من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
يحيى بن الحسن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صفوان
ابن عبد الرحمن بن يحيى بن مزدوغة بن محمد بن عبد الله بن دعامة بن عرار القيسي, يكنى أبا بكر. وهو الفقيه الأجل الوزير أبو بكر بن صفوان, مشهور الحسب, جليل المقدار, قديم الرياسة, معلوم المكان. يتصل نسبه بعرار المتقدم الذكر. وعرار هو الداخل في طالعة بلج. وقد تقدم ذكر والد أبي بكر في باب الحسن. ولم يزل عقب عرار يتمادى ويتصل, ويتوالى ولا ينفصل, إلى أن أعقب أبا بكر يحيى المذكور. وكان أكثرهم عدا, وأولهم جلالة ومجدا. انتظم به سلك فخارهم, وكملت به مكارم أخبارهم. فاق أهل زمانه سياسة ونباهة, وبرعهم عناية ووجاهة. كان ﵀ أحسن الناس خلقا وأنداهم يدا وأشدهم تسرعا لقضاء الحوائج وأسرعهم إلى فعل الخير. وكان ﵀ مقسم المال على الأصحاب والخدام, معظما عند الملوك والسادات, مشارا إليه, سني الهمة, ذا شارة حسنة, كثير الفضائل.
حدثت أن بعض خدامه كان يتفقده في الجمع بحوت نفيس رغبة في وجاهته, وطلبا في عنايته به, إلى أن انقطع عنه ذلك الرجل مدة. فبينما هو جالس في بعض الأيام, وإذا بامرأة قد جاءت تشكو له بحالها, وأن عندها بنتا تحتاج إلى الزواج, وما لها بما تجهزها به, وعرفته أنها زوجة ذلك الرجل, وأنه قد مات. فقال لها: اقعدي حتى أخرج إليك, فمكث ساعة ثم خرج إليها بزمام في يده, ونحو من ثلاثين دينارا. فقال لها: يا هذه خذي هذه الدراهم, وأصلحي بها حال نفسك فشكرته. وترامت عليه تقبل يده. فقال لها: يا هذه, لا تشكريني على هذا, فإن تلك الدراهم من مال زوجك. فقالت له: يا مولاي, وكيف؟ فأخبرها أنه عندما كان زوجها يأتيه بذلك الحوت النفيس كان يعرضه على من يقدره له, ويقيد عند ذلك, حتى اجتمع في الحوت وغيره من الهدايا ذلك العدد, فدفعه
إليها, وقال لها: إذا كانت الصبية للزواج, فجهازها عندي. فكان الأمر كذلك. وهذا غاية في الفضيلة والكرم. ومكارمه وإحسانه أكثر من هذا.
وبقي ﵀ ببلده مالقة. فلما كان في أيام الأمير أبي محمد عبد الواحد المخلوع حمل بيعة مالقة. ولقي الوزير الأجل أبو بكر يحيى منه من القبول والإكرام ما رقى درجته, ورفعه وأظهر العناية عليه. ثم وصل خبره أنه مات بأحواز مربلة, ووصل إليها ابنه أبو جعفر, فأخبر أنه مات بعد هدء من الليل ليلة يوم الاثنين الثامن عشر من رجب الفرد من عام إحدى وعشرين وستمائة. وأوصله ولده المذكور. والله يجدد عليه الرحمة بمنه. ورثاه ﵀ جملة من الشعراء. وممن رثاه خالي ﵀ عليه بهذا الرثاء:
أما الحمام فمحتوم ومقدورفالصبر أولى, ومن ينفث فمصدور
دع عنك زخرف عيش لا بقاء لهكأنه فوق ظهر الماء تصوير
واخلع ثياب الأماني فهي كاذبةدنوها
وإن امتد المدى. زور
لا يترك الموت ذا عز لعزتهولا الذي هو مذلول ومحقور
سيان للموت: آساد وغيد فلاوذو التواضع منا والجبابير
من لم يصبه إذا وافاه بعد غدفما يفيدك تقديم وتأخير
دع التعمق في فعل وفي كلمفذو البلاغة عند الموت محصور
والموت لا يعرف الإعراب عاملهفيستوي فيه مرفوع ومجرور
سلا خبيرا بهذا الدهر إن لهعجائبا هي للألباب تذكير
واستنطقا أثر الماضي ففيه, وإنلم يسطع النطق, تعريف وتعبير
فهل عدا الموت عادا عند ما كثروافلم تفد قوة فيهم وتكثير
وعن ثماد ثمود هل تحينهامن حادث الدهر تعطيل وتعذير
واذكر أخا الحضر إذا أمسى بقنتهفما تصبح إلا وهو مشحود
وسل معافر إذ طالت سنوه أماإذا بترب المنايا وهو معفور
واستفهما لبدا عن طول مدتهأخلدته فأمسى وهو منظور
وعن ربيع وما يغشاه من مطرومن رياح أسفته الدهارير
وعن لبيد وقد أبدى السآمة منطول الحياة, ألم يلحقه تغيير
وعن جديس وطسم كم تطمس منآثارها فهي إن أبصرتها بور
وعن معد وما عدوه من ولدله, أمنهم مع الأحياء مذكور
كم قد أشادوه من قصر وكم عمروافمنهم اليوم بطن الأرض معمور
قد مات منهم لعمر الله منتجهإن الجميع بسهم الموت مقهور
أعد أحاديث هذا الموت فهي لناأنس, وهن لذي السلوان تكدير
وهون الأمر, إن الموت من عظممعروفة في نفوس الأنس منثور
فاذكر فقيداً أتتنا كل فادحةبفقده فنظام الأنس منثور
وقابلتنا وجوه العيش فاسدةوأبصرتنا عيون للمها عور
وأضرمت بلهيب الشوق واتقدتصدورنا فهي تشبيها تنانير
وأرسلت سحب الأجفان أدمعهافكل خد بماء الدمع ممطور
على الذي إن يطل وصف الرثاء لهفإنما هو في التحقيق تقصير
على المقدم في الأمر الجليل, لهفي المشكلات إذا أشكلن تصدير
على الذي انتثرت شهب السماء لهودك في الأرض من أرزائه الطور
على الصفي ابن صفوان ومن شرفتبه اليراع بهاء والمحابير
إيه أبا بكر الأعلى وكم طمعتنفسي بما لو تؤتيها المقادير
ألف عنك قضيب المجد في كفنعليه كل حنوط الطيب مذرور
ما كان أغناك عن هذا وذاك فمنثناك ترب ومن رياك كافور
قد أظلمت بعدك الآفاق من ولهكأنما اتصلت فيها الدياجير
إذا ذكرت فأنفاس مصعدةكأن ذاكرك الملهوف مهجور
من المؤمل, أنما ذو الدنى فلهشغل وذو الدين في دنياه مقهور
وكنت في ذين مضاء العزائم قدأصاب كل عسير منك تيسير
ما كنت كالناس لكن إن يقل بشرففضة قد حكاها اللون قزدير
لو كان صفوك للماء القراح لمابدا بصفيحة للوراد تكدير
أو كان عندك للسيف الحسام لمابدا به من قراع الهند تأثير
أو كان جودك في زهر الرياض لماحمى جنى الورد من شوك سنانير
بنى لك الله بين الخلق منزلةلها العلاء أساس والتقى سور
يا مخلصا وضع الله القبول لهحتى استوى منه منهي ومأمور
لو بعض حبك بين الخلق كلهممقسم لم يكن في الناس مهجور
ما زلت تحسن حتى في الممات فقدأصبحت والكل منا فيك مأجور
أقمت بالعدوة القصوى وأنفسنالها من الذعر تسبيح وتكبير
حليف حصرين إما من سيوف عدىمحصر, ومن الأمراض محصور
وكل ذلك إن حققته عرضقد انقضى, وهو عند الله مذخور
جرت ودائرة الأفلاك تحسرهافي اليم تحملك الفلك المواخير
ومن لها بك بدر لو تسير بهلم يعقب الشمس في الأفلاك ديجور
لو يعلم الفلك ما يحويه من كرملم تستطع سيرة الفتخ الكواسير
سلت عليك ضلوع منه فانتفضتحزنا, وفارق جنبيه الدساتير
وقد بدا منه إشعار, فمن ولهأنينه وهو عند الله تصوير
وكنت مجتمع البحرين فاجتمعتثلاثة هي في الأرض المشاهير
فاثنان ماؤهما ملح لشاربهوثالث منه ماء المزن معصور
عذب يفيض على العافي عوارفهدرا, وكل نوال البحر منزور
إني أظنهما جارا به حسداوكل ذي حسد مدحور
كأن زورقه الجاري بصفحتهجفن قد استل من إنسانه النور
لما انحدرت إلى شط المجاز وقدتقدمتك التهامي والتباشير
وهبت الريح طيبا عندما فصلتبه الركائب في البيداء والعير
فطار فينا سرور لو يخوض بنافي لجة البحر أضحى وهو معبور
فمن مقيم, إلى لقياك مرتقبومدلجين لهم جد وتشهير
فبينما نحن في أنس وفي فرحوالكل منا بقرب الدار مسرور
وافى المصاب بباك وهو مبتسموهائم منه في الضدين تفكير
يبكي ويضحك لا عقل ينبههكما تحرق دون القصد مخدور
يا واصلا لم يصل والناس قد وصلواكأنما هو طيف, زار, مذعور
أستودع الله منك القبر أي فتىعلى الفضائل والآداب مفطور
مبارك لو ينيل الترب سائلهلعاد تبرأ تساويه الدنانير
له من الجن تسخير يخلصهومن تناوله الميمون إكسير
حسيب ريه من قوم لهم شرفتزهى الدواوين منه والدفاتير
سيوفهم فتحتها وهي مغلقةحتى اشتفى الدين منها وهو موتور
قيس وما القيس إلا سادة نجبتزهى القبائل منهم والعشائير
توارثوا المجد من جد إلى ولديأتي أكابر إن مرت أكابير
حتى أتيت أبا بكر قد اجتمعتلك الفضائل منهم والمآثير
فرد تفتق عنه كل مكرمةكما تفتق في الروض الأزاهير
يبكيك كل طريد الدار منتزحعن الأقارب أعيته المعاذير
قد كان منك إلى ظل ومستنديأوي, ويعقبه, المعسور, ميسور
يبكيك طالب حاجات معذرةله لبابك إدلاج وتهجير
فالآن يرجع لا ما رام أدركهمنها فحبل رجاء الحاج مبتور
إني لأبكيك عن خبر ومعرفةفأنت عندي معلوم ومخبور
إن يؤثر الفضل في الأقوام عن فرقشتى, فعنك جميع الفضل مذخور
أو يوصف الناس أفرادا بمكرمةفأنت بالكل موصوف ومشهور
قد أقفرت أربع الإكرام منه وقدسفت عليها لأرواح البلى مور
وعندما كان غصنا مثمرا كرماهبت عليه من البلوى أعصاير
ومد في القبر لكن... لأنه فيه حتى الحشر مقصور
يا روضة باهر الأفضال ناب بهاعن البهار وعن خيريها الخير
تيهي على الدهر طول الدهر والتزميإعظام أعظم من في الترب مقبور
فقد تأنس سكان القبور بهكما توحش من في الدور, والدور
بين المعزين كاس الحزن دائرةفالناس مخمورة: سكرى ومخمور
عزيت فيك لأن الناس قد علمواأني, إذا مت وجدا فيك, معذور
زجوا عن الغمض منك الجفن وائتربوافالكل منهم من الأرزاء موفور
هذا شقيقك لا صبر يؤنسهكأنه لسماع الحزن مصدور
وذا خليلك فوق الترب منعفركأنه بسيوف الحتف معقور
فيا بنيه اخلفوا فينا مراتبهفالزهر تجلو الدجا والبدر مستور
ولتلزموا كل فعل كان يلزمهمن المعالي فسيروا مثله سيروا
حيى ضريحا حواه, كل منهمرولا تعداه تقديس وتطهير
وحل روضة خلد لا زوال لهاتغدوا عليه بها الولدان والحور
إن القلوب إليه الدهر مائلةوأعين الناس وجدا نحوه حور
ولنقتصر بهذا الرثاء على ما رثي به الفقيه الوزير أبو بكر, ففيه كفاية, والحمد لله.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع