من «الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة» لابن القطاع الصقلي (ت ٥١٥هـ)
أبو محمد القاسم بن عبد الله التميمي
فمن ذلك قوله من قصيدة يذكر فيها فتنة أهل صقلية، وشدة حربهم ودخول الفرنج إليهم:
أبيت وجفني من جفائك نائموقلت بما قالته فيك اللوائم
لما [ ...] إلا لها منك نظرةكأن لها حسناً من اللحظ قادم
وعهدي بذاك الدر غير مثقبفكيف أجادته بفيك النواظم
وعندي حديث لو أمنت أذعتهألا حبذا غيب تعيه المناسم
وإن كان لا يرويك إلا مدامعيفلا قر لي نهر من الدمع ساجم!
رعى الله أياماً لنا ولياليابخيف منى والنائبات نوائم
زمانٌ تصيد اللهو أشراك لمتيوتحسبني فيها الظباء النواعم
أيا ظبية الوادي محلك مهجتيومرعاك في قلبي الذي بك هائم
لو أنك في حل الشباب حللت ليولكن أيام المشيب محارم
بمكة إلفي والحصيب به أخيوفي مصر لي نجل سقته الغمائم
وماذا عسى قلبي وعندك قدرهفتأخذه للبين هذي المقاسم
سقى الله هيم الغرب لا بعض هامهكما يمنع الغمض السليم المنادم
وما كنت أسقي الغرب لو كان لم تكنصقلية منه وإن لام لائم
وإني منهم واحد غير أنهوشى بيننا واشٍ من البين غاشم
رزينا بذات البين حتى كأننانرى أن من يبغي سوى البغي آثم
يغير الفتى منا على مال نفسهويقتله عدواً أخوه الملائم
يجوز دليل القوم عن غير رشدهويمضي على المكروه من هو نادم
كما أنت مسرور بما هو جازعكما يبسم المحزون والقلب واجم
نجر فضول السابغات كأنناأراقم باضت فوقهن نعائم
كأنا فويق البر أمواج لجةٍوكالريح فيهن العتاق الصلادم
معارف إلا أن تكون حواسراًإذا روحت يوماً ظباها الملاحم
نروح ونغدو في أمور لو أنهرأى بعضها ما عاود النوم حالم
فطوراً نذود الموت عنا وتارةًنموت كما مات الحماة الأكارم
فلو كان سلماً ذلك الحرب بينناثلاثين عاماً ضامناً منه ضائم
ونعقر، طوع المجد، كل مدججيراوغه بالطعن كعب وحاتم
وكانت بلاد الروم طوع سيوفناإذا رامها منا على البعد رائم
فإن نال منا الناس أو قل كثرنافقد تقتل الحمى وتردي السمائم
سليني عن الإفرنج إن شئت واسمعيحديثاً كنشر الروض والروض ناعم
أتونا ولكن بالدروع أساوداًولكن أتينا والسيوف عزائم
على كل مشكول الطريد كأنماقوائمه عند الطراد قوادم
إذا ما علا منا على الظهر فارسفليس بعيداً أن تطير القوائم
سماء وأرض من جناح وحافروليل وصبح جحفل وصوارم
فلا دجن إلا أن تثور عجاجةولا مزن إلا أن تجز جماجم
كأنهم قد أحجموا حين أقدمواوغير عجيب غابة وضراغم
كأن من الآبار كانت رجومهمفعادت عليهم والأنوف رواغم
كأن من الأفعال كانت جيوشهمولكن عوالينا الحروف الجوازم
هو النصر حتى كل أعزل رامحٌوحتى قرون الغانيات عمائم
وقد تسعد الأقوام شقوة غيرهمألا رب أعراس دعتها مآتم
إذا كان لا ينجيك أنك هاربفلم يبق حزمٌ غير أنك هاجم
فقد يقتل المرء ابتغاء حياتهوأكثر من يبغي المنية سالم
وطيب حياة المرء في عز موتهوما الموت إلا أن تهون الكرائم
وقد تجهل الإنسان في بعض حلمهويحمل عنك الظلم أنك ظالم
وما السيف إلا ما غراره حليهوإن رث منه غمده المتقادم
كأنك في دنياك ما زلت جاهلاًإذا كنت لم ينفعك أنك عالم
فلا تتزود غير ما أنت واجدإذا رحت يقظاناً كأنك نائم
وقوله من أخرى يرثي فيها أخاه، أولها:
الشمس لا تخفى على النظارفحذار من دار الغرور حذار
قد شفت الدنيا ولكن شرهالذوي البصائر لا ذوي الأبصار
إن الشباب عليك ظل زائلعما قريب أنت منه عار
يا من يريد بأن تطول حياتهتلك الإطالة آفة الإقصار
لا تبغ من دنياك أن تبقى بهاكيف القرار بغير دار قرار؟
في كل يومٍ أنت تقطع رحلةًكم ذا تراه يكون بعد الدار
فإذا طلبت البرء من دار الضنىأعطتك حظ الوعد في الأعشار
الموت لا يأتيك إلا بغتةفاحذر فهذا غاية الإنذار
واصبر لضرك في مصالح نفعهفلرب نفع جاء من إضرار
بأبي غريب بالحصيب تركتهرهن البلى وغوائل الأسفار
يا واحداً قد كنت أحذر فقدهلو كان ينفعني عليه حذاري
منها:
لم يكفهم أن غيبوه في الثرىحتى بنوا بالشيد والأحجار
يا غافلا، نزل المشيب إلى متىما بعد نعي الشيب من إعذار؟
إن لم يكن لك في مشيبك واعظفلرب أبيض في سواد الفار
كم قد صبحت فما فررت بمهجتيمن غادر إلا إلى غدار
ما قلت أين الناس؟ إلا قيل لي:تحت الثرى وصفائح الأحجار
وعنى النفوس هو الغنى لا مالهايا رب مالٍ جالبٍ للعار
وإذا أردت الفقر أين محلهفاطلبه عند الباخل المكثار
شيئان لا يشغلك شيء عنهما:تقوى الإله وصحبة الأخيار
وقوله من أخرى يرثي فيها ولده:
دع الأيام تخطئ أو تصيبفما من بعد فقدك ما يريب
نعاف الموت أن يأتي قريباًوفي تأخيره ذاك القريب
وتعجبنا مسالمة اللياليوفي تلك المسالمة الحروب
وكيف يلذ بالدنيا لبيبتخاطبه بفرقتها الخطوب
قضى مني الشباب اليوم نحباًوأخشى أنه يقضي المشيب
وهل يرجو العليل شفاء داءٍإذا كان الذي يضني الطبيب
كأن الدهر مطبوع بجهلفأعدى من يكون له أديب
رماني الدهر لم يخطئ فؤاديوكان به فما ربح الحبيب
وقد ينبي عن الأمل التدانيوقد يدني من الأجل الهروب
أحين تراءت الآمال فيهكمثل الأثر بيديه القضيب
وأعطتني به السلم الأعاديوأضحكني به الدهر القطوب
وجاد به على بخل زمانيوقد يندى لك الصخر الصليب
فأي ذخيرة أعددت فيهعلى علم بحادثة تنوب
وسماه العلي "أبو علي"وقد تفضي بلائحها الغيوب
طواني البين فيه على إياسوفجعني به الأمل الكذوب
قضيب وما قضيت حقوق بذلٍيصان بها الغريب والقريب
ولم ترقب لأعشار المعاليفيألفك المعلى والرقيب
ولم تصبح غداتك في مساءكأن الشمس طالعة تغيب
فلو غير الحمام دهاك يوماًرماه عنك شبان وشيب
إذا شرعوا العوالي في عوانٍفأحداث تصول بها خطوب
منها:
كأنهم الشموس إذا أضاءتولكن الشموس لها غروب
فإن أجزع فلي قلب جليدوإن أصبر فلي قلب كئيب
وإن شقت على ولدٍ جيوبفقد شقت عليك أسىً قلوب
يحن لخندق الصحراء قلبيكما حنت إلى الأوطان نيب
وما الصحراء لي وطناً ولكنبها شخص إلى قلبي حبيب
يطيب الموت بعدك وهو مروأما العيش بعدك لا يطيب
وله:
يا معتباً لو شاء ما أعتبايعذب عندي كلما عذبا
لا تنكرن الموت من لحظهما بين أجفان الظباء الظبا
كأنه من طيب أنفاسهنشر الصبا يهدي إلي الصبا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع