من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الشيخ عبد الصمد بن عبد الله باكثير
خاتمة مغلقي الشعراء باليمن. ونابغة العصر وباقعة الزمن. ينتهي نسبه إلى كنده وهو نسب تقف الفصاحة قديماً وحديثاً عنده وكان كاتب الانشا للسلطان عمر بن بدر ملك الشحر وشاعره الذي ينفث في عقود مدائحه سحر البيان وبيان السحر وله ترسل وانشاء تصرف في اعجازهما كيف شاء وديوان شعره مشهور تتلو محاسنه السن الأيام والشهور وقد وقفت عليه وصرفت عنان النظر إليه. فاستصغيت منه ما اصطفيت وأوردت منه ما أردت ولم يزل كاتباً للسلطان المذكور في عهده ثم لولده عبد الله بن عمر من بعده حتى انقضى أجله وعمره وخوفي من أفق الحياة قمره فتوفى بالشحر عام خمس وعشرين وألف وكان قد عمر طويلاً ولبس من العيش ثوباً جميلاً وهذا حين أتيت ما اخترته من ديوانه والتقطته من فرائده وعقيانه فمنه قوله منه قصيدة أولها
رعيا لأيام تقضت بالحمافزنا بها ووشاتنا غفلاء
جاد الزمان بها وأسعفنا بمنتهوى ولم تشعر بنا الرقباء
ومنادمي بدر على غصن علىحقف له قلبي العميد خباء
عذب المقبل عاطر الأنفاس درباق النفوس شفاهه اللعساء
متبسم عن أشنب شيم لهمهما تبسم في الدجى لالاء
ما مسك دارين بأطيب نكهتهمنه وقد ضاعت له رياء
عبر النسيم يجر فضل برودهفحبته من كافورها الانداء
فتعطرت من طيب فائح نشرهأرواحنا وسرت لنا السراء
فسقى الاله مراتع الغزلان منوادي النقاء وهمت الأنواء
وتهللت برياضها سحب الحياوسرت عليها ديمة وطفاء
حتى يراها أبهج روضةفيروقه الاصباح والامساء
والطير عاكفة بكل حديقةفكأنها بلحونها قراء
والروض مبتهج الحياء فكأنهوافاه من عمر الندى ايماء
وقوله في صدر أخرى
هذي المرابع والكثيب الأوعسوظبا الخيام الانسات الكنس
قف بي عليها ساعة فلعل أنيبدو لي الخشف الأغن الألعس
فلطالما عفت الكرى عن ناظريشوقاً إليه ومدمعي يلتجس
ينهل سحاً مثل منهمر الحيافوق المحاجر مطلقاً لا يحبس
واغن ناعم طرفه سلب الكرىعني فطرفي ساهر لا ينعس
اشتاقه ما لاح صبح مسفرفي أفقه أو جن ليل حندس
منها
يا عاذلي دعني وشأني إن ليقلباً بغير الحب لا يستأنس
لك قدرة أن لا تلوم وليس ليصبر به دون الهوى اتلبس
كيف السلو عن الأحبة بعدمادارت على من الصبابة أكؤس
نقل الصبا نشر الحبيب وحبذانشر به ريح الصبا تتنفس
آها ولا يجدي التأوّه والأسىفالصبر أجمل والتجمل أكيس
وقال أيضاً
جاد الغمام مواقع الغزلانومرابع الرشاء الأغن الغاني
وسرى عليها كل أسحم هاطلغدق سبح بوابل هتان
يحيى ربوعاً طالما لعبت بهاالغيد الحسان نواعس الأجفان
من كل فاترة اللحاظ إذا رنتسلبت سحر اللحظ كل جنان
فكأنها الأقمار تطلع في دجىليل من المسترسل الفينان
وكأنما تلك القدود إذا انثنتقضب تمايل في ربى الكثبان
وبمهجتي خشف أغن مهفهفأصمى فؤادي إذ رنا فرماني
ظبي من الأعراب في وجناتهقوت القلوب وسلوة الأحزان
بالله ما طالعت طلعة وجههإلا ورحت براحة النشوان
ماء الشبيبة فوق ورد خدودهيجري على متلهب النيران
ذابت عليه حشاشتي وجدا بهوصبابة وجفا الكرى أجفاني
لم أنس أيام التواصل واللقاوالشمل مجتمع بوادي البان
ومنادمي من قد هويت وبينناالصرف الكميت تدار في الأدنان
شمس مطالعها سعود كؤوسهابين الندامي في مروج تهاني
في روضة مفروشة أرجائهابالورد والمنثور والريحان
تتراقص الندماء من طرب بهابتراجع النغمات والعيدان
لم لا يواصلنا السرور ونحن فيالفردوس بين الحور والولدان
وقال في صدر أخرى
اشتاق من ساكني ذاك الحمى خيمالأجلها زاد شوقي في الحشا ونما
ولاعج البين والتبريح من كمدأجرى من العين دمعاً يخجل الديما
ما جن ليلي إلا بت من كلفارعى النجوم بطرف يستهل دما
لولا هوى شادن في القلب مرتعهما اشتقت وادي النقا والبان والعلما
ولا طربت غل نظم القريض ولاعليّ بالوجد سلطان الهوى حكما
نفسي الفداء لظبي وجهه قمروبرجه في سما قلبي العميد سما
يصمى فؤادي بنبل من لواحظهعن قوس حاجبه مهما رنا ورما
في ثغره الدر منظوماً فيا لك منثغر شنيب يريك الدر منتظما
جل الذي صاغه بدراً على غصنعلى كثيب وأبداه لنا صنما
لم يكسه الحسن ثوباً من مطارفهإلا كسبي جسدي من عشق سما
وقال أيضاً
بنشر وادي الفضا نشر النسيم سرىفافهم الصب عن أهل الحمى خبرا
أهدي التحية من أهل الخيام إلىحليف وجد يقاسي الوجد والسهرا
لكنه جد في وجدي واذكرنيتلك الربوع وبان الحي والسمرا
منها
ولي من العرب ظبي ما رأى بصريشهباً له في الورى بدواً ولا حضرا
كالبدر وجهاً وبدر التم مبتسماًوالظبي جيداً وغصن البان إن خطرا
كم ليلة زارني فيها على وجلمستوفزاً خائفاً مستعجلاً حذرا
يمشي الهوينا حذار الكاشحين وقدأرخى الستور ظلام الليل واعتكرا
قبلت مبسمه عشراً على عجلفقام عني إلى التواديع مبتدرا
فكدت أشربه لثماً وأهصرهضما وأثنى عناقاً قده النضرا
وقال أيضاً
يا مولعاً بالصد والاخلافمتعمداً بصدوده اتلافي
ما كان ضرك لو وصلت وجدت ليقبل التلاف من اللقا بتلافي
كلفتني أرعي النجوم ومدمعيكالعارض المتهلل الوكاف
متمزق الأحشاء من ألم النوىهل عطفة يا مايس الأعطاف
أم هل تجود على الكئيب من اللماالعذب الرضاب بأول الأعراف
قسماً بمنظرك المنير وقدك اللدن النضير وردفك المتجافي
إني بعشقك صرت مشترك العنابين اللما والقد والأرداف
وقال أيضاً
وعجز كل بيت معكوس كلماتصدره وفيه رد الصدر على العجز
تيمني من هواه واكمديواكمدي من هواه تيمني
حيرني من سناه حين بداحين بدا من سناه حيرني
ترشقني بالنبال مقلتهمقلته بالنبال ترشقني
عذبني بالصدود واتلفىواتلفى بالصدود عذبني
صيرني فيهواه ذا قلقذا قلق في هواه صيرني
يمطلني باللقا ويمطلني
وكلها على هذا الأسلوب.
وله من أخرى
عاذلاً في الغرام مهلاً فقلبيحملته الأحباب ما لا يطيق
كيف يصغى إلى اللوائم صبفي حشاه من الفراق حريق
سلبته اللواحظ البابلياتوأودى به القوام الرشيق
وسباه أغن أحوى رداحيسند العشق حسنه المعشوق
قد كفاه عن المهند لحظوعن الرمح قده الممشوق
روض خديه جنة لاح فيهاجلنار وسوسن وشقيق
وله مبسم يضيئ سناهعن شتيت حكاه در نسيق
ظلمه في لماه شهد مذابفي سلاف رياه مسك فتيق
خصره يشتكي من الردف فاعجبكيف يقوى عليه وهو رقيق
وله أيضاً
جاد وبل الغمام شيحاً وضالاورياضاً بالسفح مدت ظلالا
لا جفاها الحيا فلى ثم ربعلم أزل مكثراً عليه السؤالا
تسحب الغيد في رباه ذيولاًتتهادى من النعيم اختيالا
ورشيق القوام ما ماس إلاأخجل الغصن قامة واعتدالا
ما تثنى إلا ثني كل قلبنحوه تابعاً إذا مال مالا
صاد قلبي لما تصدى لقتليبلحاظ يريش منها النبالا
لوعتي في هواه أزكت غراميوأعادت آناء ليلي طوالا
كلما لاح بارق من زرودفاض وادي عقيق دمعي وسالا
ويعجبني من موشحاته على طريقة أهل اليمن قوله وهو مما يتغنى به وكان سبب نظمه له أنه أتى زائراً بعض سادات عصره. فأراد السيد أن يسمع شيئاً من شعره. وكان للسيد ولد جميل الصورة. له في المحاسن أعظم آية وسوره. فأمره أن يلبس أفخر ثيابه. ويمر عليهما في ذهابه وايابه. فلما مر متمايلاً. أنشأ الشيخ قائلاً
زلّ يخطر مثل خوط البان مايسشادن زان الملابس
ورمى قلبي بفاتر طرف ناعسلحظه نائل وقائس
لؤلؤي الثغر معسول اللواعسعيطلي في القلب كانس
بيت
خاله الزنجي لورد الحد حارسلا تدنسه اللوامس
قلت وامحبوب قلبي هل تواصلوالذي تهواه حاصل
لا تخف واشي ولا نمام ناقللا ولا تدري العواذل
جد بطيب الوصل يا حلو الشمائلإن عقلي فيك ذاهل
بيت
ما ألذ الوصل في ديجور دامسوحبيب القلب آنس
جنتي في بهجة الخد الموردواعتناق الخد الأملد
وارتشا في سلسل الريق المبردمن لمى الثغر المنضد
لو سمح لي بالتداني ظبي ثمهدلاشتفى قلبي من الصد
بيت
وانجلى عن مهجتي غيم الوساوسوانطفى حر المقابس
ويح قلبي كلما إن الحمائملم يزل ولهان هائم
كم أقاسي كم أكايدكم أكاتمكم أداري من لوائم
ساهر الأجفان دمعي كالغمائموالذي أهواه نائم
نصب عيني شخصه قائم وجالسفرداً وبين المجالس
بيت
عاذلني دعني فما قلبي بك أشبهلا ولا ذقت المحبه
لو صفا لك من رحيق العشق شربهكان قلبك قد تنبه
سر طريق أهل الهوى وإلا تنبهتعتلق منهم بصحبه
ينجلي همك وتحظى بالنفائسمن مصونات العرائس
وقد كتبته على مصطلحهم وتقدم التنبيه على أنهم لا يراعون الاعراب في هذا النوع من النظم بل اللحن فيه مقصود والله أعلم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع