من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
أبو منصور الجواليقي
وأما أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي اللغوي، فإنه كان من كبار أهل العلم، وكان ثقة صدوقاً، وأخذ عن الشيخ أبي زكرياء يحيى الخطيب التبريزي، وكان يصلي إماماً بالإمام المقتفي لأمر الله. وصنف له كتاباً لطيفاً في علم العروض.
وألف كتباً حسنة، منها: شرح أدب الكتاب، ومنها المعرب، ولم يعمل في جنسه أكبر منه، والتكملة فيما تلحن فيه العامة، إلى غير ذلك.
وقرأت عليه، وكان منتفعاً بع لديانته، وحسن سيرته، وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة، وكان يذهب إلى أن الاسم بعد "لولا" يرتفع بها؛ على ما يذهب إليه الكوفيون، وقد بينت وجهه غاية البيان، في كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف"، وكان يذهب إلى أن الألف واللام في "نعم الرجل"، للعهد، على خلاف ما ذهب إليه الجماعة من أنها للجنس لا للعهد.
وحضرت حلقته يوماً وهو يقرأ عليه كتاب الجمهرة
لابن دريد، وقد حكى عن بعض النحويين، أنه قال: أصل "ليسلا أيس"، فقلت: هذا الكلام كأنه من كلام الصوفية، فكأن الشيخ أنكر علي ذلك، ولم يقل في تلك الحال شيئاً فلما كان بعد ذلك بأيام، وقد حضرنا على العادة، قال: أين ذلك الذي أنكر أن يكون أصل "ليسلا أيس"؟ أليس "لا" تكون بمعنى "ليس"؟ فقلت للشيخ: ولم إذا كان "لا" بمعنى "ليس" تكون أصل "ليسلا أيس"! فلم يذكر شيئاً.
وكان الشيخ رحمه الله تعالى في اللغة أمثل منه في النحو أبو منصور، عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي عن أبي الجوائز الحسين بن علي الكاتب الواسطي، وقال: رأيت في سنة أربع عشرة وأربعمائة، وأنا جالس في مسجد قباء من نواحي المدينة امرأة عربية حسنة الشارة، رائقة الإشارة، ساحبة أذيالها، رامية القلوب بسهام جمالها، فصلت هناك ركعتين، أحسنتهما، ثم رفعت يديها، ودعت بدعاء جمعت فيه بين الفصاحة والخشوع، وسمحت عيناها يدمع غير مستدعًى ولا ممنوع، وانثنت تقول وهي متمثلة:
يا منزل القطر بعد ما قنطواويا ولي النعماء والمنن
يكون ما شئت أن يكون، وماتشاء ألا يكون لم يكن
وسألتني عن البئر التي حفرها النبي ﷺ بيده، وكان أمير المؤمنين يتناول ترابها منه بيده، فأريتها إياها، وذكرت لها شيئاً من فضلها، ثم قلت لها: لمن هذا الشعر الذي أنشدته منذ الساعة؟
فقال بصوت شج، ولسان منكسر: أنشدناه حضري لاحق، لبدويٍّ سابق، وصلت له منا علائق، ثم رحلته الخطوب، وقد رقت عليه القلوب، وإن الزمان ليشح بما يشح، ويسلس ثم يشرس، فلولا أن المعدوم لا يحسن لقلت: ما أسعد من لم يخلق! فتركت مفاوضتها، وقد صبت إلى الحديث نفسها خوفاً أن يغلبني النظر في ذلك المكان، وأن يظهر من صبوتي، على ما لا يخفى على من كان في صحبتي، ومضت والنوازع تتبعها، وهواجس النفس تشيعها.
وتوفي يوم الأحد منتصف المحرم، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في خلافة المقتفي لأمر الله تعالى.
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع