من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
حرف الكاف
وأنشد:
وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنهكما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
رواه ثعلب في أماليه هكذا، ورواه في موضع آخر بلفظ (فاحفظنه) وبلفظ (حيث تصرف) وقد تقدّم الكلام على هذا البيت في شواهد (أما) ضمن قصيدة عمر بن أبي ربيعة، ووجدته أيضا في قصيدة لجميل وهي هذه:
أغاد أخي من آل سلمى فمبكرأبن لي أغاد أنت أم متهجّر
فإنّك إن لا تقضني ثنو ساعةوكلّ امرئ ذي حاجة متيسّر
فإن كنت قد وطّنت نفسا بحبّهافعند ذوي الأهواء ورد ومصدر
وآخر عهد لي بها يوم ودّعتولاح لها خدّ مليح ومحجر
عشيّة قالت لا تضيعنّ سرّناإذا غبت عنّا وارعه حين تدبر
وطرفك إمّا جئتنا فاحفظنهفزيغ الهوى باد لمن يتبصّر
وأعرض إذا لاقيت عينا تخافهاوظاهر ببغض إنّ ذلك أستر
فإنّك إن عرّضت فيّ مقالةيزد فيّ الّذي قد قلت: واش مكثر
وينشر سرّ في الصّديق وغيرهيعزّ علينا نشره حين ينشر
وما زلت في إعمال طرفك نحوناإذا جئت حتّى كاد حبّك يظهر
لأهلي حتّى لامني كلّ ناصحشفيق له قربى لدينا وأيصر
وقطّعني فيك الصّديق ملامةوإنّي لأعصي نهيهم حين أزجر
وما قلت هذا فاعلمن تجنّيالصرم ولا هذا بنا عنك يقصر
ولكنّني أهلي فداؤك أتّقيعليك عيون الكاشحين وأحذر
وأخشى بني عمّي عليك وإنّمايخاف ويبقى عرضه المتفكّر
وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلناتهام فما النّجديّ والمتغوّر
غريب إذا ما جئت طالب حاجةوحولي أعداء وأنت مشهّر
وقد حدّثوا إنّا التقينا على هوىفكلّهم من حمله الغيظ موقر
فقلت لها: يا بثن أوصيت حافظاوكلّ امرئ لم يرعه الله معور
فإن تك أمّ الجهم تشكي ملامةإليّ فما ألقى من اللّوم أكثر
سأمنح طرفي حين ألقاك غيركملكيما يروا أنّ الهوى حيث أنظر
وأكني بأسماء سواك وأتّقيزيارتكم والحبّ لا يتغيّر
فكم قد رأينا واجدا بحبيبهإذا خاف يبدي بغضه حين يظهر
فأنت .. البيت كيف هو ركب فيه صدر بيت على عجز آخر، وهو في هذه الرواية بلفظ (لكيما يروا) فلا شاهد فيه على النصب بكيما، كما قاله الكوفيون.
ومن رواه بلفظ (كما يحسبوا) تأوّله على حذف النون للضرورة، والأصل يحسبون. وقال الفارسي: أصله كيما، فحذفت الياء للضرورة. وقوله: (أغاد أي أرائح) وابن: انه من أبان يبين، أي أظهر. ومتهجر: من التهجر، وهو السير في الهاجرة. ومحجر: من حجر القمر، إذا استدار بغط؟؟؟ رقيق من غير أن يغلظ، وكذلك اذا صارت حوله دارة من الغيم. وواش: حاسد، يمشي بالنميمة. ولصرم:
أي لانقطاع. والكاشحين: بالحاء المهملة، الحاسدين. والمتغوّر: من الغور، وهو تهامة وما يلي اليمن والحجاز. والطرف: بفتح الطاء المهملة، العين. وما جئتنا:
أصله ان جئتنا و (ما) زائدة. وحيث أنظر: خبران.
وأنشد:
وننصر مولانا ونعلم أنّهكما النّاس مجروم عليه وجارم
هو لعمرو بن برّاقة الهمداني.
أخرج القالي في أماليه بسنده عن ابن الكلبي قال: أغار رجل من مراد يقال له حريم على إبل عمرو بن برّاقة الهمداني وخيل له فذهب بها، فأتى عمرو سلمى - وكانت بنت سيدهم وعن رأيها كانوا يصدرون - فأخبرها أن حريما المرادي أغار على إبله وخيله، فقالت: والخفو والوميض، والشّفق كالاحريض، والقلّة والحضيض، إنّ حريما لمنيع الحيز، سيّد مزيز، ذو معقل حريز،
غير أني أرى الحمّة ستظفر منه بعثرة، بطيئة الجبره، فأغر ولا تنكع. فأغار عمرو فاستاق كل شيء له، فأتى حريم بعد ذلك يطلب الى عمرو أن يردّ عليه بعض ما أخذ منه فامتنع ورجع حريم، وقال عمرو هذه القصيدة:
تقول سليمى لا تعرّض لتلفةوليلك عن ليل الصّعاليك نائم
وكيف ينام اللّيل من جلّ همّهحسام كلون الملح أبيض صارم
ومنها:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونهامراغمة ما دام للسّيف قائم
ومنها:
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهمفهل أنا في ذا يال همدان ظالم
إذا جرّ مولانا علينا جريرةصبرنا لها إنّا كرام دعائم
وننصر مولانا ونعلم أنّهكما النّاس مجروم عليه وجارم
وهو آخرها. قال القالي: الخفو: اللمعان الضعيف. والوميض: أشد من الخفو. والأحريض: حجارة النّورة. والحيز: الناحية. ومزيز: فاضل.
والحمّة: القدر. وتنكع: تردع. وقوله: (يال همدان) حذفت الهمزة تخفيفا. ومجروم عليه من الجرم: وهو الذنب. والواو في (وجارم) بمعنى: (أو) والبيت استشهد به على دخول ما الكاف. قال الآمدي: هذا الشاعر، عمرو بن منبّه بن شهر بن نهم بن ربيعة بن مالك، وبرّاقة أمه، شاعر شجاع فاتك.
وأنشد:
وأعلم أنّني وأبا حميدكما النّشوان والرّجل الحليم
هو لزياد الأعجم، وبعده:
أريد حياته ويريد قتليوأعلم أنّه الرّجل اللّئيم
ويروى: (لعمرك أنني) والبيت استشهد به على كف الكاف عن الجرّ بما، ولذلك رفع النشوان على الخبرية لأن. ويروى: (لكالنشوان) ولا شاهد فيه على هذا.
وأنشد:
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهدكما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
هو لنهشل بن حرّيّ يرثي أخاه مالكا، وكان قتل بصفين مع علي بن أبي طالب ﵁، ومن القصيدة:
وهوّن وجدي عن خليلي أنّنيإذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه
وقوله: لم يخزني: من الخزي أي لم يهنّى، أو من الخزاية، أي لم يخجلنى.
والمشهد: بفتح الميم، محضر الناس. وسيف عمرو: هي الصمصامة. والخيانة من السيف: هي النّبوة عند الضربة. وكان سيف عمرو لا ينبو، فاستوهبه عمر بن الخطاب فوهبه له، فقيل لعمر: إنه غير الصمصامة، وقد ضنّ بها. فغضب عمر لذلك، فغضب عمرو بن معد يكرب وقال: هاته، فأخذه ودخل دار إبل الصدقة فضرب عنق بعير بضربة واحدة فأبانها، وقال: أعطيتك السيف لا الساعد. وضمير تخنه، إلى عمرو والسيف. والمضارب جمع مضرب، السيف، وهو نحو من شبر من طرفه.
والبيت استشهد به على كف الكاف عن الجرّ بما. قال محمد بن سلام: نهشل ابن حرّيّ بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة
ابن مالك بن زيد مناة، شاعر شريف مشهور هو وأبوه وأجداده الأربعة، لا أعلم لتميم رهطا يتوالون توالي
هؤلاء، وعدّه في الطبقة الرابعة من الشعراء الاسلاميين.
وأنشد:
فصيّروا مثل كعصف مأكول
العصف: التبن. قال الأعلم: استشهد به سيبويه على ادخال مثل الكاف ضرورة، والتقدير: مثل عصف. وحسن الجمع بين مثل والكاف اختلاف لفظيهما مع ما قصده من المبالغة في التشبيه، ولو كرر المثل لم يحسن. وأورده المصنف في التوضيح شاهدا على نصب ضمير مفعولين. وقال العيني: هو لرؤبة، وقبله:
ومسّهم ما مسّ أصحاب الفيلترميهم حجارة من سجّيل
ولعبت طير بهم أبابيل
قال الحسن في قوله تعالى: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) أي كزرع أكل حبه وبقي تبنه.
وأنشد:
يضحكن عن كالبرد المنهمّ
هو للعجاج، وصدره:
بيض ثلاث كنعاج جمّ
بيض: جمع بيضاء. والنعاج: جمع نعجة، الرمل، وهي البقرة الوحشية.
قال أبو عبيدة: ولا يقال لغير البقر من الوحش نعاج. والجم: بمعنى الكثير.
والمنهمّ: بتشديد الميم، الذائب. يصف نسوة يضحكن عن أسنان كالبرد الذائب لطافة ونظافة. والبيت استشهد به على وقوع الكاف اسما بمعنى مثل، بدليل دخول حرف الجرّ عليها.
وأنشد:
ما يرتجى وما يخاف جمعافهو الّذي كاللّيث والغيث معا
وأنشد:
وصاليات ككما يؤثفين
هذا للخطام المجاشعي. وقبله:
لم يبق من آي بها يحلّينغير حطام ورماد كنفين
[وغير نؤي وحجاجي نؤيين]وغير ودّ جاذل أو ودّين
قال ابن يسعون: أي رب أثافى صاليات، فجعل الواو (واو رب). والظاهر خلافه، بل هي واو العطف، أي وغير صاليات. وقد تفطن لذلك العيني. والآي:
جمع آية، وهي العلامة. وضمير بها: لدار المحبوبة. ويحلين: بالمهملة، من
الحلية. والحطام: بضم الحاء المهملة، ما يكسّر من التبن. وكنفين: تثنية كنف، بكسر الكاف وسكون النون، وعاء يجعل فيه الراعي أداته. والودّ: الوتد، بفتح الواو. وصاليات: أي وأثافى صاليات، والصاليات: المسودات قد صليت بالنار. وقوله (ككما) قال ابن يسعون: أي كمثل ما يؤثفين، أي حالها التي وضعها عليه أهلها، و (ما) مصدرية، أي كأثفائها. وقوله: (يؤثفين) من أثفيت القدر جعلت لها أثافي. وكان قياس المضارع بثفين، كيكرمن، لكنه استعمله على الأصل المرفوض اضطرارا، كقوله: (فإنه أهل لأن يؤكرم). وقد استشهد به ابن أم قاسم على ذلك. وقال الزمخشري: يحلين: أي تذكر حلاها. وتوصف حطام دق شجر الخيام كنفين جانبين، أي رماد في جانب الموضع. النؤي: أن تحفر حفيرة حول البيت ويؤخذ ترابها فيجعل حاجز البيت، فجعل ذلك الحاجز كحجاج العين. الجاذل:
المنتصب. الصاليات الأثافى يؤثفين، أي يجعلن في موضع الطبخ، أي كأنها كما تركت ونصبت للقدر لم يتغير منها شيء.
وأنشد:
فلا والله لا يلفى لما بيولا للمابهم أبدا دواء
هذا آخر قصيدة لمسلم بن معبد الأسدي يشكو اعتداء المصدقين على إبله، وأوّلها:
بكت إبلي، وحقّ لها البكاءوفرّقها المظالم والعداء
جزى الله الصّحابة عنك شرّاوكلّ صحابة لهم جزاء
بفعلهم، فإن خيرا فخيراوإن شرّا: كما مثل الجزاء
فكيف بهم! وإن أحسنت قالوا:أسأت، وإن غفرت لهم أساءوا
فلا والله لا يلفى لما بيوما بهم من البلوى دواء
هكذا أورده صاحب منتهى الطلب. وعلى هذا فلا شاهد فيه، لكن رأيته في أمالي ثعلب كما أورده المصنف، وأورد قبله:
لددتهم النّصيحة كلّ لدّفمجّوا النّصح ثمّ ثنوا فقاؤا
لددتهم: يعني ألزمتهم النصح كل الالزام، فلم يقبلوا. وقاؤا: من القيء.
وصحفه العيني فقال: وفاؤا ثم قال: وهو خبر محذوف، أي وهم فاؤا. والجملة حالية انتهى. وهذا تخبيط فاحش.
وأنشد:
لسان السّوء تهديها إليناوحنت وما حسبتك أن تحينا
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع