من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
موسى بن رزق
هو الوزير أبو عمران صاحب أبي عبد الله الرصافي. كان ﵀ من النبهاء والأدباء. وكان كريماً مقصوداً عالي الهمة جميل العشرة. وكان طلبة مالقة الجلة كأبي عبد الله الرصافي الأديب, وأبي علي بن كسرى, وأبي بكر الكتندي يجتمعون في منزله, ولا يبرحون عنه ليلاً ولا نهاراً. وكان له بستان يختص بهم لجلوسهم ومناظرتهم. ولهم في ذلك البستان أوصاف عجيبة ومعان مخترعة. ولهم في أبي عمران المذكور أمداح رائعة أذكر الآن طرفاً منها, إذ قد وعد خالي ﵀ فيما مضى من هذا الكتاب بذكر بعضها في باب موسى. فمن ذلك مقطوعات الأديب أبي عبد الله الرصافي يصف بستان أبي عمران المذكور ويمدحه, فقال:
ما مثل موضعك ابن رزقٍ موضعزهر يرف وجدول يتدفع
وكأنما هو من محاجر غادةٍفالحسن ينبت في ثراه وينبع
وعشيةٍ لبست رداء شحوبهاوالجو بالغيم الرقيق مقنع
بلغت بنا أمد السرور تألفاًوالليل نحو فراقنا يتطلع
فابلل بها رمق الغبوق فقد أتىمن دون قرص الشمس ما يتوقع
سقطت ولم يملك نديمك ردهافوددت يا موسى لو أنك يوشع
قلت: وقد جرى الأديب أبو عبد الله بن مرج الكحل هذا المجرى فصنع قطعة ينحو فيها نحو أبي عبد الله الرصافي, وهي:
طفل المساء وللنسيم تضوعوالأنس ينظم شملنا ويجمع
والزهر يضحك عن بكاء غمامةٍريعت لشيم سيوف برقٍ تلمع
والنهر من طرب يصفق موجهوالغصن يرقص والحمامة تسجع
فانعم أبا عمران واله بروضةٍحسن المصيف بها وطاب المربع
يا شادن البان الذي دون النقاحيث التقى وادي الحمى والأجرع
إن غاب نور الشمس لسنا نتقيبسناك ليل تفرقٍ يتطلع
الشمس يغرب نورها ولربماكسفت, ونورك كل حينٍ يسطع
أفلت فناب سناك عن إشراقهاوجلا من الظلماء ما يتوقع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقلفوددت يا موسى لو أنك يوشع
ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم, قال: أنشدني صاحبنا الفقيه أبو علي بن
كسرى مما ارتجل أبو عبد الله الرصافي بحضرة أبي بكر الكتندي الكاتب ﵀ في صنوبرة قد صنعت من نحاس, وثقبت جوانبها وركبت في وسط مستدير (يديره) ماء في بستان أبي عمران المذكور فقال فيها أبو عبد الله الرصافي رحمه (الله) هذه الأبيات:
وروض جلا صدأ العين بهأزيرق يطفو على مشربه
صنوبرة ركبت ساقهاإليه فخاضت حشا مذنبه
فشبهتها وأنابيبهابها) الماء قد جد في مسكبه
بأرقم كعك من شخصهوأفراخه يتعلقن به
وله فيها أيضاً:
لم أنس ما راق عيني من صنوبرةٍلها مع الماء حال غير محلول
تعب فيها لجينها فتنفخهأعطافها مثل أشطار الخلاخيل
وله فيها أيضاً:
وجدولٍ كاللجين سائلصافي الحشا أزرق الغلائل
عليه شكل صنوبرييفتل من مائه حلائل
ولأبي بكر الكتندي فيها:
صنوبرة لم يوجد الكون مثلهاحلي بساتينٍ وريق مذانب
حوت ذائباً من طعمها فوق عادةٍفسالت ينابيعاً على كل جانب
يضاهي الثريا شكلها واجتماعهالو أن الثريا (قد حكتها) بذائب
قلت: ولم أقف للفقيه أبي عمران المذكور على شعر. غير أن الفقيه أبا عمرو بن سالم قال فيه: كان من الأدباء. وتوفي رحمه الله
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع