من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
محمد بن خليفة بن عبد الواحد بن سعيد الحارث بن خلف بن عبد الله بن بدر سعد الأنصاري
يكنى أبا عبد الله من أعيان مالقة وفضلائها وعلمائها المشهورين ولي قضاء مالقة فسار فيه بأجمل سير من العدل والفضل وله على الموطأ شرح حسن بليغ. ويحكى أنه قال ألفت شرح الموطأ أيام ولايتي للقضاء بمالقة ابتدأته أول سنة ثمان وسبعين وأكملته سنة تسع وسبعين.
قال: وكنت عند ابتدائي تأليفه أرى وأنا بين النائم واليقظان كأني أخرج إلى البحر على باب يسمى باب الفرج وهو باب الحلاقين فأقف على البحر فكان يلقى إلي من صنوف الحيتان ما يملأ الفضاء بين يدي وأمواجه تلقي بعضها على بعض إلي فكنت أروم تعبئتها وضمها وتلفيفها بالملح وأنظر في توطية لها من فرش ودوم بين يدي وآلة وكنت أقول: ألا رجل يعينني على تعبئة ذلك فكان يبدو
لي رجل فيقول ارفع رأسك هذا رسول الله إلي على البحر من جهة القبلة فكنت أمشي إليه ألقاه وأسلم عليه فلما فرغت من السلام قال لي يا محمد أنا أعينك على تعبئة ما أردته من هذه فخذ في ذلك فكان يسوي بيديه الكريمتين وطاءها ثم أجمع إليه وأقرب بين يديه من تلك الحيتان وهو يسويها ويجعل ملحها صفا على صف حتى بلغ سبعة صفوف وهي كانت عدد أسفار المسودة إذا تمت ثم ضم عليها صيانتها وزمها ثم قال لي هذا مرادك منها قد تم. ثم استيقظت وتماديت على التأليف فلعمري لقد كان هذا التأليف أسهل علي من كل أمر حاولته جعله الله لوجهه وذكره بن بشكوال فقال روى عن أبي عبد الله بن عتاب والقاضي محمد بن شماخ والقاضي أبي الوليد الباجي وغيرهم وكان معتنيا بالعلم والسماع من الشيوخ ومن أهل المعرفة والذكاء والفهم واستقضي ببلده وسمع الناس منه كثيرا من روايته وكان ﵀ من أهل الأدب البارع مع علمه وفضله ومن شعره ﵀:
ولى زمان وكان الناس تشبههفالآن فوضى فلا دهر ولا ناس
أسافل قد علت لم تعل من كرمومشرفات الأعالي منه أنكاس
ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى ورضي عنه:
تقول سليمى إذا وفيت بعدهاأشيب وفي وصل الأحبة منصف
وإن بياضا كان مني سوادهمكان السويدا بالعلاء مصرف
فقلت أجل إن تعف أطلال وامقتراه له في ذلك الرسم موقف
وهل هو إلا قالص فوق ثوبهولكنه القلب الذي كنت تعرف
وكان قد تغرب في الفتنة إلى جهة تدمير فقال:
أعاد الله أيام التلاقيكما كنا بها قبل الفراق
وأكمل بالسرور إياب نفسيفقد آل السرور إلى محاق
نأى صبري غداة نأيت عنكموهل تنأى همومي واشتياقي
لئن ضن الأسى بالصبر عنيفما ضنت بأدمعها مآقي
أحن إلى الرفاق لآن أنسيبأخبار الأحبة في الرفاق
وأفرح بالهلال لأن خليبه في غير آناء المحاق
كأني مذ نأيت وصرت رهنابتدمير أسير في وثاق
لقد أبقى فراقكم بقلبيكلوما لدغ حرقتهن باق
أرى ليلي علي إذا تدجىسواء والنهار بما ألاقي
ومنها:
أقول وقد ذكرتك فاستقادتلذكرك أذكعي ذات اشياق
سلام ترجف الأحشاء منهعلى الحسن بن وهب والعراق
على البلد الحبيب إلي غوراًونجداً ولأخ العذب المذاق
ومن شعره:
ومن عجب أني أهيم بحبهوأوليه إعراضاً وفي القلب يرتع
كذي رمد في مقلتيه يزيدهسنا الشمس (ضراً) وهو بالشمس مولع
وتوفي ﵀ بمالقة يوم السبت لسبع خلون من جمادى الأولى سنة خمسمائة قال ابن بشكوال وكان مولده سنة سبع عشرة وأربعمائة رحمة الله ورضوانه عليه.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع