: الاستعارة تقع فى متعلقات معانيها ثم يسرى فيها، وأعنى بمتعلقات معانيها ما يعبر عنها عند تفسيرها، كقولنا:" من" لابتداء الغاية، فليس الابتداء معناها، إذ لو كان معناها لكانت اسما، وإنما هى متعلقات معانيها، فإذا أفادت هذه الحروف معانى رجعت إلى هذه بنوع استلزام، فإذا أردت استعمال" لعل" لغير معناها قدرت الاستعارة فى معنى الترجى، ثم استعملت هناك" لعل" وهذا معنى قول المصنف: (فالتشبيه فى الأولين) يعنى الفعل والصفات (لمعنى المصدر وفى الثالث) أى الحرف (لمتعلق معناه)، (قوله: كالمجرور فى: زيد فى نعمة) مثال للاستعارة فى الحرف. قال الخطيبى: وفيه نظر، لأن المجرور هو قولنا: نعمة، وليست متعلق معناه، وهو مطلق الظرفية، ومعناه هو ظرفية النعمة للاستقرار فيها. وقرره غير الخطيبى بأن المعنى أن" فى" معناها الظرفية، وللظرفية متعلق" بالفتح" قام ذلك المعنى به، وهو" الدار" مثلا فى الظرف
الحقيقى، فهنا وقع تشبيه النعمة المشتملة على زيد بالدار المشتملة عليه، واستعمل فى النعمة كلمة" فى" التى من حقها أن تستعمل فى" الدار" فالاستعارة فى الحرف استعماله فيما لا يكون متعلق معناه، بل هو شبيه بمتعلق معناه. (قوله: فيقدر) أى التشبيه فى قولنا:" نطقت الحال بكذا" وهو مثال للفعل وفى قولنا:" الحال ناطقة بكذا" وهو مثال للصفة للدلالة بالنطق بجامع ما بينهما من الإيضاح، ثم يعبر عن ذلك بالفعل، أو الوصف، فتقول: نطقت الحال وهى ناطقة بكذا. قلت: وقولنا: الحال ناطقة بكذا. كيف يصح عده من الاستعارة وهو عند المصنف تشبيه؟ فهذا مخالف لكلامه الماضى، وموافق لما حققناه: (قوله: وفى لام التعليل) أى ويقدر التشبيه فى لام التعليل فى نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً للعداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط على إرادة العلة الغائية للالتقاط لترتب وجودهما على وجود الالتقاط، وليست اللام هنا للغرض؛ لأن حقيقة الغرض ترتب أمر على أمر،
ومدار قرينتها فى الأولين على الفاعل؛ نحو: نطقت الحال بكذا خ خ، أو المفعول؛ نحو::
قتل البخل وأحيا السّماحا
ــ
وهما مطلوبان، ولا شك أن العداوة والحزن لم يكونا مطلوبين بالالتقاط. وقول المصنف:
للدلالة: أى التشبيه للدلالة يعنى أن الدلالة هى المشبه، وكذلك قوله:" للعداوة" أى العداوة هى المجعولة كالعلة الغائية، فالتجوز وقع فى اللام هنا باعتبار أن ما استقرت عليه عاقبة الالتقاط من العداوة صير الالتقاط كأنه علته الغائية بجامع ما بين العلة الغائية والعداوة التى صار إليها الالتقاط من شئ مترتب على فعل كان غايته فى الواقع، وإن لم يكن غايته فى الذهن عند وجدان الالتقاط، والعداوة والحزن مشبهان، والعلة الغائية وهى الانتفاع مشبه به. وقال بعضهم: إن الاستعارة فى الآية ليست فى اللام، وأسند ذلك بأن ما تعلقت به هو الكون المستفاد من أن، ويكون، لا العداوة والحزن. قال: بل الاستعارة فى" عدوا وحزنا" وهى تهكمية أى ليكون لهم حبيبا وفرحا، وكذلك حالهم قرينة لهذا المعنى ولو أريد حقيقة العداوة لقيل عليهم.
ولما كانت التبعية لا بد لها من القرينة كسائر الاستعارات أخذ فى بيان قرينتها فقال: (ومدار قرينتها فى الأولين)
أى فى الفعل والصفة المشتقة منه (على الفاعل) أى بأن لا يكون صالحا لأن ينسب الفعل، أو الوصف إليه على سبيل الحقيقة نحو:
" نطقت الحال بكذا" فإن الحال ليست مما ينطق حقيقة وهذا مثال للفعل، ومثال الوصف:" رأيت رجلا ناطقا حاله بكذا" وكذلك قولك:" الحال ناطق بكذا" فإن الفاعل وهو الضمير، وهو قرينة على الاستعارة (أو) على (المفعول) بأن لا يكون الفعل، أو الوصف قابلا لأن ينسب إليه حقيقة كقول ابن المعتز:
جمع الحقّ لنا فى إمامقتل البخل وأحيا السّماحا
أى أزال البخل، وأظهر السماح، فالقرينة فى هاتين الاستعارتين جعل البخل والسماح مفعولين، وقد تكون القرينة كلا من الفاعل والمفعول، كقوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كذا قيل. وفيه نظر؛ لأن وقوع الخطف على الإبصار ليس
ونحو:
نقريهم لهذميّات نقدّ بها
أو المجرور؛ نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
ــ
هو متعذرا على سبيل الحقيقة، هذا فى المفعول الأول وتارة تكون القرينة المفعول الثانى نحو قوله:
نقريهم لهذميات نقدّ بهاما كان خاط عليهم كلّ زرّاد
قال فى الإيضاح: أو إلى المفعولين الأول والثانى كقول الحريرى:
وأقرى المسامع إما نطقتبيانا يقود الحرون الشموسا
(قوله" أو المجرور") أى قد يكون المجرور قرينة فى صرف الفعل للاستعارة، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فذكر العذاب قرينة فى صرف" فبشرهم بعذاب أليم" إلى الاستعارة التهكمية، وكان المصنف مستغنيا عن ذكر هذا، فإن المجرور هنا مفعول فى المعنى. قال السكاكى: أو تكون القرينة الجميع. قال الشيرازى: يعنى الفاعل، والمفعول الأول والثانى، والمجرور كقوله:
تقرى الرّياح رياض الحزن مزهرةإذا سرى النّوم فى الأجفان إيقاظا
قال المصنف: وفيه نظر، قيل: وجه النظر أن مجموع ذلك ليس قرينة، بل كل واحد منهن قرينة مستقلة. ورد عليه بأن السكاكى: ما قصد إلا ذلك، ويحتمل أن يكون مراد المصنف بالنظر أنا لا نسلم أن" فى الأجفان" هو قرينة؛ لأنه ليس مجرورا معلوما للاستعارة التى هى تقرى، بل هو معمول لقوله:" تقرى" واعترض على المصنف
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع