من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [زفر بن الحارث]
زفر بن الحارث بن عبد عمرو بن معان بن يزيد بن عمرو بن الصعق أبو الهديل. ويقال: أبو عبد الله الكلابي سيد قيس في زمانه. ذكره أبو عروبة في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة. سمع عائشة ومعاوية، وروى عنه ثابت ابن الحجاج، وشهد وقعة صفين أميرا على أهل قنسرين. وشهد وقعة مرج راهط مع الضحاك بن قيس، ثم هرب ولحق بالجزيرة فتحصن بها ومات في أيام عبد الملك بن مروان. لخصته من تاريخ ابن عساكر.
وأنشد:
فإن شئت آليت بين المقام والرّكن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معيأمدّ به أمد السّرمد
وأنشد:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهميلاقونه حتّى يؤوب المنخّل
تقدم شرحه في شواهد لا ضمن قصيدة النمر بن تولب.
وأنشد:
فو الله ما نلتم ولا نيل منكمبمعتدل وفق ولا متقارب
وأنشد:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
هو لبعض الطائبين يصف مظلمة همّ بها ثم صرف نفسه عنها. وقال العيني:
هو لعامر بن جرير الطائي وصدره:
فلم أر مثلها حباسة واحد
الحباسة: بالحاء والسين المهملتين والباء الموحدة، كالظلامة وزنا ومعنى.
ورجل حبوس: أي ظلوم. وضبطه العيني بالخاء المعجمة. وقال: قال الجوهري:
الحباسة: المغنم. ونهنهت: كففت. وأفعلة: قيل أصله أفعلها بضم اللام، فحذف الألف التي بعد الهاء وجعل فتحة الهاء على اللام كما في: (والكرامة ذات أكرمكم الله به) وهي لغة محكية عن الطائيين. وقيل: الأصل أفعلنه، حذف منه نون التأكيد.
قال المصنف في شواهده: وهذا والقول الأوّل ضعيفان، والأرجح الثاني، لان ذلك قد عرف من لغة قبيلة، ولأن الضمير راجع الى الحباسة وهي مؤنث. فإذا قلنا أصله أفعلها كان جاريا على القياس والظاهر لا يعدل عنه، انتهى. ثم رأيت في الأغاني قال عامر بن جوين:
فكم للسّعيد من هجان مؤبّلهتسير صحاحا ذات قيد ومرسله
أردت بها فتكا فلم أرتمض لهونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
وأنشد:
يا عمرو إنّك قد مللت صحابتيوصحابتيك إخال ذاك قليل
وأنشد:
فلا وأبي لنأتيها جميعاولو كانت بها عرب وروم
هو لعبد الله بن رواحة من أبيات قالها في غزوة مؤتة أوّلها:
حملنا الخيل من آجام قرحيعدّ من الحشيش لها العكوم
حدوناها من الصّوّان سبتاأزلّ كأنّ صفحته أديم
أقامت ليلتين على معانفأعقب بعد فترتها حموم
فرحنا بالجياد مسوّماتتنفّس من مناخرها السّموم
فلا وأبي لنأتيها جميعاولو كانت بها عرب وروم
وفقّأ الله أعينهم فجاءتعوابس والغبار لها يزيم
بذي لجب كأنّ البيض فيهإذا برزت فوارسها النّجوم
أوردها ابن اسحق في سيرته وابن عساكر في تاريخه.
وأنشد:
اضرب عنك الهموم طارقهاضربك بالسّيف قونس الفرس
قيل: قاله طرفة بن العبد، وقال ابن بري: انه مصنوع عليه. واضرب: من الضرب، بالضاد المعجمة والموحدة، وضبطه بعضهم: اصرف، بالصاد المهملة وبالفاء، من الصرف. قال العيني: وليس بصحيح. وأصله اضربن بنون التأكيد الخفيفة حذفت للضرورة وبقيت الفتحة. والهموم: مفعول. وطارقها بدل منه. وهو من طرق الرجل اذا أتى أهله ليلا. وضربك: مصدر نوعي مضاف إلى فاعله. وأصله:
كضربك. وقونس: مفعول المصدر، وهو بفتح القاف والنون بينهما واو ساكنة وآخره سين مهملة، العظم الناتئ بين أذني الفرس.
وأنشد:
فألفيته غير مستعتبولا ذاكر الله إلّا قليلا
هو لأبي الأسود الدؤلي. أخرج أبو الفرج في الاغاني عن عوانة قال: كان أبو الأسود يجلس الى فناء امرأة بالبصرة فيتحدث إليها، وكانت برزة جميلة، فقالت له: يا أبا الأسود، هل لك أن أتزوّجك. فاني صناع الكف، حسنة التدبير، قانعة بالميسور، قال: نعم، فجمعت أهلها وتزوّجته، فوجدها على خلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدّت يدها الى خيانته، وأفشت سرّه، فغدا على من كان حضر تزويجه اياها فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا، فقال لهم:
أريت أمرا كنت لم أبلهأتاني فقال اتّخذني خليلا
فخاللته ثمّ أكرمتهفلم أستفد من لديه فتيلا
وألفيته حين جرّبتهكذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكّرته ثمّ عاتبتهعتابا رقيقا وقولا جميلا
وألفيته غير مستعتبولا ذاكر الله إلّا قليلا
ألست حقيقا بتوديعهوإتباع ذلك صرما طويلا؟
فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود. قال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، فانصرفت معهم.
استشهد سيبويه بالبيت على حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده.
قال الاعلم: وفيه وجهان: إما التشبيه بحذف النون الخفيفة لملاقاة ساكن نحو اضرب الرجل. وإما التشبيه بما حذف تنوينه من الأعلام الموصوفة بابن مضاف إلى علم. قال: والأحسن أن يكون حذف التنوين للضرورة.
وأنشد:
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّهفرغ، وإنّ أخاكم لم يثأر
هو لعامر بن الطّفيل، وهكذا أنشده وأنشده شارح أبيات الايضاح على وجه آخر فقال: قال ابن الطّفيل:
فلأبغينّكم قنا وعوارضاولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد
والخيل تردى بالكماة كأنّهاحدّ تتابع في الطّريق الأقصد
في ناشئ من عامر ومجرّبماض إذا انفلت العنان من اليد
فلأثأرنّ بمالك وبمالكوأخي المروءات الّذي لم يسند
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّهفرغ، وإنّ أخاهم لم يقصد
يقال: بغيته: طلبته باجتهاد. وقنا: اسم جبل. وعوارض: من أرض بني أسد.
وضرغد: بمعجمتين، أرض في ناحية غطفان. واللابة: الحرّة، وهي أرض ذات حجارة سود. والأصل: لأقبلن الخيل إلى اللابة، فحذف الى، وعدّى الفعل الى المفعول الثاني. وقد استشهد الفارسي في الايضاح بالبيت على ذلك. وقال:
اقبل أيضا غير متعدّ، تقول: أقبلت بوجهي عليه، فحذف الشاعر حرفي عامل واحد. وقال شارح أبياته: قد حكى أبو زيد في نوادره: قبلت الماشية الوادي، وأقبلتها اياه، أنا أقبلت بها نحوه، فاذا ثبت ذلك كان متعديا بنفسه.
وأنشد:
فطلّقها فلست لها بكفءوإلّا يعل مفرقك الحسام
تقدم شرحه في شواهد التنوين:
وأنشد:
قالوا: أخفت؟ فقلت: إنّ، وخيفتيما إن تزال منوطة برجاء
وأنشد:
قالت بنات العمّ: يا سلمى وإنكان فقيرا معدما؟ قالت: وإن
قيل هو لرؤبة، وقبله:
قالت سليمى: ليت لي بعلا يمنيغسل جلدي وينسيني الحزن
وحاجة ما إن لها عندي ثمنميسورة قضاء منّه ومن
قالت بنات العمّ: يا سلمى وإنكان فقيرا معدما؟ قالت: وإن
سلمى وسليمى: واحد. ويمن: تخفيف النون، وأصله بالتشديد، لأنه من المنة، ومحله نصب صفة بعلا. والتقدير: يمن على. وجملة: يغسل، الخ، كاشفة كلمة يمن. وحاجة بالنصب عطفا على بعلا. والتقدير: يمن على، وهي قضاء الشهوة.
وما نافية. وان زائدة. وميسور: صفة حاجة. ومن: أصله ومنى حذفت الياء والتشديد ضرورة. والمقدّم وجواب الشرط الأوّل محذوف، أي ترضى. وفيه شاهد آخر على دخول التنوين الغالي في أن، أورده كذلك المصنف في التوضيح بلفظ (وانن) في الموضعين.
وأنشد:
إن يكن طبّك الدّلال فلو فيسالف الدّهر والسّنين الخوالي
هو لعبيد بن الأبرص من أبيات أوّلها:
تلك عرسي غضبى تريد زيالي، ألبين تريد أم الدّلال
إن يكن طبّك الفراق فلاأحفل أن تعطفي صدور الجمال
إن يكن طبّك الدّلال فلو فيسالف الدّهر واللّيالي الخوالي
كنت بيضاء كالمهاة وإذآتيك نشوان مرخيا أذيالي
فاتركي خطّ حاجبيك وعيشيمعنا بالرّجا أو التّأمالي
زعمت أنّني كبرت وأنّيقلّ مالي وضنّ عنّي الموالي
وصحا باطلي وأصبحت شيخالا يواتي أمثالها أمثالي
إن تريني تغيّر الرّأس منّيوعلا الشّيب مفرقي وقذالي
فبما أدخل الخباء على مهضومة الكشح طفلة كالغزال
فتعاطيت جيدها ثمّ مالتميلان الكثيب بين الرّمال
ثمّ قالت: فداء لنفسك نفسيوفداء المال أهلك مالي
الطب: بكسر الطاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، العادة. والدلال: بفتح الدال المهملة وتخفيف اللام، التحاشي والتمانع على المحب، وفعله دل يدل من
باب ضرب يضرب. والخوالي: المواضي، جمع خالية، يقول: ان كان عادتك الدلال فلو كان هذا فيما مضى لاحتملناه. والبيت استشهد به ابن مالك على حذف فعل لو الشرطية شرطها وجوابها، فإن تقديره: فلو كان ذلك في سالف الدهر لاحتملناه.
وأنشد:
وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوتغويت، وإن ترشد غزيّة أرشد
هذا من قصيدة لدريد بن الصّمة الجشمي، يرثي أخاه عبد الله، وأوّلها:
أرثّ جديد الحبل من أمّ معبدبعاقبة، وأخلفت كلّ موعد
أعاذل مهلا بعض لومك واقصديوإن كان علم الغيب عندك فارشدي
ومنها:
فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّجسراتهم في الفارسيّ المسرّد
ارث: بالمثلثة، من أرث الثوب، أخلق. وظنوا: بمعنى أيقنوا. والمدجج:
التام السلاح، من الدجة، بفتح الجيم، وهي شدة الظلمة، لأن كل من الظلمة والسلاح ساتر. وقيل: من الدج، وهو من المشي الرويد، لأن التام السلاح لا يسرع في مشيه. أو أراد بالفارسي المسرّد الدرع. ومن أبيات القصيدة:
دعاني أخي والخيل بيني وبينهفلمّا دعاني لم يجدني بقعدد
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على زيادة الباء في ثاني مفعولي وجد
لتقدم النفي. والقعدد: بضم القاف والدال الاولى، الضعيف المتأخر.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع