من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
مسعود
على قدمه، طالعاً بدُره المسعود بين نجوم أتْباعِه وخَدمِه.
وهو إذ ذاك في المعرفة عَلمَ، وفي طريق المجد ثَبْتُ القلب ثابتُ القَدَم.
يتبَّسم لغُرّتِه وجهُ النَّهار، ويُناجِه السَّعدُ بما في ضمائِره من الأسْرار.
وله حسناتُ شعرٍ ما خُطّ في مجموع الدّهرِ مثُلها، ولا سجَعت وُرْقُ الفصاحةِ بلحْنه في ذُؤابةٍ هاشميةٍ قبْلَها.
ومسعود لو مَسَّ عوداً بْعدِه أوْرَق، لِما جال في بِثْر مُحيًّاه من ماء النَّدى وتَرقْرق.
مع شجاعةٍ يرتعد لها الأسدُ والأسَل، وبَعُدّ الصّعنَ في الهْيجاء كالقُبَل.
كما قلتُ فيه:
قومٌ غزوتَهمُ رأيتَ جسومَهمْمُقَلاً لهنَّ إشارةٌ المتكلَّمِ
من كلّ مُقْلِة طَعْنةٍ نجلاءَ مُذنظَرتْ فِراقَ الرُّوحِ تَبْكى بالدّمِ
رمِدتْ فكحَّلها مَراوِدُ شُمرِهمن اثْمِدِ النَّقْعِ المُثارِ المظْلمِ
وكأنَّما رمَدتْ لخوفِ قواضِبٍصَلَّتْ فتسجُدُ وهْىَ ذاتُ تَيمُّمِ
فلم يزل يخطُب من المُلْك كواعبَ أبكارِه، حتى أدركَه الغرقُ في حِياض مِماتِه المُترَعَة من بحارٍ أفكاره.
فأرسَى بسواحل شَعُوب، وأنشدتْه الحالُ بلسان الخُطوب:
عَياه به مات المحِبُّونَ مِن قبلُ
فبلغ في سفينة أملِه وفاتَه، وسبقه الأجلُ كما سبق السَّيفُ العّذَل وفاتَه.
فرأيت جَنازتَه والدموع حوله طُوفان، وقد أرْسَت سفينةُ تابوتهِ على جُودِيّ الفَناء والأحزان.
فلما بدَّل الأمْنِيَّة بالمنِيَّة، وسقاه الدهرُ كأسَ المَنُون رَويّة، قام مقامَه:
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع