تجاوز إلى المحتوى

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)

أبو عمر الزاهد

وأما أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم اللغوي الزاهد؛ فكان من أكابر أهل اللغة، وأحفظهم لها، أخذ عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب. وكان يعرف بغلام ثعلب.

وقال أبو علي بن أبي علي، عن أبيه، قال: ومن الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم، أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة، فيما بلغني.

وكان لسعة حفظه يطعن عليه بعض أهل الأدب ولا يوثقونه في علم اللغة؛ حتى قال عبيد الله بن

أبي الفتح: يقال: إن أبا عمر الزاهد لو طار طائر لقال: حدثنا ثعلب، عن ابن الأعرابي؛ ويذكر في معنى ذلك شيئاً.

وكان المحدثون يوثقونه ويصدقونه. قال: أبو بكر الخطيب: رأيت جميع شيوخنا يوثقونه ويصدقونه، وكان يسأل عن الشيء الذي يقدر السائل أنه قد وضعه، فيجيب عنه، ثم يسأل عنه بعد سنة، فيجيب ذلك الجواب.

ويروى أن جماعة من أهل بغداد، اجتازوا على قنطرة الصراة، وتذكروا كذبه، فقال بعضهم: أنا أصحف له القنطرة وأسأله عنها؛ فإنه يجيب بشيء آخر، فلما صرنا بين يديه، قال: أيها الشيخ، ما الهرنطق عند العرب؟ فذكر شيئاً قد أنسيته، فتضاحكنا وأتممنا المجلس وانصرفنا، فلما كان بعد شهر، ذكرنا الحديث فوضعنا رجلاً غير ذلك، فسأله فقال له: ما الهرنطق؟ فقال: ألست قد سألت عن هذه المسألة منذ كذا وكذا؟ فقال: هي كذا!؟ فما درينا من أي الأمرين نعجب من ذكائه: إن كان علماً فهو اتساع طريف، وإن كان كذباً في الحال ثم قد حفظه فلما سئل عنه ذكر الوقت والمسألة، فأجاب بذلك الجواب، فهو أطرف!

قال: كان معز الدولة قد قلد شرطة بغداد غلاماً تركياً مملوكاً يعرف بخواجا، فبلغ أبا عمر الزاهد، وكان يملي كتاب الياقونة، فلما جاوزه، قال: اكتبا: "ياقوتة خواجا؛ الخواج في أصل اللغة: الجوع، ثم فرع على هذا باباً، وأملاه، فاستعظم الناس كذبه، وتتبعوه، فقال له أبو علي الحاتمي،

وهو من أصحابه: أخرجنا في أمالي الحامض، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي: الخواج: الجوع.

وحكى رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن، عمن حدثه؛ أن أبا عمر الزاهد كان مؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فأملى على الغلام نحواً من ثلاثين مسألة في اللغة، وذكر غريبها، وختمها، ببيتين من الشعر. وحضر أبو بكر بن دريد وأبو بكر الأنباري وأبو بكر بن مقسم عند القاضي أبي عمر، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئاً، وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها؟ فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن، ولست أقول شيئاً، وقال ابن مقسم مثل ذلك لاشتغاله بالقرآن. وقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي بكر؛ لا أصل لشيء منها في اللغة، وانصرفوا. فبلغ ذلك أبا عمر، فاجتمع مع القاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم، ففتح القاضي خزانة وأخرج تلك الدواوين، فلم يزل أبو

عمر يعمد إلى كل مسألة منها، ويخرج لها شاهداً من بعض تلك الدواوين ويعرضه على القاضي؛ حتى استوفى جميعها. ثم قال: هذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبهما القاضي بخطه على الكتاب الفلاني.

فأحضر القاضي الكتاب، فوجد البيتين على ظهر ذلك الكتاب كما ذكر أبو عمر، وانتهت القصة إلى ابن دريد، فلم يذكر أبا عمر بلفظة إلى أن مات.

وقال أبو القاسم عبد الواحد برهان الأسدي: لم يتكلم في علم اللغة من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد.

وعن أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي، قال: أنشدنا أبو العباس اليشكري في مجلس أبي عمر محمد بن عبد الواحد يمدحه:

أبو عمر أوتي من العلم مرتقىيزل مساميه ويردى مطاوله
فلو أنني أقسمت ما كنت كاذباًبأن لم ير الراءون حبراً يعادله
هو الشخت جسماً والفضائل جمةفأعجب بمهزول سمين فضائله
تضمن من دون الجناحين زاخراًتغيب على من لج فيه سواحله
إذا قلت شارفنا أواخر علمهتفجر حتى قلت هذي أوائله

وعن أبي علي الحاتمي أنه اعتل، فتأخر عن مجلس أبي عمر، فسأل عنه، فقيل: إنه كان عليلاً؛ فجاءه نم الغد يعوده، فاتفق أنه كان قد خرج إلى الحمام، فكتب على الباب بالإسفيداج بيتاً:

وأعجب شيء سمعنا بهعليل يعاد فلا يوجد

قال: وهو له.

ويروى عن عباس بن محمد الكلوذاني: قال: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد يقول: ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة، وفي قضاء حقوقهم رفعة، فاحمدوا الله تعالى على ذلك، وسارعوا في قضاء حوائجهم ومسارهم تكافئوا عليه.

وقال أبو عبيد الله المرزباني: كان ابن ماسي ينفذ إلى أبي عمر الزاهد وقتاً بوقت كفايته، مما ينفق على نفسه، فقطع ذلك عنه مدة لعذر، ثم أنفذ إليه جملة ما كان في راتبه، وكتب إليه رقعة يعتذر إليه من تأخير ذلك، فرده وأمر بعض من كان عنده من أصحابه أن يكتب على ظهر رقعته: أكرمتنا فملكتنا، ثم أعرضت عنا فأرحتنا.

وعن محمد بن العباس بن الفرات، قال: كان مولد أبي عمر سنة

إحدى وستين ومائتين.

وعن أبي الحسن محمد بن عبد الله بن رزق، قال: توفي أبو عمر الزاهد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.

قال الخطيب: والصحيح أنه توفي يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وذلك في خلافة المطيع لله تعالى، ودفن في الصفة التي تقابل قبر معروف الكرخي، وبينهما عرض الطريق.

النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.