من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
محمد بن الحسين بن كامل الحضرمي
المعروف بابن الفخار ويعرف بها وبصاحب نصف الربص كان من أعيان مالقة وجلتها وكاتبا بليغا وشاعرا مطبوعا وانتهى من كثرة المال وسعة الحال إلى ما لم يصل إليه غيره وذكره الفتح في كتاب القلائد ووصفه وأثبت له شعرا حسنا وكانت بينه وبين بني حسون منازعة فخرج فارا عن مالقة خوفا منهم قال أبو العباس أصبغ في كتابه فأجلسوا عليه الرصائد وضيقوا عليه الوصائد حتى سيق إليهم وهو مصفد في الحديد يرثي له القريب والبعيد فلم يزل يستعطفهم من السجن فمن ذلك ما أنشدني أبو بكر بن دحمان ﵀ لأبي عبد الله المذكور وهو جده لأمه هذه القصيدة:
أريد بأن ألقاك في دارك التيبها أمن الخواف من نوب الدهر
فيمنعني عض الحديد وكالحإذا رمت باب السجن يدفع في الصدر
يقول تجلد للحديد وعضهومن ذا الذي يعطى التجلد في الأسر
فرش لي جناحي واجبر العظم إنهمهيض وأنت المرء تعرف بالجبر
وإني عليها ما حييت لشاكركما عرفت في المحل عارفة القطر
ومن ذلك قوله:
أنت الكريم وقد ملكت فأسجحواغفر فقد عظمت ذنوبي واصفح
لا تلتفت غش الولاة كنصحهمفالكاشحون غشاهم بتنصح
يا حاميا سرج السيادة ممرعابالله عجل إن رأيت تسرحي
واعلم لأني للعوارف شاكركالهيم تشكر عارفات الأمنح
أشفقت من عض الحديد وروعهفي الصدر لم يذهب ولم يتزحزح
ومن ذلك قوله:
ويحبسون بأن الدهر غيركموالظن أكذب أين الفضل والكرم
يا حافظ العهد بأن خان الرجال بهألم تكن بيننا فيما مضى ذمم
إن توقف عطف أوجفا كرمفالطرف يكبو وينبو الصارم الخذم
أبا علي وخير القول أصدقهدع ما تجيء به الظنات والتهم
تسيء بي الظن والرحمن يشهد ليأني بحبلك بعد الله أعتصم
من غير الود ما بيني وبينكمتغيرت عنده الأرزاق والنعم
فلا تطاوع أناسا في صدورهممع الحسادة نار الحقد تضطرم
من أجل نكسي يرى أن الصلاح بهأن يظهر السر مثل الموج يلتطم
فاخفض جناحا وخذ بالعفو ما ظلموالازلت تعفو ومنن عاداك تنتقم
إذا أصابت من الأيام حادثةفأنت نور لديه تنجلي الظلم
وأن غدوت خفيف الجسم ضامرةفالذابلات إليها تنجلي الظلم
الخيل تسبق إن كانت مضمرةوالسهم ينحت والصمصام والقلم
فلا تمكن سفيها من إرادتهفيصبح الرأس تعلو فوقه القدم
شاور أخاك ودع بعض الورى همجاأما الذئاب فما ترعى بها الغنم
وشدد يديك بمن صحت مودتهفليس يدبغ جلد مسه حلم
وقد دعوت إلى إصلاح فاسدهوما بأذنك عن أمثالها صمم
وسقت بيتا جرى في دهرنا مثلاوالشعر فيه ترى الأمثال والحكم
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم
قال أبو العباس أصيغ ﵀: هذه القصيدة كانت سبب عفوهم عنه والله يغفر للجميع.
ومن شعره رحمه الله تعالى يرثي القاضي أبا مروان عبيد الله بن حسون ويعزي ابنيه أبا علي وأبا عبد الله:
أما الدموع فمنها الواكف السربوفي الضلوع ضرام الحزن يلتهب
ما كان هلك أبي مروان عندهمإلا الكسوف به الأعيان الحزن تنقلب
صارت له نيرات العين مظلمةوعاد كالصاب في أفواهنا الطرب
في كل واد وناد من عشائرناانتابه الجد لما مات واللعب
كنا به من خطوب الدهر في حرموالأمن تلحفنا أبراده القشب
وكان رأس المعاني ساميا صعدافطؤطىء الرأس واستغلى به الذنب
يا هضبة هد ركن المجد هدتهاوحده فل لما فلت الحسب
أقول فيك الذي يعزى لفاطمةوالقلب حران من فرط الهوى يجب
قد كان بعدك أنباء وهينمةلو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
العلم والحلم والتقوى وهمتهفي العدل والبذل ثم الرأي والأدب
ما ضيع الله قوما أنت جارهمأبا علي وإن طافوا وإن طلبوا
والسهل يصعب مهما كنت راكبهفلا تهزنك الأهوال والرعب
وقد حننت أبا عبد الإله لكمكما تحن لك الأقلام والكتب
وما اليراع إذا أصبحت تعملهإلا تذل له الهندية القضب
تدنو وتبعد والمنات عاليةكالطرف يوجد فيه الجري والخبب
وإن حجبت زمانا عن زيارتكمفالشمس شمس وإن كانت لها حجب
قلبي سنان تشق الصخر حدتهومقولي صارم في متنه شطب
ولي وفاء لو أن الأرض تعهدهما دل فيها لفرع النبعة الغرب
أبى لي الله إلا أن يفضلنيعلى أناس وإن ذموا وإن جلبوا
وكل قول إذا ما كان مدحكموإن أضيف إلى الإسهاب مقتضب
وإن غدا الجسم في ترب فليس لناإلا الدعاء بأن تهمي له السحب
فنعم الله حتى الحشر أعظمهوحام فوق ثراه المزن ينسكب
ومن شعره ﵀ برثي القاضي أبا عبد الله بن خليفة المذكور:
أقضت على القوم الكرام المضاجعوفضت جموع بعده ومدامع
وأصبحت العليا يراع فؤادهاوحق لها أن تعتريها الروائع
ألا إنما الدنيا غداة فراقهككف أبين الخمس منها الأصابع
وكل كريم بعده هاله الأسىوأصبح قد سدت عليه المطالع
شهاب هوى فالعلم أسود حالكونجم خوى فالخير أغبر شاسع
وطرف كبا والطرف لم يك عاثراوسيف نبا والسيف أبيض قاطع
فيا لدموع العين غيضت من البكاويا لحصاة القلب هن الصوادع
وهي طويلة وكتب إلى أبي الحسن بن معمر وكان صديقا له:
إلى كم يجد الحر والدهر يلعبويبعد عنه الأمن والخوف يقرب
وهل نافعي إن كنت سيفا مصمماإذا لم يكن يلقى بحدي مضرب
أبينهم والليل كالنفس أسودوأهجمهم والصبح كالطرس أشهب
فلا أنا عما رمت من ذاك مقصرولا خيل عزمي للمقادير تغلب
أبا حسن سائل لمن شهد الوغىلئن كنت لم أصبح أهش وأطرب
وأعتنق الأبطال حتى كأنمايعانقني عنهم من البيض ربرب
وفي كل باب قد ولجت لكيدهمولكن أمور ليس تقضى فتصعب
فيا أسفا كم قد أبيت بذلةوسيفي ضجيعي والجواد مقرب
وكتب معرضا لأهل بلده:
لو صح عقلك أعط النفس قدوتهاولم تكن منبئا بالحقد والحسد
أما الخليط فقد حلوا بأرضهموأنت وسط الفيافي من بني أسد
يا من أتاه معمى ليس يفهمهإن النسيجة من أرائك الفسد
أهون بخطب امرئ حلت بضاعتهمن النميمة في أسوافها الكسد
الدين يضرب عنا من يعاندناضربا يزايل بين الرأس والجسد
وهل يطيق دفاعا عن جوانبهمن حبله موثق في الجيد من مسد
ما للوحيدي ذنب في سيادتهإن كنت في جملة الغوغاء لم تسد
ورأى يوما ابنا لأحد إخوانه في بطالة فقال ينهاه:
فديتك أرعني سمعا فإنينظمت لك النصيحة في نظام
ولا يوحشك عتب من محبفإن الطب يذهب بالسقام
وإن العلم تدرسه صغيراكمثل النقش ثبت في الرخام
أبوك أبوك دينا لا يبارىوجدك علمه كالبحر طام
وعمك لم يزل مذ كان يسموإلى العلياء بالهمم السوامي
وأنت فتى كمثل النجم لكنيعز علي كونك في ظلام
وكان جالسا عند القاضي أبي علي بن حسون بمالقة في مجلس أحكامه وقد حضر جملة من أعيان مالقة فجاءه رجل فأخبره أن قوماً يعرفون ببني العصري من قرية يرفة وتعرف الآن برذلفة وبنو العصيري بها الآن فأخبروه أنهم سيبوا مواشيهم على غراس وزرع كان له بالقرية المذكورة أو قريبا منها فتناول إضبارة وكتب فيها:
يا ذا الذي بجماله وكمالهرد القلوب النافرات أوانسا
بقر العصيري بقرية يرفةرتعت فآذت غارسا أو دارسا
وله رعاة من بنيه خمسةأخنوا على شجري فأصبح يابسا
ودفعها للقاصي فأمر بهم فأحضرهم وسجنهم واشتد عليهم وكلفه القاضي ابن حسون أن يذيل له هذا البيت وأنشده له:
أترضى أن تطير بريش عزومن يهواك مقصوص الجناح
فقال مرتجلا:
إذا هاجت من الأيام حربفإن جميل رأيكم سلاحي
وإن مالت إلى الراحات نفسيفذكرك جنتي وهواك راحي
وقد أصبحت أنشد بيت شعريلوح الغدر فيه كالصباح
أترضى أن تطير بريش عزومن يهواك مقصوص الجناح
ومن كتبه ﵀ ما كتب به في حق أحد أصهاره: المفاتحة أعزك الله خوض غمار وضرب قمار وقد ألأم الشعب وأرأب الصعب لكن تنشأ أزمات وتطرأ لمن لا يرد من القرابات عزمات يوضع لها الخد ويركب فيها الجد ويترك الأهون ويؤخذ الأشد وإني اقتضبت هذه الحروف من خطوب تنوب وحوادث مضلات لا تؤوب وكأني أنحتها من حجارة الأزارق وأستنزلها من خلب البوارق وأسألها عود الشباب المفارق ورد الليالي الحالكة على المفارق فناهيك بها عسرة وإضافة وافتقارا إلى عطائك وفاقة وحسرة لا ترجو منها الخواطر إفاقة وفلان كر على القف ولا يعرف ما في الخف قد ركب لجاجته ولم ير ما حيلة إلا حاجته ولولا ولاء صادق حثه وثناء عاطر بثه وشهادة في محاسنك استحفظها ونبذ من محامدك نبذها إلي ولفظها استحق بها مني إحمادا واستوجب لمكانها اعتدادا واعتمادا إلى ما اعترف به من إكمال ناظر واهتبال خاطر عمه فضلها وعمره طولها ما تمكن لي كتب حرف ولا تنسمت من إجهاض الحوادث بعرف والله يشكر إجمالك ويحمد إخلالك ويبلغك في الدارين آمالك بمنه
وكتب معزيا أطال الله بقاء السيد المفدى والكريم الأعز الأهدى وجلاله مأثور وأجره موفور ومذخور تأبى الأيام أدام الله عزتك إلا أن تفجع بساداتها وتجري من اخترامهم على عاداتها فالحازم من استسر الحوادث قبل أن تحل وهانت عليه من حيث شملت الكل وإن مصابك بالصبر الجميل عن أوصابك فقد علمت أن الحزن ما نفع ولا أجدى ولا استرد في الدهر سؤددا فقد ولا مجدا فإن كان شأن هذا الحادث شمولا وكل على تلك الأعواد محمولا فما لنا لا نبكي أنفسنا وهي أحب أو نرجع فيمن فقدنا إلى ما أراده الرب فإنا الله وإنا إليه راجعون عليها مصيبة قدحت ورزية فدحت. وقد يعلم الله أني ساهمتك مساهمة فؤادك وأخذت من رزئك ما أخذت من ودادك وإني لأتذمم من دهر يعوق لا تقضى معه الحقوق فكان من واجب مرزيتك أن أعمل قدمي إلى تعزيتك لكن الذنب للأيام لا لي وحسبك اليوم ما لك قبلي.
وكتب في حق المعروف بالزريزير وكان رجلا حسن الإنشاد يرد على النبهاء فيخف عليهم. ولكتاب العصر فيه كتب مشهورة منها ما كتب به أبو عبد الله المذكور وهو
يسقط الطير حيث ينتشر الحب وتغشى منازل الكرماء
لما كنت أعزك الله روضة في الأدب طيبة الماء والعشب وغدوت دوحة في المجد مورقة بالتهمم مثمرة بالجد أوشكت طيور الثناء أن تنشر عليك قلاعا وحامت عصافير الرجاء عليك عطاشا وجياعا فوجدت بثراك الحب النثير والماء العذب النمير فشربت والتقطت وانتفضت وترنمت ولم ترع بصر صرة الصقور حين غدت في الماء النمير فهي مائلة على طي الأجنحة مثنية عليك بالألسنة المفصحة قد جعلت أراكها قصب الأراك وبسطت درانيكها فلم تقتنص بأيدي الفخوخ والأشراك تتغنى من الطرب وتتناشد بمخضرة القصب:
فيا لك من قبرة بمعمرخلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
ولما قطع الآن إليك منها زريزيز له أبداً بالثناء عليك صفير قص جناحه فهو نحوك حاذف وحسن صاحبه فكل قلب عليه عاطف رجوت أن تعيده وافر الجناح صافرا يذكرك في الغدو والرواح.
وكلامه ﵀ كثير وتوفي بمالقة في شهر شعبان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع