من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
عبد الله بن عيسى بن حسون المالقي
يكنى أبا مروان. كان قاضي مالقة. قال أبو العباس أصبغ: كان عبيد الله قبلة للأيتام, وغماما للإنعام, ومفخراً يتباهى به النثر والنظام, وتتبارى في طلبه السيوف والأقلام:
أبدا يطوف الشاكرون ببابهطوف الحجيج بمشعر ومقام
قال: وكان يحب الجلة والأدباء, ويصطفي العلية والصلحاء, فلا يعني إلا بابتناء مجد, ولا يرتاح إلا لاقتناء حمد. ما أوقد قط بالحضيض ناره, ولا غلق في وجه القاصدين داره. بل كان على من قصد المنن الغر, والأيادي التي ينقشع بها عنهم الضر, وينتعش بها العبد القن والحر, فإليه كان الأجلة يزورون, وبجانبه الأمنع الأحمى يمنعون ويحتمون. ومدحه بمالقة جلة من الشعراء لإحسانه إليهم, وإظهاره أثر العناية عليهم. وللفقيه أبي الحسن بن هارون يمدحه:
أشاقك بالبين الخيال المودعفدمعك فياض وقلبك يضرع
وهاجك مغنى أخلقت ربعه الصبافربع الصبا من حسنه يتقطع
وعهدي به الدهر يسمح بالرضىوطير التصابي في مراعيه وقع
وسرب الظباء العفر غازلها الهوىوما صدها عنا حجاب وبرقع
يمتن ويحيين الرضى, فزمانناوإن جل ما يأتين يأس ومطمع
وفيهن حوراء اللواحظ طفلةصيود, لألباب المحبين تصرع
وقائلة كم ذا التمادي لدى الصبافقلت: فؤادي بالصبابة مولع
بليت بربات الحجال وقلمادعون امرأ إلا يخب ويسرع
حذائي الهوى للبيض والدعج والدمىوإن كان لي نحو المكارم منزع
وما العز إلا في نفوس أبيةوإن كان أحيانا علاها يضيع
وإن غير البدر المنير كسوفهفإن سناه بعد ذلك يرجع
ومنها في المدح
لقد كان هذا الدهر أعمى أصم منقديم فأضحى من يدين ويسمع
وعاد مضيئا بابن حسون إذا رأىله غرة زهراء بالنور تسطع
بدا فرأيت الشمس عالية السناكما غيبت شهب الدجا حين تطلع
جميل المحيا, رائع متوقدذكاء ونبلا, كامل الرأي أروع
له عزة الأملاك مع لين جانبوشدة بأس فهو يردي وينفع
حلاوة طبع ترشف النفس ريقهاولكنها عند العزائم تقطع
يسل سيوف العزم بالرأي إن دجتخطوب, ووجه الحق بالشك أدرع
إذا فخر الأقوام يوما فإنهذرى الراسيات الشم منه تخشع
جواد بما يحوي فلو أن كفهسحائب لاستصحى الأنام وأجمعوا
إذا غاض حوض الجود يوما فحوضهمن النيل ملآن الجوانب مترع
وإن جهلت طرق المكارم والعلىفواضح علياه إلى المجد مهيع
وإن عدمت غر المعالي فإنهلدى كفه الإحسان والبر أجمع
أبي يرى الدنيا كما شاء لم تزللها فوق أفلاك الدراري موضع
وليس يراها من أجل مرادهإذا كانت الدنيا تغر وتطمع
وما الدر إلا من قلائد لفظهوما السحر إلا ما يشي ويرصع
هنيئاً بما أعطاك ربك إنهرآك لعلياء المراتب تسرع
سناؤك مصباح ووجهك مشرقوغيثك هطال وربعك ممرع
وعزك فوق النجم حل مناطهوأنت من الأفلاك أسنى وأرفع
إذا رحل العافون عنك رأيتهموجودك في ابشارهم يتميع
وبي ظمأ والفضل منك سجيةلعلي في حوض المسرة أكرع
بقيت على العهد القديم وإنماوفاء ودادي منك حصن وأدرع
ودم فوق هضب العز ما لاح شارقوفيض الندى من بحر جودك ينبع
قال أصبغ ﵀: فاهتز ابن حسون لهذا المديح هز الحسام, وأفاض عليه مياه النعم الجسام, والآلاء الوسام, رحم الله جميعهم بمنه.
وتوفي ﵀ في يوم الاثنين لأربع خلون لربيع الآخر عام خمسة وخمسمائة. ذكر ذلك ابن الصيرفي في تاريخه.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع