تجاوز إلى المحتوى

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)

حمَّاد الراوية

وأما

حماد الراوية، فإنه كان من أهل الكوفة، مشهوراً برواية الأشعار والأخبار، وهو الذي جمع السبع الطوال، هكذا ذكره أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة.

ويحكى أن حماداً الراوية قال: كنت منقطعاً إلى يزيد بن عبد الملك، وكان أخوه هشام يجفوني [لذلك دون سائر أهله من بني أمية، في أيام يزيد]، فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى من أثق به من إخواني سراً. فلما لم أسمع أحداً يذكرني أمنتُ فخرجت، وصليت الجمعة في الرصافة، ثم جلست عند باب الفيل، فإذا شرطيان قد وقفا علي، فقالا: يا حماد، أجب الأمير يوسف بن عمر، فقلت في نفسي: هذا الذي قد كنت أخافه؛ ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني حتى آتِيَ أهلي، فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبداً، ثم أصير معكما! فقالا: ما إلى هذا سبيلٍ؛ فاستسلمت في أيديهم،

وصرت إلى يوسف بن عمر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر؛ أما بعد؛ فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملاً مهريّاً يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق.

فأخذت الدنانير، ونظرت فإذا حمل مرحول، فجعلت رجلي في الغرز، وسرت اثنتي عشرة ليلة، حتى وافيت دمشق، ونزلت على باب هشام، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء، مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من الخز، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، واستدناني فدنوت منه حتى قبلت رجله؛ فإذا جاريتان لم أرَ مثلهما قط، في أذنيْ كل واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان تتوقدان، فقال لي: كيف أنت يا حماد؟ وكيف حالك؟ فقلتُ: بخير يا أمير المؤمنين، قال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا، قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي، لم أدر من قائله؟ قلت: ما هو؟ قال:

ودعوا بالصبوح يوماً فجاءتقينةٌ في يمينها إبريق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»

فقلت: يقوله عدي بن زيد، في قصيدة له، قال: أنشدينها، فأنشدته:

بكر العاذلون في وضح الصبحيقولون لي أما تستفيق!
ويلومون فيك يا ابنة عبد اللهوالقلب عندكم موثوق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»
لست أدري إذ أكثروا العذل فيهاأعدُوٌّ يلومني أم صديق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»

قال: فانتهيت إلى قوله:

ودعوا بالصبوح يوماً فجاءتقينة في يمينها إبريق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»
قدمته على عقار كعين الديك صفي سلافها الراووق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»
مرة قبل مزجها، فإذا مامزجت لذ طعمها من يذوق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»
وطفا فوقها فقاقيع كالياقوت يزينها التصفيق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»
ثم كان المزاج ماء سحابلا صرًى آجنٌ ولا مطروق
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال: فطرب، وقال لي: أحسنت والله يا حماد؛ يا جارية اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. فقال: أعده فأعدته، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني [شربة] فذهب ثلث آخر من عقلي، [فقلت: إن سقتني الثالث افتضحت]، ثم قال: سل حاجتك، فقلت: كائنةً ما كانت! قال: نعم، قلت: إحدى هاتين الجاريتين، قال: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما. ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها فلم أعقلْ حتى أصبحت والجاريتان عند رأسي، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة، فقال أحدهم: إن أمير

المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هذه فانتفع بها في سفرك، فأخذتها والجاريتين، وعاودت أهلي. والله أعلم.

النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.