من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [الزبير]
قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: الزبير بالضم والموحدة جماعة وبالفتح وكسر الموحدة عبد الله بن الزّبير الأسدي شاعر جيد، ولهم شاعر يقال له زنير بالضم ونون وهو ابن عمر الخثعمي الذي يقال له النذير العريان.
وأنشد:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
هذا صدر بيت للنابغة الذبياني وعجزه:
إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
والبيت من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر، وأولها:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّندأقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلانا أسائلهاعيّت جوابا وما بالرّبع من أحد
إلّا الأواري لأيّاما أبيّنهاوالنّوى كالحوض بالمظلومة الجلد
ومنها:
فتلك تبلغني النّعمان أنّ لهفضلا على النّاس في الأدنى وفي البعد
الى أن قال:
الواهب المائة المعكاء زيّنهاسعدان توضح في أوبارها اللّبد
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبههولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلّا سليمان إذ قال المليك لهقم في البريّة فاحددها عن الفند
وخيس الجنّ، إنّي قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفاح والعمد
فمن أطاعك فانفعه بطاعتهكما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبةتنهى الظّلوم، ولا تقعد على ضمد
إلّا لمثلك أو من أنت سابقهسبق الجواد إذا استولى على الأمد
واحكم بحكم فتاة الحيّ إذ نظرتإلى حمام شارع وارد الثّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتنا أو نصفه فقدي
فحسبوه فألفوه كما زعمتتسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكملت مائة فيها حمامتهاوأسرعت حسبة في ذلك العدد
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنيولا قرار على زأر من الأسد
مهلا فداء لك الأقوام كلّهموما أثمّر من مال ومن ولّد
فلا لعمر الّذي مسّحت بكعبتهوما هريق على الأنصاب من جسد
لا والذي أمن الغزلان تمسحهركبان مكّة بين الغيل والسّند
ما قلت من سيّئ مما أتيت بهإذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
إذن فعاقبني ربّي معاقبةقرّت بها عين من يأتيك بالحسد
كذا أورده صاحب منتهى الطلب. والعلياء: ما ارتفع من الأرض. والسند:
ظهر الجبل. وأقوت: أقفرت وخلت. والسالف: الماضي. والأصيلال باللام آخره، ويروى بالنون. قال في الصحاح: الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، ويجمع على أصلان، ثم يصغر الجمع على أصيلان ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال، وهو أبدال على غير قياس. وقد استشهد به المصنف في التوضيح على
ذلك. ويروى:
وقفت فيها أصيلا كي تجاوبني
ويروى: طويلا، ونصب جوابا على نزع الباء. والربع: المنزل، وعيت:
لم ترد جوابا. والاواري: محابس الخليل، واحدها أورى أوأر، واللأي: البطء، ونصبه بتقديرلات. قال أبو حيان: وأنشد الفرّاء هذا البيت:
إلّا الأواريّ لا إن ما أبينها
واستدل به على جواز موالاة ثلاثة أحرف للنفي. والنوى: الحفير حول الخباء. والمظلومة: الأرض التي حفرت وليست موضع حفر، وهي أيضا التي تمرّ عليها أعوام لا تمطر. والجلد: الصلب. والبعد: يروى بضمتين وبفتحتين.
والمعكاء: السمان الغلاظ الشداد لا تثنى ولا تجمع. وسعدان: نبت. وتوضح:
موضع. واللبد: المتلبدة: وأرى: بمعنى أعلم وأحاشى: مضارع، بمعنى استثني، وماضيه حاشي. وقد استشهد به المصنف في حاشي ومثله قوله:
منّا الرّسول بخير النّاس كلّهمولا نحاشي من الأقوام إنسانا
وسليمان هو النبي ﵇. واحددها: امنعها. والفند: الخطأ والكذب، وكل مالا خير فيه. وخيس: بالخاء المعجمة والمثناة التحتية والسين المهملة. وأخيس:
ذلل. وتدمر: مدينة بالشام. والصفاح: الحجارة العريضة، واحدها صفاحة.
والعمد: بفتحتين أساطين الرخام. والضمد: بالضاد المعجمة، الغيظ، والضيم.
والجواد: الفرس. واستولى: غلب. والأمد الغاية. واحكم: أي كن حكيما مصيب الرأي في أمري ولا تقبل لمن سعى بي إليك، وكن كفتاة الحىّ إذا أصابت ووضعت الأمر موضعه، ولم يرد الحكم في القضاء. والحمام: هنا القطا.
والشراع: بالمعجمة أوله، الداخلة الماء. والثمد: الماء القليل. قال ابن الشجري:
يغلطون فيكتبون: واردي الثمد، بالياء، يريدون واردين الثمد، وليس كذلك، بل هو مفرد وصف به الحمام لأنه اسم جنس، كما قال تعالى: (أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وجَرادٌ مُنْتَشِرٌ) وقوله: شارع، وصف به أيضا، كقوله تعالى: (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) فإن اسم الجنس يجوز وصفه بالواحد والجمع.
والقصة التي أشار اليها: ان زرقاء اليمامة، وهي امرأة من بقية طسم وجديس، كانت توصف بحدّة النظر قبل، كانت ترى من مسافة ثلاثة أيام، وكان لها قطاة، فمرّ بها سرب من قطا بين جبلين فقالت:
ليت الحمام ليهإلى حمامتيه
ونصفه قديهنمّ الحمام ميه
فنظروا فإذا هي ست وستون. وقوله:
قالت ألا ليتما هذا الحمامالبيت
أورده المصنف في ليت مستشهدا به على جواز إعمال ليت مع ما، وإهمالها، لأنه روى الحمام بالنصب والرفع، وأورده في (أو)، مع البيت بعده مستشهدا به على ورود (أو) للجمع المطلق، كالواو. وقوله: أو نصفه، قال المصنف في شواهده: هو تابع لقوله هذا، فمن نصب الحمام نصبه ومن رفعه رفعه. قال:
ويجوز فيه الرفع مع نصب الحمام عطفا على الضمير المستتر في لنا، وحسن ذلك لأجل الفصل. ويروى:
ونصفه بالواو، وقد: بمعنى حسب، وهو مبتدأ حذف خبره أي فحسبي ذلك. واستشهد ابن الشجري في أماليه بقوله: فقدي على جواز ترك نون الوقاية من قد مع ياء المتكلم. والحسبة مصدر بمعنى الحساب. وأبو قابوس: كنية النعمان. وأوعدني: هدّدني. والزأر: الصوت. وأثمر: أجمع وهريق: صب. والأنصاب: الأصنام. والجسد: الدم. والغيل: بالكسر، والسند بفتح المهملة: نوعان من الشجر. وقال الأصمعي: إنما هو الغيل بالفتح، ما كان يخرج من أبي قبيس. قال: وأما بالكسر، فهو الغيضة وفي ديوان النابغة:
والمؤمن العائذات الطّير يمسحهاركبان مكّة بين الغيل والسّند
وقال شارحه: المؤمن، الله أمن الطير وأعاذها. والغيل والسند: أجمتان كانتا منافع ما بين مكة ومنى. وقوله:
ما قلت من سيّئ مما أتيت به
كذا هو في منتهى الطلب. وفي الأشعار الستة ومعه في ديوان النابغة. كما أنشده المصنف:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
والشاهد فيه في زيادة إن بعد ما النافية. ويروى من إن نديت، أي ما سبق اليك مني، يقال: ما ينداه مني شيء منه وقوله:
إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
توارد عليه جماعة من شعراء العرب وكأنه جرى عندهم مجرى المثل، منهم أنس ابن زنيم الصحابي قال من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ لما أسلم:
ونبي رسول الله إنّي هجوتهإذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع