تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن جعفر جحظة

: هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي النديم. قال أبو عبد الله الحسن بن علي بن مقلة: سألت جحظة عمّن لقّبه بهذا اللقب فقال: ابن المعتز لقبني به، فإنه لقبني يوما فقال لي: ما حيوان إذا قلب صار آلة للبحرية؟ فقلت: علق إذا عكس صار قلعا، فقال: أحسنت يا جحظة، فلزمني هذا اللقب، وهو من في عينيه نتوء جدا؛ وكان قبيح المنظر وكان له لقب آخر يلقبه به المعتمد، وهو خنياكر، وما أدري أيّ شيء معناه.

كان حسن الأدب كثير الرواية للأخبار متصرفا في فنون من العلم كالنحو واللغة والنجوم، مليح الشعر مقبول الألفاظ حاضر النادرة، وكان طنبوريا حاذقا فيه فائقا، مات في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بجبّل ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين.

ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: ولجحظة من التصانيف: كتاب الطبيخ، لطيف. كتاب الطنبوريين. كتاب فضائل السكباج. كتاب الترنم. كتاب المشاهدات. كتاب ما شاهده من أمر المعتمد على الله. كتاب ما جمعه مما جرّبه المنجمون فصحّ من الأحكام. كتاب ديوان شعره.

قال: كان جحظة وسخا قذرا دنيء النفس في دينه قلّة، وهو القائل:

إذا ما ظمئت إلى ريقهجعلت المدامة منه بديلا
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «إذا ما ظمئت إلى ريقه»
وأين المدامة من ريقهولكن أعلّل قلبا عليلا
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «إذا ما ظمئت إلى ريقه»

ومن سائر شعره قوله:

لي صديق مغرى بقربي وشدويوله عند ذاك وجه صفيق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
قوله إن شدوت أحسنت زدنيوبأحسنت لا يباع الدقيق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

حدث الخطيب قال، قال جحظة: أنشدت عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قولي:

قد نادت الدنيا على نفسهالو كان في العالم من يسمع
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
كم واثق بالعمر أوثقتهوجامع بددت ما يجمع

فقال لي: ذنبك إلى الزمان الكمال.

ومن شعر جحظة:

أقول لها والصبح قد لاح ضوءهكما لاح ضوء البارق المتألق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
شبيهك قد وافى ولاح افتراقنافهل لك في صوت وكأس مروّق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فقالت شفائي في الذي قد ذكرتهوان كنت قد نغصته بالتفرّق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

قال جحظة: صك لي بعض الملوك بصلة، فدافعني الجهبذ به حتى ضجرت، فكتبت إليه:

إذا كانت صلاتكم رقاعاتخطّط بالأنامل والأكفّ
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولم تكن الرقاع تجرّ نفعافها خطّي خذوه بألف ألف
للشاعر البحتري، من قصيدة «إذا كانت صلاتكم رقاعا»

وأنشد جحظة لنفسه في أماليه:

طرقنا بزوغى حين أينع زهرهاوفيها لعمر الله للعين منظر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وكم من بهار يبهر العين حسنهومن جدول بالبارد العذب يزخر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ومن مستحثّ بالمدام كأنهوإن كان ذميا أمير مؤمّر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وفي كفّه اليمنى شراب مورّدوفي كفّه اليسرى بنان معصفر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
شقائق تندى بالندى فكأنهاخدود عليهنّ المدامع تقطر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وكم ساقط سكرا يلوك لسانهوكم قائل هجرا وما كان يهجر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وكم منشد بيتا وفيه بقيّةمن العقل إلا أنه متحير
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
«فكان مجنّي دون من كنت أتقيثلاث شخوص كاعبان ومعصر»
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»
وكم من حسان جسّ أوتار عودهفألهب نارا في الحشا تتسعر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
يغنّي وأسباب الصواب تمدّهبصوت جليل ذكره حين يذكر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
أحنّ حنين الواله الطّرب الذيثنى شجوه بعد الغداء التذكر
أجحظة إن تجزع على فقد معشرفقدت بهم من كان للكسر يجبر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وأصبحت في قوم كأنّ عظامهمإذا جئتهم في حاجة تتكسّر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فصبرا جميلا إن في الصبر مقنعاعلى ما جناه الدهر والله أكبر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه:

يا من بعدت من الكرى ببعادهالصبر مذ غيّبت عنّي غائب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
أصبحت أجحد أنني لك عاشقوالعين مخبرة بأني كاذب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه:

قد قلّل الإدمان أكلي فماأطعم زادا قيس إبهام
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فالحمد لله وشكرا لهقد صرت من بابة أقوام
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
قوم ترى أولادهم بينهمللجوع في حلية أيتام
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه:

أرى الأيام ترمز لي بخيرولكن بعد أيام طوال
فمن ذا ضامن لدوام عمريإلى دهر يغيّر سوء حالي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
هي التسعون قد عطفت قناتيونفّرت الغواني عن وصالي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وفيها لو عرفت الحق شغلعن الأمر الذي أضحى اشتغالي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
كأني بالنوادب قائلاتوجسمي فوق أعناق الرجال
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ألا سقيا لجسمك كيف يبلىوذكرك في المجالس غير بالي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه:

أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمتبين العباد مع الآجال أرزاق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لا ينفع البخل مع دنيا موليةولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه:

تعجبت إذ رأتني فوق مكسورمن الحمير عقير الظهر مضرور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
من بعد كلّ أمين الرّسغ معترضفي السير تحسبه إحدى التصاوير
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فقلت لا تعجبي منّي ومن زمنأنحى عليّ بتضييق وتقتير
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
بل فاعجبي من كلاب قد خدمتهمتسعين عاما بأشعاري وطنبوري
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولم يكن في تناهي حالهم بهمحرّ يعود على حالي بتغيير
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وقيل لجحظة: كيف حالك؟ فقال: كما قال الشاعر:

أيّ شيء رأيت أعجب من ذاإن تفكرت ساعة في الزمان
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
كلّ شيء من السرور بوزنوالبلايا تكال بالقفزان
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد جحظة لنفسه:

الحمد الله ليس لي كاتبولا على باب منزلي حاجب
ولا حمار إذا عزمت علىركوبه قيل جحظة راكب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولا قميص يكون لي بدلامخافة من قميصي الذاهب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وأجرة البيت فهي مقرحةأجفان عيني بالوابل الساكب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
إن زارني صاحب عزمت علىبيع كتاب لشبعة الصاحب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
أصبحت في معشر تشمتهمفرض من الله لازب واجب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فيهم صديق في عرسه عجبإذا تأملت أمرها عاجب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
تحسبها حرة وحافرهاأرقّ من شعر خالد الكاتب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد لنفسه:

أحمد الله لم أقل قطّ يا بدرويا منصفا ويا كافور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لا ولا قلت أين أين الشواهينووزّاننا وأين البدور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لا ولا قيل قد أتاك من الضيعة برّ موفّر وشعير
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وأتاك العطّار بالند لماقيل ما في الخزانتين بخور
أنا خلو من المماليك والأملاك جلد على البلاء صبور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ليس إلا كسيرة وقديحوخليق أتت عليه الدهور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

قال جحظة: ومررت بوقاد يوقد في التنور ويغني:

أنا أهواك بنور اللهفافعل ما بدا لك
إن تكن تمنعني شخصك فابذل لي خيالك
قد أخذت الدن والطنبور والكلب فمالك
قل لمن جنبك القمعوث من دسّك والك

وله أيضا:

ولي صاحب زرته للسلامفقابلني بالحجاب الصّراح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وقالوا تغيّب عن دارهلخوف غريم ملحّ وقاح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولو كان عن داره غائبالأدخلني أهله للنكاح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وقال يستزير بعض إخوانه:

لنا يا أخي زلّة وافرهوقدر معجّلة حاضره
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وراح تريك إذا صفّقتسنا البرق في الليلة الماطره
وما شئت من زهر يانعأطافت به الديمة الماطره
ومسمعة لم يخنها الصوابوزامرة أيما زامره
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وما شئت من خبر نادرونادرة بعدها نادره
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فايت ولو كنت يا ابن الكراموحاشاك من ذاك في الآخره

وأنشد لنفسه أيضا:

ما زارني في الحبس من نادمتهكأسين كاس مودة ومدام
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
بخلوا عليّ وقد طلبت سلامهمفكأنني طالبتهم بطعام
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه:

وذي جدة طلبت إليه برّامن الجلساء مذموم الخلائق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فأقسم أنه رجل فقيرأرانيه المهيمن وهو صادق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
كأني بالمنازل عن قليلخلون من المطرّزة النمارق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وقد ظفر النساء بما تركتمفصار لماهر بالنيك حاذق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه في أماليه:

وقائل قال لي من أنت قلت لهمقال ذي حكمة دانت له الحكم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لست الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
أنا الذي دينه إسعاف سائلهوالضرّ يعرفه والبؤس والعدم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
انا الذي حبّ أهل البيت أفقرهفالعدل مستعبر والجور مبتسم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وله أيضا:

ولى كبد لا يصلح الطبّ سقمهامن الوجد لا تنفكّ دامية حرّى
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فياليت شعري والظنون كثيرةأيشعر بي من بتّ أرعى له الشعرى

وله أيضا:

شكري لإحسانك شكر امرىءيستوهب الإحسان من واهبه
وكيف لا أشكر من لا أرىفي منزلي إلا الذي جاد به
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد جحظة لنفسه في أماليه:

حسبي ضجرت من الأدبورأيته سبب العطب
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «حسبي ضجرت من الأدب»
وهجرت إعراب الكلاموما حفظت من الخطب
ورهنت ديوان النقائض واسترحت من التعب
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «حسبي ضجرت من الأدب»

وله أيضا:

لا تعجبي يا هند منحالي فما فيها عجب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
إن الزمان بمن تقدّم في النباهة منقلب
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «حسبي ضجرت من الأدب»
فالجهل يضطهد الحجىوالراس يعلوه الذنب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

حدث غرس النعمة في كتاب الهفوات قال: كان جحظة لما أسنّ يفسو في مجالسه فيلقى من يعاشره منه جهدا، قال أبو الحسين ابن عياش: وكنت أحبّ غناءه والكتابة عنه لما عنده من الآداب، وكان يستطيب عشرتي، وكنت إذا جلست عنده أخذت عليه الريح، [وجلست فوقها]، فجئته يوما في مجلس الأدب والناس عنده وهو يملي، فلما خفّوا قال لي ولآخر كان معي، اجلسا عندي حتى أقعدكما على

لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما من معتقة اليهود، وأبخّركما بعنبر وعود، أطيب من الندود، وأغنيكما غناء المسدود. فقلت: هذا موضع السجود. وجلسنا وصديقي لا يعرف خلّته في الفساء، وأنا قد أخذت الريح، فوفى لنا بجميع ما ذكره، وقال لنا وقد غنى وشربنا: نحن بالغداة علماء وبالعشي في صورة المخنكرين. فلما أخذ النبيذ منه أخذ يفسو وصديقي يغمزني ويتعجب، فأقول له: إن ذلك عادته وخلّته، وأن سبيله أن يحتمل إلى أن غنّى صوتا من الشعر والصنعة له فيه وكان يجيده:

إن بالحيرة قسا قد مجنفتن الرهبان فيها وافتتن
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ترك الإنجيل حينا للصباورأى الدنيا مجونا فركن
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

قال: فطرب عليه صديقي طربا شديدا واستحسنه كثيرا وأراد أن يقول له:

أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال له ما في نفسه يتردد من أمر الفساء: افس عليّ يا أبا الحسن كيف شئت، فخجل جحظة وخجل الفتى وانصرفنا.

وحدث الخطيب عن أبي الفرج الاصبهاني قال: حدثني جحظة قال:

اتصلت عليّ إضافة أنفقت فيها كلّ ما أملكه حتى بقيت ليس في داري سوى البواري فأصبحت يوما وأنا أفلس من طنبور بلا وتر- كما يقال في المثل- ففكرت كيف أعمل فوقع لي أن أكتب إلى محبرة بن أبي عباد الكاتب، وكنت أجاوره، وكان قد ترك التصرّف قبل ذلك بسنتين وحالفه النقرس فأزمنه حتى صار لا يتمكن من التصرف إلا محمولا على الأيدي أو في محفة، وكان مع ذلك على غاية الظّرف وكبر النفس وعظم

النعمة ومواصلة الشرب والقصف، فأردت أن أتطايب عليه ليدعوني فآخذ منه ما أنفقه مدة، فكتبت إليه:

ماذا ترى في جديّوفي غضار بوارد
وقهوة ذات لونيحكي خدود الخرائد
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ومسمع يتغنّىمن آل يحيى بن خالد
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
إن المضيع لهذانزر المروءة بارد
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

فما شعرت إلا بمحفة محبرة يحملها غلمانه إلى داري، وأنا جالس على بابي، فقلت له: لم جئت؟ ومن دعاك؟ فقال: أنت، فقلت: إنما قلت لك ماذا ترى في هذا، وعنيت في بيتك، وما قلت لك إنه في بيتي، وبيتي والله أفرغ من فؤاد أمّ موسى، فقال: الآن قد جئت ولا أرجع، ولكن أدخل إليك وأستدعي من داري ما أريد، قلت: ذاك إليك، فدخل فلم ير في بيتي إلا بارية، فقال يا ابا الحسن هذا والله فقر نصيح، هذا ضرّ مدقع، ما هذا؟ قلت: هو والله ما ترى، فأنفذ إلى داره فاستدعى فرشا وآلة وقماشا وغلمانا، وجاء فراشوه ففرشوا ذلك، وجاءوا من الصفر والشمع وغير ذلك بما يحتاج إليه، وجاء طباخه بما كان في مطبخه، وهو شيء كثير بآلات ذلك، وجاء شرابيّه بالأواني والمخروط والفاكهة وآلة التبخير والبخور وألوان الأنبذة، وجلس يومه ذلك وليلته عندي يشرب على غنائي وغناء مغنية أحضرتها كنت ألفتها، فلما كان من الغد سلّم إلى غلامه كيسا فيه ألف درهم ورزمة ثياب صحاح ومقطوعة من فاخر الثياب، واستدعى محفته فجلس فيها وشيعته، فلما بلغ آخر الصحن قال: مكانك يا أبا الحسن، احفظ بابك فكلّ ما في دارك لك، فلا تدع أحدا يحمل منه شيئا، وقال للغلمان: اخرجوا، فخرجوا بين يديه، وأغلقت الباب على قماش بألوف كثيرة.

وأنشد السلامي لجحظة في سعد الحاجب:

يا سعد إنك قد خدمت ثلاثةكلّ عليه منك وسم لائح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وأراك تخدم رابعا لتميتهرفقا به فالشيخ شيخ صالح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
يا خادم الوزراء انك عندهمسعد ولكن أنت سعد الذابح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وحدث جحظة قال: دخلت وأنا في بقايا علة على كاتب (قال ابن بشران:

على هارون بن غريب الخال) فقدم إلينا مضيرة عصبان فأمعنت فيها، فقال: جعلت فداك أنت عليل، وبدنك نحيل، والعصب ثقيل، واللبن يستحيل، فقلت له:

والعظيم الجليل، المفضل المنيل، لا تركت منها كثير ولا قليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فغضب عليّ فضربني عشرين مقرعة فقلت:

ولي صاحب لا قدّس الله روحهوكان من الخيرات غير قريب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
أكلت عصيدا عنده في مضيرةفيا لك من يوم عليّ عصيب

قال: ودخلت إليه يوما آخر فقدم إليّ لوزينجا لها أيام وقد حمضت، فأخذت أمعن في أكلها، فقال لي: إن اللوزينج إذا كان بالجوز أسخن، وإذا كان باللوز ألحم، فقلت: نعم يا سيدي إذا كان لوزينجا وأما إذا كانت مصوصا فلا.

وحدث عبد الله بن المعتز قال: عربد ابن أبي العلاء على جحظة بحضرتي فأمرت بتنحية جحظة إلى أن رضي أحمد، فكتب إليّ جحظة:

أليس من العجائب أن مثلييقام لأحمد بن أبي العلاء
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولي نفس أبت الا ارتفاعافأضحت كالسماء على السماء
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لقد غضب الزمان على أناسفأبلاهم بأولاد الزناء
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

في «تاريخ دمشق» قال جحظة سلمت على بعض الرؤساء وكان مبخلا، فلما أردت الانصراف قال لي: يا أبا الحسن أيش تقول في قطائف بائتة؟ ولم يكن له بذلك عادة، فقلت: ما آبى ذلك، فأحضر لي جاما فيه قطائف قد خمّت، فأوجعت فيها وصادفت مني مسغبة، وهو ينظر إليّ شزرا، فقال لي: يا أبا الحسن إن القطائف إذا كانت بجوز أتخمتك، وإذا كانت بلوز أبشمتك، قال فقلت: هذا إذا كانت قطائف،

فأما إذا كانت مصوصا فلا، وعملت لوقتي هذه الأبيات:

دعاني صديق لي لأكل القطائففأمعنت فيها آمنا غير خائف
فقال: وقد أوجعت بالأكل قلبهرويدك مهلا فهي إحدى المتالف
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فقلت له: ما إن سمعنا بهالكينادى عليه يا قتيل القطائف
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

قال عبد الله بن المعتز: كتب إليّ جحظة في يوم مطير: انصرفت من عندك جعلني الله فداك وقد كنّا عقدنا موعدا للقاء، ثم منعني من المصير إليك ما نحن فيه من انقطاع شريان الغمام، فتفضّل ببسط العذر لعبدك إن شاء الله.

ومن شعر جحظة:

وليل في جوانبه حرانفليس لطول مدته انقضاء
عدمت مطالع الإصباح فيهكأنّ الصبح جود أو وفاء

وله أيضا:

رحلتم فكم من أنة بعد زفرةمبيّنة للناس شوقي إليكم
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة
وقد كنت أعتقت الجفون من البكافقد ردّها في الرقّ حزني عليكم
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

وحدث أبو الفرج الأصبهاني قال: دعاني أبو محمد ابن الشار يوما ودعا جحظة، وأطال حبس الطعام جدا، وجاع جحظة فأخذ دواة وبياضا وكتب:

مالي وللشار وأولادهلا قدّس الوالد والوالده
قد حفظوا القرآن واستعملواما فيه إلا سورة المائده
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

ورمى بها إليّ فقرأتها ودفعتها إلى ابن الشار، فقرأها ووثب مسرعا فقدم المائدة، فقاطعه جحظة فكان يجهد جهده أن يجيئه فلا يفعل، فإذا عاتبناه قال: لا والله حتى يحفظ تلك السورة.

وله أيضا:

يطول عليّ الليل حتى أملّهفأجلس والنوام في غفلة عني
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فلا أنا بالراضي من الدهر فعلهولا الدهر يرضى بالذي ناله مني
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

قال أبو علي حدثني أبو القاسم الحسين بن علي البغدادي، وكان أبوه ينادم ابن الحواري ثم نادم البريديين بالبصرة وأقام بها سنين، قال: كان جحظة سخيف الدين، وكان لا يصوم شهر رمضان، وكان يأكل سرا، فكان عند أبي يوما في شهر رمضان مسلما فاحتبسه، فلما كان نصف النهار سرق من الدار رغيفا ودخل المستراح وجلس على المقعدة، واتفق أن دخل أبي فرآه فاستعظم ذلك وقال: ما هذا يا أبا الحسن؟ فقال: أفتّ لبنات وردان ما يأكلون فقد رحمتهم من عذاب الجوع.

ومن شعر جحظة.

إن كنت ترغب في الزيارة عند أوقات الزياره
فدع الشتيمة للغلام إذا دنوت من الغضاره
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

ومن مطبوع شعر جحظة:

وإذا جفاني صاحبلم أستجز ما عشت قطعه
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وتركته مثل القبور أزورها في كلّ جمعه
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وحدث جحظة في أماليه: دخلت إليّ عريب المأمونية مع شروين المغني وأبي العنبس المغني وأنا يومئذ غلام عليّ قباء ومنطقة وأنكرتني وسألت عني فأخبرها شروين وقال لها: هذا فتى من أهلك. هذا ابن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي، وهو يغني بالطنبور، فأدنتني وقربت مجلسي ودعت بطنبور وأمرتني أن أغني، فغنيت أصواتا فقالت: أحسنت يا بنيّ ولتكوننّ مغنيا، ولكن إذا حضرت بين هذين الأسدين ضعت أنت وطنبورك- تعني بين عوديهما- وأمرت لي بمائة دينار.

وأنشد لنفسه في أماليه:

دعيني من العذل أين الكبيربحرمة معبودك الأكبر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فلست بباك على ظاعنولا طلل محول مقفر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولكن بكائي على ماجدأراد نوالا فلم يقدر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد فيه لنفسه:

مرضت فلم يعدني في شكاتيمن الإخوان ذو كرم وخير
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فإن مرضوا وللأيام حكمسينفذ في الكبير وفي الصغير
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
غدوت على المدامة والملاهيوإن ماتوا خريت على القبور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد فيه لنفسه:

يا راقدا ونسيم الورد منتبهفي رقّة القفص والأطيار تنتحب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
الورد ضيف فلا تجهل كرامتهوهاتها قهوة في الكاس تلتهب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
سقيا له زائرا تحيا النفوس بهيجود بالوصل حينا ثم يجتنب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
تبا لحرّ رآه وهو ذو جدةلم يقض من حقّه بالشرب ما يجب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وقال جحظة:

ناديت عمرا وقد مالت بجانبهمدامة أخذت بالرأس والقدم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
قد لاح في الدير نار الراهبين وقدناداك بالصبح ناقوساهما فقم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فقام يعثر في أثواب نعستهلبزل صافية كالنجم في الظلم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فاستلّها وشدا والكأس في يده«سلّم على الربع من سلمى بذي سلم»
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لو دام لي في الورى خلّ وعاتقةلما حفلت بذي قربى ولا رحم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولا بكرت إلى جلف لنائلهولا التفتّ إلى شيء من النعم

حدث أبو علي المحسن بن علي بن محمد قال: كان الحسن بن مخلد أكرم الناس في بذل المال وأبخلهم بطعامه، فكان يحضر ندماؤه على مائدته فلا يستجرىء

أحد منهم أن يشعّث شيئا البتة، وينزهون أنفسهم عند رفع المائدة بمسح أيديهم بلحاهم، وله في ذلك قصص عجيبة؛ قال جحظة: ربحت بأكلة أقريتها مع الحسن بن مخلد خمسمائة دينار وخمسمائة درهم وخمسة أثواب فاخرة وعتيدة طيب سريّة، فقيل له: كيف كان ذلك؟ فقال: كان الحسن بن مخلد بخيلا على الطعام سمحا بالمال، وكان يأخذ ندماءه بغتة فيسقيهم النبيذ ويواكلهم، فمن أكل قتله قتلا، ومن شرب معه على الخسف حظي عنده، قال: فكنت عنده يوما فقال لي: يا أبا الحسن قد عملت غدا على الصبوح الجاشريّ فبت عندي، فقلت: لا يمكنني ولكني أباكرك قبل الوقت، فعلى أيّ شيء عملت أن تصطبح؟ فقال: قد أعدّ لنا كذا وكذا، ووصف ما تقدم به إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي على أن أباكره، وقمت وجئت إلى منزلي ودعوت طباخي فتقدمت إليه بأن يصلح لي مثل ذلك بعينه ويفرغ منه وقت العتمة، ففعل، ونمت وقمت وقد مضى نصف الليل، فأكلت ما أصلح، وغسلت يدي، وأسرج [لي] وأنا عامل على المضيّ إليه إذا طرقتني رسله، فجئته فقال:

بحياتي أكلت؟ قلت: أعيذك بالله، انصرفت من عندك قبل الغروب، وهذا نصف الليل، فأيّ وقت أصلح لي شيء؟ أو أي وقت أكلت شيئا؟ اسأل غلمانك على أيّ حال وجدوني، فقالوا: وجدناه يا سيدنا وقد لبس ثيابه، هو ينتظر أن يفرغ له من إسراج بغلته ليركبها، فسرّ بذلك سرورا شديدا وقدّم الطعام فما كان فيّ فضل أشمه، فأمسكت عن تشعيثه ضرورة وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحلّ دمي، قال: وكذا كانت عادته، فأقول هو ذا آكل يا سيدي، وفي الدنيا أحد يأكل أكثر من هذا؟! وانقضى الأكل وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بأرطال وهو يفرح، وعنده أني أشرب على الريق أو على ذلك الأكل الذي خلست معه، ثم أمرني بالغناء فغنيت، فاستطاب ذلك وطرب وشرب أرطالا، فلما رأيت النبيذ قد عمل فيه قلت: يا سيدي تطرب أنت على غنائي فأنا على أي شيء أطرب؟ فقال: يا غلام هات دواة، فأحضرت فكتب لي رقعة ورمى بها إليّ وإذا هي على صيرفيّ يعامله بخمسمائة دينار، فأخذتها وشكرته، ثم غنيته وطرب وزاد سكره، فطلبت منه ثيابا فخلع عليّ خمسة

أثواب، ثم أمر أن يبخّر كلّ من بين يديه، فأحضرت عتيدة حسنة سريّة فيها طيب كثير، فأخذ الغلمان يبخّرون منها الناس، فلما انتهوا إليّ قلت: يا سيدي وأنا أرضى أن أتبخر حسب؟ فقال لي: ما تريد؟ قلت: أريد نصيبي من العتيدة، قال: قد وهبتها لك، فأخذتها، وشرب بعد ذلك رطلا واتكأ على مسورته، وكذا كانت عادته إذا سكر، فقام الناس من مجلسه وقمت وقد طلع الفجر وأضاء، وهو وقت يبكر الناس في حوائجهم، فخرجت كأني لصّ قد خرج من بيت قوم على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة، فصرت إلى منزلي ونمت نومة ثم ركبت إلى درب عون أريد الصيرفي، فأوصلت إليه الرقعة، فقال: يا سيدي أنت الرجل المسمّى في التوقيع؟ قلت:

نعم، قال: أنت تعلم أن أمثالنا يعاملون للفائدة، قلت: أجل، قال: ورسمنا أن نعطى في مثل هذا ما يكسر في كلّ دينار، درهما، فقلت له: لست أضايقك في هذا القدر، فقال: ما قلت هذا لأربح عليك الكثير، أيما أحبّ إليك أن تأخذ كما يأخذ الناس وهو ما قد عرّفتك، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي ثم تركب معي إلى داري فتقيم عندي اليوم والليلة تشرب، فقد والله سمعت بك وكنت أتمنى أن أسمعك، ووقعت الآن لي رخيصا، فإذا فعلت هذا دفعت إليك الدنانير من غير خسران، فقلت: أقيم عندك، فجعل الرقعة في كمه وأقبل على شغله، فلما دنت الظهر جاء غلامه ببغلة فارهة فركب وركبت معه، وصرنا إلى دار سريّة حسنة بفاخر الفرش والآلات ليس فيها إلا جوار روم للخدمة من غير فحل، فتركني في مجلسه ودخل ثم خرج بثياب أولاد الخلفاء من حمام داره وتبخر وبخرني بيده بندّ عتيق جيد، وأكلنا أسرى الطعام وأنظفه، وقمنا إلى مجلس سريّ للشرب فيه فواكه وآلات بمال، وشربنا ليلتنا، فكانت ليلتي عنده أطيب من أختها عند الحسن بن مخلد، فلما أصبحنا أخرج كيسين في أحدهما دنانير وفي الآخر دراهم، فوزن خمسمائة دينار وخمسمائة درهم وقال: يا سيدي تلك ما أمرت به وهذه الدراهم هدية مني إليك، فأخذتها وانصرفت، وصار الصيرفي صديقي وداره لي.

وقال وحدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي قال حدثني أبو علي

ابن الأعرابي الشاعر قال: كنت في دعوة جحظة، فأكلت وجلسنا نشرب وهو يغني، إذ دخل رجل فقدّم إليه جحظة زلّة كان زلّها من طعامه ونحن نأكل، وكان بخيلا على الطعام، قال: وكأنّ الرجل كان طاويا، طاوي سبع، فأتى على الزلّة، ورفع الطيفورية فارغة وجحظة يرمقه بغيظ، ونحن نلمح جحظة ونضحك، فلما فرغ قال له جحظة: تلعب معي بالنرد؟ قال: نعم فوضعاه بينهما ولعبا، فتوالى اللعب على جحظة من الرجل بأن تجيء الفصوص على ما يريد من الأعداد، ويكره جحظة، فأخرج جحظة رأسه من قبّة الخيش رافعا له إلى السماء، وقال كأنه يخاطب الله جلّ وعزّ: لعمري إني أستحقّ هذا لأني أشبع من أجعته.

قلت: ما. شد تباعد ما بين هذين الخبرين وخبر رواه التنوخي أيضا عن أبي العباس ابن المنجم قال: سمعت أبا عبد الله الموسوي العلوي يقول: قصدني أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد في أيام تدبيره الأمر قصدا قبيحا، وعمل لي كتّابه مؤامرة في خراجاتي بمائة ألف درهم، أكثرها واجب [عليّ] وباقيها كالواجب، وأحضرني للمناظرة عليها واعتقلني في داره، فضقت ذرعا بما نزل بي، وعلمت أن المال سيلزمني إذا نوظرت، وأنه يؤثر في حالي ويهتك جاهي، فلم أدر ما أصنع، فشاورت بعض من يختصّ به فقال: طمعه فيك والله قويّ وما ينفعك معه شيء غير المال، فقلت له: ففكّر في حيلة أو مخادعة، ففكر ثم قال: لا أعرف لك دواء إلا شيئا واحدا إن سمحت به نفسك وتركت العلوية عنك وفعلته نجوت، قلت:

ما هو؟ قال: هو رجل سمح على الطعام محبّ لآكله على مائدته موجب لحرمته،

وأرى لك إذا وضع طعامه أن تخرج إليه فإنك معه في الدار، ولا يمنعك الموكلون من ذلك، فتجيء بغير إذن فتجلس على المائدة وتأكل وتنبسط، وتخاطبه في أمرك عقيب الأكل، وتسأله وترفق به وتخضع له، فإنه يسامحك بأكثرها ويقرب ما بينك وبينه، فشقّ ذلك عليّ، ثم نظرت فإذا وزن المال أشقّ منه، وكان أبو جعفر لا يأكل إلا بعد المغرب في كلّ يوم أكلة، فلم آكل ذلك اليوم شيئا، وراعيت مائدته، فلما وضعت قمت فقال الموكلون: إلى أين؟ قلت: الى مائدة الوزير، فما قدروا أن يمنعوني، فلما رأى أبو جعفر أكبر ذلك وتهلّل وجهه وقال: إلى عندي يا سيدي، وأجلسني إلى جنبه، فأقبلت آكل وأنبسط في الأكل والحديث إلى أن رفعت المائدة واستدعاني إلى موضعه، فغسلت يدي بحضرته، فلما فرغت أردت أن أبتدئه بالخطاب، فقال لي: قد آذيتك يا سيدي يا أبا عبد الله بتأخرك عن منزلك، فامض إلى بيتك وما أخاطبك بشيء مما في نفسي ولا مما أردت مخاطبتك به، ولا مطالبة عليك من جهتي بعدما تفضلت به، فشكرته وقلت: إن رأى سيدنا أيده الله أن يتمم معروفه بتسليم المؤامرة إليّ فعل، فقال: هاتموها، فما برحت إلا وهي في خفي، وانصرفت إلى منزلي وقد سقط المال عني، ولزمته للسلام، وصرت أتعمّد مواكلته والتخصص به، فسلمت طول أيامه وسلم جاهي ومالي عليّ إلى أن مضى لسبيله.

قلت: هذا حسن من فعله مع عسف كان فيه بالرعية في جباية المال لم يسبق إليها، ولا تبعه بعده أحد في مثلها، فكانت له أفعال منكرة منها أنه استدعى العيارين وضمّنهم ما يسرقونه من أموال الناس.

وكتب جحظة إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله المسمعي، وكان قائدا جليلا تقلد البصرة وفارس:

إليك أبا اسحاق مني رسالةتزين الفتى إن كان يعشق زينه
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لقد كنت غضبانا على الدهر زارياعليه فقد أصلحت بيني وبينه
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وكان أبو إسحاق هذا أديبا شاعرا، ومن شعره:

ألاطف من أجله أهلهوكلّ إليّ حبيب قريب
وأسأل عن غيره قبلهلأبطل ظنّ الذي يستريب

وأنشد جحظة لنفسه في أماليه:

قد نلتم صحة ما نالها بشروحزتم نعمة ما نالها ملك
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فليت شعري أمقدار تعمّدكمبما أتاكم به أم وسوس الفلك
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد جحظة في أماليه:

يا من دعاني وفرّ منيأخلفت والله حسن ظني
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
قد كنت أرضى بخبز رزّومالح أو قليل بن
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وسكرة من نبيذ دبسأقام يوما بقعر دن
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فكيف يغلو بما ذكرنامساعد شاعر مغنّي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وحدث جحظة في أماليه قال: كنت أشرب عند بعض إخواني بباب حرب في ناعورة ثابت الرصاصي في يوم قطر، ومعنا شيخ خضيب حسن البزة متصدر، فتجارينا ذكر المطر وما جاء فيه من الخبر، فقال الشيخ: حدثوا يا سيدي عن النبي ﷺ وعلى صاحبيه بابكر وبا حفص وعلى النبيين السريين منكر ونكير وعلى عمرو بن العاص قاتل الكفار يوم غدير خم وصاحب راية النبي يوم القطائف (يريد يوم الطائف) ان النبي ﷺ قال: «ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومحّا ملك يتّبحّا حتى يضحّا في موضحّا ثم يصعد ويدحّا»، فقلت له: يا شيخ فالقطر يقع في الكنيف والملك ينزل معه؟ قال:

نعم يا سيدي فيهم ما في الناس من الدناءة والخسة.

وأنشد جحظة لنفسه في أماليه:

قالت غلالته القصبلما تثنّى واضطرب
أترى جنيت جنايةحتى صلبت على الخشب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

قال جحظة في أماليه: استهديت من بعض إخواني دواة فأخّرها عني، ثم

اجتمعنا في مجلس أبي العباس ثعلب فقلت لأبي العباس: ما أراد الشاعر بقوله:

أحاجيك ما قبر عديم ترابهبه معشر موتى وإن لم يكفّنوا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
سلوت عن التبيان مدة قبرهمفإن نبشوا يوما من الدهر بينوا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

فسكت ساعة ثم قال: الدواة، فلما انصرفت إلى منزلي إذا الدواة قد سبقتني إليه.

قال جحظة: دعوت فضيلا الأعرج، وكان عندنا جماعة، فكتب إلينا:

أنا في منزلي وقد رزق اللهنديما ومسمعا وعقارا
للشاعر فضيل الأعرج، اقرأ القصيدة
فاعذروني بأن تخلفت عنكم«شغل الحلي أهله أن يعارا»
للشاعر فضيل الأعرج، اقرأ القصيدة

ومثله لغيره:

حيّ طيفا من الأحبة زارابعد أن نوّم الكرى السّمارا
داعيا في الوصال تحت دجىالليل عيونا عن الوصال سهارى
قلت ما بالنا جفينا وكنّاقبل ذاك الأسماع والأبصارا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «حي طيفا من الأحبة زارا»
قال إنا كما عهدت ولكن«شغل الحلي أهله أن يعارا»
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «حي طيفا من الأحبة زارا»

قال جحظة: وسألت الحسن بن مخلد حاجة فقال: إذا كان بعد ثلاث عرّفتك، فقلت: يا سيدي تعدني أن تعدني.

قال جحظة في أماليه: كنت جالسا عند صديق لي، فجاءه رقعة من منزله فلما نظر فيها ضرط، فحادثته ساعة واغتفلته وأخذتها وإذا فيها: قد فني الدقيق وغدا الخبزة.

وأنشد لنفسه في أماليه يقول:

يقول لي مالكي والدمع منحدرلا خفّف الله ربّ العرش بلواكا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وإن دعوت عليه عند معتبةيقول قلبي له في السرّ حاشاكا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وأنشد أيضا لنفسه في أماليه:

ما أنصفتني يد الزمان ولاأدركني غير حرفة الأدب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لا حفظ الله حيثما سلكتأمي وأير الحمار في است أبي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ما تركا درهما أصون بهوجهي يوما عن ذلّة الطلب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.