تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

رد العجز على الصدر

ومنه: ردّ العجز على الصّدر:

وهو فى النّثر: أن يجعل أحد اللفظين المكرّرين أو المتجانسين أو الملحقين بهما فى أوّل الفقرة، والآخر فى آخرها؛

ــ

يشير إلى الأروى التى فى الجبال. قال حازم: ومنها تجنيس الإضافة مثل: بدر تمام وليل تمام وكقول البحترى:

أيا قمر التمام أعنت ظلماعلىّ تطاول الليل التمام
للشاعر البحتري، من قصيدة «غرام ما أتيح من الغرام»

(تنبيه): قال فى كنز البلاغة: جناس التصحيف أن يتغير الشكل والنقط، مثل:

يحسنون ويحسبون وجناس التحريف أن يتغير الشكل فقط، مثل: مسلم ومسلم واللها واللهى، وجناس التصريف أن تنفرد إحدى الكلمتين عن الأخرى بحرف واحد، مثل:

تفرحون وتمرحون، وجناس الترجيع أن يرجع الكلمة بذاتها غير أنها تزيد حرفا واحدا أو حرفين، مثل: ربهم بهم.

(تنبيه): الصنف الواحد من التجنيس فى الصفة الواحدة، لا ينبغى أن يقع بين أكثر من لفظين وأن لا يعززا بثالث إلا حيث يكون المعنى يقتضى اقتران أشياء يصدق عليها لفظ متفق باشتراك وتواطؤ، فيكون فى اقتران تلك الأشياء على وجوه من التعلق، تحسين للمعنى، فيعبر عن تلك الأشياء على جهة تجنيس أو تصدير أو ترديد ونحوه، فأما ما فوق ذلك فمكروه عندهم نقله حازم، قال: وأما مقدار ما يستعمل فى القصيدة من أصناف التجنيس، فيجب أن لا يعنى بكثرته كل العناية، فإن ذلك شاغل عن النظر فى المعانى قال: وأحق التجنيس أن يحتمل تكراره المشتق والملحق به، وأحقها بالإقلال المركب، والمصحف، وقال التنوخى: كل ما يستحسن من البديع إذا كثر سمج كالتجنيس والمطابقة

رد العجز على الصدر: ص: (ومنه رد العجز على الصدر إلخ).

(ش): أى من أنواع التحسين اللفظية، لا من الجناس، كما توهمه الخطيبى لتصريح السكاكى، وكل من تكلم فى هذا

العلم بعده بما قلناه رد العجز على الصدر، ويسمى التصدير، وهو تارة يكون فى النظم، وتارة يكون فى النثر ففى النثر هو عبارة عن جعلك أحد اللفظين المتكررين، أو المتجانسين، أو الملحقين بهما، أى بالمتجانسين فى أول الفقرة والآخر فى آخرها، فخرج العكس، نحو: عادات السادات سادات

نحو: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، ونحو: (سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل)، ونحو: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. ونحو: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ

وفى النّظم: أن يكون أحدهما فى آخر البيت، والآخر فى صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر المصراع الثانى؛

ــ

العادات. فإنه إنما وقع فيه أحد اللفظين فى أول سجعة، والآخر فى آخر الأخرى، نحو قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فأحد اللفظين المكررين فى أول الآية، ولا يخدش فى ذلك تقدم الواو، لأنه يصدق على الفعل بعدها أنه فى أول الفقرة، وإن لم يكن أولها - والآخر وهو تخشاه فى آخرها، وهذا مثال المتكررين، وبه يعلم أن من شرط التجانس اختلاف المعنى، ومثال المتجانسين، قولهم:" سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل" لأن الأول من السؤال، والثانى من السيلان، ومثال ما ألحق بالمتجانسين من المشتقين اشتقاقا أصغر قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً فإن غفارا واستغفروا يرجعان لمادة واحدة، وإنما جعل استغفروا أول الفقرة، وإن كان أولها" فقلت" لأن المراد بالفقرة فى كلام نوح ﵇ المحكى، لا فى الحكاية، ومثال الملحق بالمتجانسين من الضرب الثانى الراجع إلى الاشتقاق الأكبر نحو قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ وهذا على العكس مما قبله، لأنه اعتبر رد العجز على الصدر فى الحكاية، لأنه وقع بين قال والقالين، وفى الذى قبله اعتبره فى المحكى.

هذا ما يتعلق برد العجز على الصدر فى النثر، وأما فى النظم فهو أن يكون أحدهما فى آخر البيت، والآخر فى صدر المصراع الأول أى فى أول البيت، أو فى حشوه أى حشو المصراع الأول، أو آخره أو صدر المصراع الثانى، فالأقسام حينئذ أربعة كل منها: إما أن يكون بالمتكررين، أو بالمتجانسين أو بالملحقين بالوجه الأول، أو بالوجه الثانى، فتكون الأقسام بالضرب ستة عشر، ولم يبق إلا أن يكون أحد الطرفين فى حشو الثانى، والآخر فى آخره، ولم يذكره المصنف، وهو جدير بالطرح، لأنه إن عدم الفاصل بينهما ففى إطلاق الرد عليه بعد - وإن وجد -، فالمسافة بينهما حينئذ قصيرة، وقد يتعذر ذلك كما فى المنهوك، أو المشطور، أو المجزوء، ويوجد فى بعض نسخ التلخيص،

كقوله:

سريع إلى ابن العمّ يلطم وجههوليس إلى داعى النّدى بسريع
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

وقوله:

تمتّع من شميم عرار نجدفما بعد العشيّة من عرار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»

وقوله:

من كان بالبيض الكواعب مغرمافما زلت بالبيض القواضب مغرما

ــ

أو حشو الثانى، وهو بعيد لأنه لو أراد ذلك لاستغنى عن التعداد، وقال: أحدهما فى آخره، والآخر فى شئ من البيت، لكن السكاكى ذكر هذا القسم، وجعل الأقسام الخمسة ثم أخذ المصنف فى الأمثلة، فمثال ما كان الصدر فيه فى أول المصراع الأول، وهما متكرران قوله:

سريع إلى ابن العمّ يلطم وجههوليس إلى داعى الندى بسريع
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

ومثال ما كان الصدر منه فى حشو المصراع الأول وهما متكرران قول الحماسى:

تمتّع من شميم عرار نجدفما بعد العشية من عرار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»

ومثال ما الصدر منه فى آخر المصراع الأول، وهما متكرران، قول أبى تمام:

من كان بالبيض الكواعب مغرمافما زلت بالبيض القواضب مغرما

وقوله:

وإن لم يكن إلّا معرّج ساعةقليلا فإنّى نافع لى قليلها

وقوله:

دعانى من ملامكما سفاهافداعى الشّوق قبلكما دعانى
للشاعر حمدون بن الحاج السلمي، اقرأ القصيدة

وقوله:

وإذا البلابل أفصحت بلغاتهافانف البلابل باحتساء بلابل
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

ــ

ومثال ما كان الصدر منه فى أول المصراع الثانى، وهما متكرران قول الحماسى:

وإن لم يكن إلا معرّج ساعةقليلا فإنى نافع لى قليلها

ومثال الخامس، وهو ما كان الرد فيه بالجناس، والصدر فى أول المصراع الأول، قول الأرجانى:

دعانى من ملامكما سفاهافداعى الشوق قبلكما دعانى
للشاعر حمدون بن الحاج السلمي، اقرأ القصيدة

فإن" دعانى" الأول من الوداع بمعنى الترك، ودعانى الثانى من الدعاء بمعنى الطلب، ومثال السادس، وهو ما كان الصدر فيه فى حشو المصراع الأول، وهما متجانسان، قول الشاعر:

وإذا البلابل أفصحت بلغاتهافانف البلابل باحتساء بلابل
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

فإن البلابل فى المصراع الأول جمع" بلبل" وهو الطائر، وفى آخر البيت جمع" بلبلة، وهى ظرف الخمر، والمراد بها هنا الخمر مجازا، كذا قاله بعض الشارحين، ولا أدرى من أين له ذلك، ويمكن أن يقال: إنه جمع بلبلة الإبريق، فسمى إبريق الخمر بلبلة من إطلاق اسم الجزء على الكل، ومثال السابع، وهو ما كان الصدر منه فى آخر المصراع الأول، وهما متجانسان قول الحريرى:

وقوله:

فمشغوف بآيات المثانىومفتون برنّات المثانى

وقوله:

أمّلتهم ثم تأمّلتهمفلاح لى أن ليس فيهم فلاح
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «صوت حمام الأيك عند الصباح»

وقوله:

ضرائب أبدعتها فى السّماحفلسنا نرى لك فيها ضريبا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «يعنفني أن أطلت النحيبا»

وقوله:

إذا المرء لم يخزن عليه لسانهفليس على شئ سواه بخزّان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»

ــ

فمشغوف بآيات المثانىومفتون برنّات المثانى

المثانى الأول القرآن والآخر جمع مثنى وهو آلة من آلات اللهو، ومثال الثامن وهو ما كان الصدر منه فى أول المصراع الثانى قول الأرجانى:

أملتهم ثم تأملتهمفلاح لى أن ليس فيهم فلاح
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «صوت حمام الأيك عند الصباح»

ومثال التاسع وهو ما إذا كانا ملحقين بالجناس بالاشتقاق الأصغر والصدر فى أول المصراع الأول قوله أى البحترى:

ضرائب أبدعتها فى السماحفلسنا نرى لك فيها ضريبا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «يعنفني أن أطلت النحيبا»

فإن الضرائب الأشكال، والضريب الشكل والشبيه ومثال العاشر، وهو ما كان كذلك والصدر فى حشو المصراع الأول، قوله أى امرئ القيس:

إذا المرء لم يخزن عليه لسانهفليس على شئ سواه بخزّان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»

وقوله:

لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط فى الخصر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

وقوله:

فدع الوعيد فما وعيدك ضائرىأطنين أجنحة الذّباب يضير؟!

وقوله:

وقد كانت البيض القواضب فى الوغىبواتر فهى الآن من بعده بتر

ــ

ونظيره قوله، أى قول المعرى:

لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط فى الخصر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

ولعله إنما ذكر هذا المثال مع الأول، وإن كان الأول كافيا؛ ليبين أن" لو" - وإن كانت حرفا - فتقديمها على اختصرتم ينفى أن يكون اختصرتم واقعا فى أول البيت، بخلاف" الواو" فيما سبق، فإن الواو إنما جئ بها للوصل، وليست من حروف المعانى المستقلة، غير أنه قد يمنع كون الخصر اسما مشتقا من الاختصار؛ لأن معناه فيه غير ملاحظ، ولولا أن المصنف أدخله فى أقسام الاشتقاق؛ لكان يحسن التمثيل به للقسم الثانى، وهو الملحق بالجناس؛ لإيهام الاشتقاق لكن المصنف طرح أمثلة ذلك النوع كلها، ومثال الحادى عشر، وهو ما كان كذلك والصدر فى آخر المصراع الأول قوله:

فدع الوعيد فما وعيدك ضائرىأطنين أجنحة الذّباب يضير

ومثال الثانى عشر، وهو ما كان ملحقا بالجناس بحسب الاشتقاق الأصغر، والصدر فى أول المصراع الثانى، قول أبى تمام:

وقد كانت البيض القواضب فى الوغىبواتر وهى الآن من بعده بتر

فإنهما مشتقان من البتر، وهو القطع، وقد سكت المصنف عن مثل الأقسام الأربعة الملحقة بالتجانس بحسب الاشتقاق الأكبر؛ لقلة استعمالها.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.