تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

السيد حسن بن أبي نُمَىّ

ثم خلفَه ابنه حسن، ومَن حديثُ مناقِبه مستفيضٌ حَسن.

وما محاسٍنُ شَئ كلُه حَسَنُ

فقد سارتْ بمآثره الرُّكبان، وتحلّى بذكرِه كل لسان.

فالحِلّ يعرفُه والَحَرم، والمجدُ ينطِقُ بمحامدِه والكَرَم.

وإنما المرءُ حديثٌ بعدَهُفكُنْ حديثاً حَسناً لمن وَعى
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

فقد خَفَتْ في الخافِقَين راياتُ مَكارمِه، ونُصِبتْ على أعلام كماتِها بين مَعالِمه، وسرَتْ سحائبُ كرمِه ولها من غُرَّته برِيق، وتفرَّقت أنهارُ جودِه في كلّ فَريق، حتى طَفت على هضَباتِ الُعذَيْب والعقِيق.

وله فَضْل فضاء عَلَوي حلَّ بين الرّفْق والباس، وأبس عن إدْراك حَدْسه فيه إياس،

بين حماسةٍ وسماحة، وفصاحةٍ وصَباحَة.

إذا زان قوماً بالمناقبِ واصِفٌذكَرْ فضْلاً يَزينُ المناقِبَا
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

وجلالهُ هْيبةٍ لا تُريد حاجباً، وشِيمٌ شمٌ لو تجسَّمت كانت بوجهِ الدَّهر عَيْناً وحاجبا.

فكم أوردَ النجَّيعَ سيفَه المجرّد عن العلاِئق، وأصدَره ثائرا على غَدِير لامَته من الدماء شقائِق.

مِن فِتْية إذا تصافحوا بالصِّفاح، تهللَّتْ ضاحكةً بالنَّجِيع ثُغورُ الجراح.

حَلِيمٌ إذا ما الحِلمُ فَكَّ حِزامَهُوَقُوفٌ ولو كان الوُقُوفُ على جَمِرْ

مع محاضرات لو سمع بها الرَّاغب سعَى لها راغِبا، وأبكارُ أفْكارٍ لا يكافِئها إلا مَن كان بمتاع الحياةِ خاطِبا.

ما عُذْرُ مَن ضربَتْ به أعْراقُهحتَّى بلغْنَ إلى النَّبيّ مُحَمدٍ
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هل ريع قلبك للخليط المنجد»
أنْ لا يَمُدّ إلى المكارم باعَةُوينالَ غاياتٍ العُلا والسُّوددِ
مْتخلفّاً حتىَّ تكونَ ديُولهُأيْدِي الزَّمانِ عمائماً للفَرقَدِ

بلَغني أن بعض بني عمَه ورَد نَدِبَّه، جارا لِذيْل التّيهِ والَحمِيَّة الهاشِمَّية، فتصدَّر عليه شخصٌ في ذلك النَّادي، فتجعَّدت أساريرُ وسيفُ حِدَّتِه من غْمِد التَّصير بادِى، فلما فِطن لذلك قال: إنه ليقودُنِي زِمامُ العجَب، ويُهزُّ عِطْفَ أرْيَحِيَّني ساعدِ الطَّرب، بقصيدِة المُتنّبي، التي أوَلها:

فؤادٌ ما تُسلَّيهِ المُدامُوعُمْرق مثل ما تهَبُ اللَّئامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

فتسلَى بذلك وتعلَّل، وتبَّسمَ وجهُ مسَرَّته بعد القُطوب وتهلَّل، إذ فِهم تلْويَحه، لقوله فيها.

ولو كان المكانُ له عُلُوٌّلطارَ الجيْيشُ وانْحَطَّ القَتامُ

وفي معناه قولي، من فصل: لو كان الشَّرفُ بالمكان، ما انحطَّتْ النارُ وعَلاَ الدُّخان.

وقولي من قصيدة:

لم أدْرِ يومَ الحربِ هل ثار الثَّرَىأم خَيْمةٌ نُصِبتْ عليه وقد سَرَى
أم نالَهُ شرَفٌ بِمَسّ نِعالهِفَعلاَ رُءوسَ عِداهُ حين تكبَّرَا
أم راح مُشْتكِياً إلى خَلاَّقِهدَوْسَ الجِيادِ عليه حّتى يُنْصَرَا

ومما يحسُن إيراده هنا قول أحمد المعرّىّ:

قل للرّئيس أبي محَّمدِ الرّضاقولَ أمْريِ أبْلاَه حُسْنَ بلاءِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قل للرئيس أبي محمد الرضا»

مِن حوْلِ برْكتِك البهية سادةُ الْعلماء والفضلاء والرؤساءِ

لو أنْصفوك وهم قِيامٌ أشْبَهَتْأشخاصُهمْ أمْثالَها في الماءِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قل للرئيس أبي محمد الرضا»

ومنه أخذ الأرَّجاِني قوله:

هذا الزمانُ على ما فيه من كَدَرِيحْكى انْقلابُ لياليهِ بأهْليِه
غديرَ ماء تراءَى في أسافِلهخَيالُ قومٍ تمَشَّوْا في نَواحِيهِ
فالرّجلُ تنُظْرُ مرفوعاً أسافِلُهاوالرأسُ ينُظْرَ منكَوساً أعاليهِ

وقوله) على ما فيه من كدر (من حَشْو الَّلوزِيَنج، أما ترى قول المعرّي

والخِلُّ يُبْدِى لي ضمائِرَهُمع الصّفاءِ ويُخْفِيها معَ الكَدَرِ

وأحسن من هذا كله قولي:

خليَلّى ذِي الدنيا الدّنَّيةُ لم تزَلْتُعادِي حُرّا شريفَ المناقبِ
أسافِلُها تعلُو أعالِيهاَ كمايَراهُ لبيبٌ عارفٌ بالعواقبِ
إذا صُوّرتْ للنّاسِ معكوسةً بدَتْفلا تَعْجَبَبنْ والدّهرُ بَحْرُ العجائبِ

عَوْدٌ إلى سيرة ابن سيد النَّاس، الذي تسير الصبا بعبير لطفه ديبة الأنفاس: كنت قبل أن تعرى أفراس الصَّبا، ويتفرَّق شْملُ الأيام أيْدِي سَباَ، لمَّا أرْتحا مع والدي لذلك المُمَجَّد، لنجْتليَ وجهَ المليحةِ في الخِمارِ الأسْود، رأيتُه وقد أبْيَضَّ على لِمَّتِه، وثَقب الشيبُ مِغُفَرَ هامتِه، وقد علا هامَ السَّتين، وتَرقّى شرَف السَّبعين.

وإن امرأ قد سار سْبعين حِجَّةَإلى مَنْهلٍ من وِرْدِه لَقريبُ
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة

مُشمَّراً لِمخَاضِها واقفاً على حياضِها، بفكْرةٍ ما كانت النّيرانُ تخ لو رُزقتْ بعضَ ذكائها، وبِكْرِ هِمَّة إذا جُليِتْ لا يُعَدُّ غير المجد أكْفائِها.

قد قَلَّمَتْ يدُ عزائِمه أظفارَ الخُطوب، وكادت لا تطأ الحرمً بغْير إذْنِه الصَّبا والَجنوب.

يسوق لأعْدائِه جُنودً الحتوف، ويرى وُجودَهم ذنْباً لا يعتذِرُ عنه غيرُ ألسنةِ السيُّوف.

فكل حديث صدَر منهم وحَدثَ، لا يرفُعه إلا التّيمًم بتراب الجَدَث.

ولى صَوارِمَه تْذيبَ قولِهمُفُهنَّ إلسِنةٌ أفْواهُها القِمَمُ

إذا تربَّعَ رأيهُ في نادٍ واحْتَبى، قامتْ بين يدَيَه الهِمَمُ وحُلَّت الحُبَى.

يضَطْرب لهِيبتِه إذ هبَّت رياحُ النَّصر سُمْر الرّماح، وساَلت بسوابح الجُرْدِ وأعْناق المطايا الوِهادُ والبِطاح.

وكان من سُنَّةِ سلَفه، ومَن خَلَفهم مِن خير خَلَفِه، أن يُقدَّم للإمامة مَن قَّدمَتْه الأيَّام، وفي المثَل:) أكبرُ منك بيومٍ أعرفُ منك بعام (.

وكان يليه سِنَّا ذُو الرَّأْي الصَّائب، أغرُّ السَّعْد والوجهِ والمناقب:

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر مكة المشَّرفة ومن بحماها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.