تجاوز إلى المحتوى

من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)

يوسف بن محمد بن عبد الله بن يحيى البلوى

يكنى أبا الحجاج, وهو الفقيه الفاضل الزاهد الورع المحدث الأوحد أبو الحجاج ابن الحجاج ابن الشيخ, مشهور الفضل والدين والعلم. كان ﵀ أحد من بقي من السلف الصالح. فضائله كثيرة, ومنزلته في الدين والعلم شهيرة. أخذ ﵀ عن شيوخ جلة. ورحل إلى المشرق فأخذ عن أبي الطاهر السلفي, وأبي العباس السرقسطي, وعن العثماني, وغيرهم. وروى بالأندلس عن ابن عبيد الله, وابن قرقول, وغيرهما. وكان ﵀ يؤم الناس بجامع مالقة. وله كرامات مشهورة, ومكاشفات وإجابة دعوات. فمن فضائله ﵁: الرؤيا اليت كان رآها المؤذن أبو جعفر المرسي في حقه, وذلك أن الفقيه أبا الحجاج ﵁ كان يؤم في الجامع الكبير, ويؤذن في أحد أبوابه. وكان بالجامع إمام راتب غيره فكان الشيخ ﵁ يبكر ويؤذن في الباب ويدخل للصلاة. فلما كان في بعض الأيام ربما طرأ عليه عذر أو غلبة النوم, فتأخر عن وقته, فانتظر حتى جاء, ثم جرى له ذلك في يوم آخر, كذلك نحو من ثلاثة أيام. فلما كان في اليوم الثالث أبطأ, فأقام المرسي الصلاة ولم ينتظره, فأتى وقد فاته بعض الصلاة, فلم يقل للمرسي شيئا. فلما كان الليل نام المرسي فرأى النبي ﷺ في المنام, فعاتبه, وقال به: تأدب مع الشيخ وانتظره. فلما كان في صبح اليوم الثاني جاء الشيخ على عادته, فلما صلى ذهب المرسي ليخبره بما اتفق, فقال له الشيخ مبادرا. أظننت أنني ليس لي من ينصرني, ووصاه ألا يخبر بالرؤيا حتى يموت.

وفضائله ﵀ كثيرة, وهي أشهر من أن تذكر. وكان ﵀ مع ذلك شاعراً.

ومن شعره:

ألا يا ويح نفسي ما لها إذميل بها على الخيرات تأبى
فمالي لا أتوب من الخطاياويعجلني إذا ما الذئب تابا

ومن شعره في الزهد:

ولا بد أيضاً أن تسير على الفناسوى الحق, إن حققت, إلا ملاهيا
وتعلم ذا علم اليقين وبعد ذافلست غلا غفولا ولاهيا

وكان ﵀ مولعا في شعره باللزوم. وله في ذلك:

كل شعر بلا لزوم فسخلهو نسج سدى ونير ولحمه
واللزوم مثال ثوب موشىبابيضاض واخضرار ولحمة
ذاك ميت بغير روح وهذاهو حي يرى, وتسمع نحمه

وله ﵀ من الملح الأدبية ما يروق سماعه. من ذلك ما عارض به الحريري في أبياته المعكوسة, وهي هذه:

أسما, هوانا حرفتتفرح إن أوهى مسا
أسأت, من ململناإن لم لم نمت أسى
أسلمنا هذا فإذاذاف أذاه انملسا
اسق حشاك والعساوساع لكاشح قسا
استر تسن مآثرارثاء من ستر تسا
اسأل من منَّ ألالأن من مل أسا

وكان بينه وبين أبي محمد عبد الوهاب مكاتبات وأشعار ومداعبات. فمن ذلك ما كتب به أبو الحجاج يستدعي منه نقل تين, وهي هذه:

إلى من جل لي حاليوسؤلي أن يبقى لي
أبو عيسى الصدوق البر في فعل وفي قال
محب كل مكرمةلكل مذمة قال
وحمال لأعباءإذا عنت, وأثقال
أريد تفضلا منكمحزيمات من أنقال
من التين الذي هو, ياعمادي, زين أحقال
وما شيء بأحسن منهـ في حانوت بقال
ألا فاسأل, ولا تسألفديتك غير عقال
فيا طربي أن أكلهوأشبعن ثم يبقى لي
ويا حرصي لأحرزهويا جريي وإرقالي
وهذي حاجة, خيرلدي من ألف مثقال

فأرسل إليه خبرا أنه لم يجدها. فكتب أبو الحجاج رحمة الله عليهما إليه بهذه:

خليلي هبك لم تقضبإرسال النقيلات
ولم يسمح بها قدرفأين جواب أبياتي
أليس جوابها فرضالدى أهل المروآت
ويعلم سيدي فرحيبشعركم إذا ياتي

وكان الفقيه أبو الحجاج قد اشترى كرما فغاب عن أبي محمد عبد الوهاب, فكتب إليه:

أصلحك الله مذ بدا الكرمأعرضت عنا وما لنا جرم
بنت العناقيد وحدها حرمتما لأب فيما علمته حرم

فكتب إليه أبو الحجاج:

والله ما كان ذاك من خلقيوإن تشاحل فهذه جرم
كم كلفتني سويقة فأتىمنه الحلال الكثير لا الحرم

وله ﵀ يتزهد:

لا بد للإنسان من رقدةفي القبر يوما مرغما أنفه
ليس له أنس به غير ماتنشره من عمل صحفه
وكان ذا إلف ولم يغنهأول من أسلمه إلفه
يا أيها الزارع, كل امرئيحصد ما تزرعه كفه
فإن يكن خيرا ينل غبطةوإن يكن شرا يطل لهفه
طوبى لمن تاب إلى ربهمن قبل أن يأتيه حتفه

وله وقد قدم للصلاة بالمسجد الجامع بمالقة:

قدموني لظنهم بي أنيفي خير كما يقولن عني
ولو استثبتوا وكشف حاليكان من ودني ينفر مني
وبحق فإنني عبد سوءكل سوء فإنه من لدني

يا إلهي يا عالما بذنوبي فاعف عني فإن ذلك ظني

وأقل عثرتي وحقق رجائيإنك الله ذو حنان ومن

ولما مشى إلى المشرق وصل إلى أبي الطاهر السلفي, فلم تتمكن له القراءة عليه لكثرة الواردين. فكتب إليه أبو الحجاج:

أيا من حل مني نور عينيويا من حاز كل نقا وزين
أنا مذ صرت عبدك زدت فخراوزان بملككم نقصي وشيني
أتيتكم لأقرأ أو لأرويقعدت لمنزلي صفر اليدين
قريح القلب لم أظفر بشيءكأني لم أكن أهلا لذين
يروح الناس عنك بكل خيروأرجع لابسا خفي حنين
وما ذنبي سوى أني غريبوقومي حيل بينهم وبيني

فلما دفعها له, ضحك لما قرأها, وقال له: اقرأ ما أحببت, وفي أي وقت شئت.

ومن شعره:

أقلل آمالا ولست بعارفأأبلغها أم يبلغ الموت قبلها
وللمرء نفس لا تزال لحرصهاتمنى وتهوي أن تبلغ سؤلها
وليست تبالي من سفاهة رأيهاأكان عليها ذلك الأمر أم لها

وكتب يوماً على أبي علي بن كسرى:

إذا سئلت من أسرىونال للمجد أسرا
فقل ولا تتوقفأبو علي بن كسر
فحازهن اقتداراكرها وقهرا وقسرا
بأمرها والذي عنهـ سد مذ سد شرا
والشعر أودعه الشعريين والنجم نسرا
تمكنا واقتداراوعز نفسا وجسرا
ودون ذلك بحروليس يحسر حسرا
فمن يرد منه شيئاًاحتاج مرسى وجسرا
سألته شرح بيتأرهقته فيه عسرا
فساق للحين والوقت فيه شرحا وفسرا
شيئا غريبا وقولاسهلا سدادا ويسرا
حاشاه من أن ترى فيما قال لحنا وكسرا
والأمر أعظم من ذاوالمرء أعلى وأسرى
يا بحر فهم وعلميا بدر قد حزت سرا
صيرت شعري تمراوكان من قبل يسرا
فبت آكل خبزيبه واشرب بسرا
شبعان أعمر بيتيومنه ألزم كسرا
لا أشتهي مع هذاطوقا شهيا ككسرى
يا رب سبب ليسرىيا رب جنب لعسرى
إياك نعبد لا نرتجيسواك عونا ويسرا
كما خلقت الورى ثممنه شددت أسرا
فلا ترى الكل مناأمراً, وإسرا وأسرا
وصل بعد على أحمد الذي لك أسرى

وكتب إليه أبو علي بن كسرى المذكور رحمة الله عليهما:

مرامكم لا ينالكعثرة لا تقال
للشاعر ابن كسرى، من قصيدة «مرامكم لا ينال»
وذاك شيء محالللسر منه مجال
للشاعر ابن كسرى، من قصيدة «مرامكم لا ينال»
نرى لك الدهر مالايسوغ منه نوال
للشاعر ابن كسرى، من قصيدة «مرامكم لا ينال»

وأدبه ﵀ وقدره مشهور. وقد وصفه الفقيه أبو الطاهر في كتابه فقال فيه: اشتغل بالطريقة أيام شبابه, وولج محل التودد من بابه, ثم إنه لازم الدين

وأصبح في زمانه علم المهتدين. فكم من بيت لله بناه, ورفع نحو السماء فناه. وكم من معطلة عمرها, وجنى بذلك الحسنات وثمرها, ومن عان بذل فيه وجهه وجداه, وبأبيه وأمه فداه.

وأما التواليف فالتقصير ... ترجمة أولى, وهي مع نظرائها في الرتبة كالعبد والمولى. لم يشتغل بالطريقة حتى طاف بالحرم, فوقف بتلك المقامات والحرم. وتوفي ﵀ يوم الثلاثاء بعد صلاة الظهر السادس من رمضان المعظم عام أربعة وستمائة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الياء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.