من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش ابن عباد بن عمرو بن أسلم
انب عمر بن عطاف بن نعيم. هو الأمير المعتضد بالله ابن القاضي أبي القاسم ابن عباد. أقام بمالقة مدة في أيام يحيى بن حمود أمير المؤمنين, وذلك أن القاسم بن حمود لما خرج إلى قرطبة بلغه أن أهل إشبيلية قد خاطبوا يحيى بن حمود, فعزم القاسم على الخروج إليهم, وأن يعطي دورهم للجند ويأخذ أموالهم. وكان بعض إخوان القاضي حاضرا, فأعلمه بذلك. فقرأ القاضي الكتاب على أهل إشبيلية, فقال: ما ترون. فذهب أحد أعيانهم وأتى بتخت عظيم فيه ثياب, وبمال كثير, وقال: عندي كذا وكذا من قمح وشعير وزيت أذب به عن مالي ونفسي. فأجمع أهل البلد معه على ذلك, واجتمع مال كثير, فثقف عند أمناء. ثم أمر بالمنادي: من أراد العطاء والراتب فليأت. فاجتمع الجند, وغلق العبيد أبواب القص, فخرق الباب الكبير منه ودخل عليهم, فأمنوا, وأخرج العامل, ووجه عيال القاسم له إلى قرطبة. فنظر في الخروج إليهم. وخاطب أهل إشبيلية يحيى إلى مالقة, ووصل إليهم, وقال لهم: تعطوني البلد, فقالوا له: نعم, لكن على أن لا تدخل إلينا. خذ الجباية والسكة والخطبة. فقطع ثمارهم واغتاظ عليهم. فلما لم يقدر معهم على أمر, صالحهم على ذلك, وطلب منهم رهانا. فأعطاه القاضي ولده عبادا. فكان عنده بمالقة, فلعب في بعض الأيام مع ابن يحيى على الصهريج, فدفع ابن يحيى, فمات في الصهريج. فأرادت أمه قتله, فأبى يحيى, وصرفه لأبيه, بعد أن كان يحيى قد قدم القاضي على عمل إشبيلية. فهذا كان سبب دخول عباد المتقدم الذكر إلى مالقة.
وفي خلال ذلك ظهر هشام الدعي على ما يأتي ذكره في بابه, فحجبه إسماعيل أخو عباد, إلى أن قتل إسماعيل. فانتقلت الحجابة لعباد أخيه. ثم مات أبوه القاضي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. وولي عباد المذكور, وتسمى بالمعتضد بالله المنصور بفضل الله. ودبر المملكة, ونظر في قتل البرابر وأخذ الثأر منهم. فلما كان في سنة ثمان وأربعين خرج يتصيد, وقيل كان به سكر حتى وصل رندة, وفيها أبو نور النفري, ومعاذ بن أبي قرة, فأكرماه, وقالا له: ما جاء بك, فقال: أريد تطهير أولادي, أن ترسلوا عن الحجاب يشرفون بالحضور بأنفسهم ونسائهم في أحسن زي, ليكون لي بذلك شرف في الأندلس. فاجتمع الحجاب وأعلموا بذلك, وأخذوا في الشرب, فأظهر المعتضد السكر. فقال الحجاب: جاء الكبش للجزار. فقال معاذ وأبو نور: والله لا كان هذا أبدا. ففهم المعتضد كلامهم, فأمر بصلات, فدفعها إليهم, ثم انصرف عنهم. فمضوا إليه في أحسن زي مع نسائهم, فلما دخلوا عليه, أنزل أبا نور ومعاذا أحسن نزل, وسائر الحجاب أخذ سلاحهم. واختلف الناس في موتهم. فأصح ذلك أنه أدخلهم الحمام على معنى الإكرام, وأمر ببنائه عليهم, فبقوا فيه حتى ماتوا, وقيل: سجنهم فيه ليلا, والله أعلم أي ذلك كان. وكان المعتضد شديد البأس كثير الحزم صاحب رأي وتدبير. وكان إذا أشكل عليه أمر دخل حنيته, ورد وجهه ورأسه إلى الحائط فيدير ما يراه سدادا, ويأمر بإنفاذه, فيكون من أبدع ما يختار وأصوب ما يدبر. فكان لذلك يسمى أسد الحنية. وكان يقول الشعر.
فمن شعره يخاطب صهره بدانية:
صهري أبا الجيش هل يقضى اللقاء لنافيشتفي منك طرف أنت ناظره
شط المزار بنا والدار دانيةفيا حبذا اللفظ لو صحت زواجره
ومن مستحسن شعره قصيدته المشهورة التي أولها:
أنام وما قلبي عن الجد نائموإن فؤادي بالمعالي لهائم
وتوفي ﵀ من ذباح. وقيل: إن الحكيم ابن النقاش أعان في أمره مع القدر, وسبق الأجل. وذلك سنة إحدى وستين وأربعمائة. ذكره ابن حمادة في تاريخه.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع