من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم مولى هشام
بن
عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان: كنيته أبو عمر، ذكره الحميدي وقال: إنه مات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ومولده سنة ست وأربعين ومائتين عن إحدى وثمانين سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام، وهو من أهل بلاد الأندلس.
قال الحميدي: وأبو عمر من أهل العلم والأدب والشعر وهو صاحب «كتاب العقد» في الأخبار، مقسم على عدة فنون، وسمّى كلّ باب منه على نظم العقد كالواسطة والزبرجدة والياقوتة والزمردة وما أشبه ذلك. وبلغني أنّ الصاحب ابن عباد سمع بكتاب «العقد» فحرص حتى حصل عنده، فلما تأمله قال: هذه بضاعتنا ردّت إلينا، ظننت أن هذا الكتاب يشتمل على شيء من أخبار بلادهم، وإنما هو مشتمل على أخبار بلادنا، لا حاجة لنا فيه فردّه.
قال الحميدي: وشعره كثير مجموع، رأيت منه نيفا وعشرين جزءا من جملة ما جمع للحكم بن عبد الرحمن الملقب بالناصر الأموي سلطان المغرب، وبعضها بخطه.
قال: وكانت لأبي عمر بالعلم جلالة وبالأدب رياسة وشهرة، مع ديانته وصيانته، واتفقت له أيام ولايات للعلم فيها نفاق، فتسوّد بعد الخمول وأثرى بعد فقر، وأشير بالتفضيل إليه، إلا أنه غلب عليه الشعر.
ومن شعره وكان بعض من يألفه قد أزمع على الرحيل في غداة عيّنها، فأتت السماء في تلك الغداة بمطر جود منعته من الرحيل، فكتب إليه أبو عمر ابن عبد ربه:
هلا ابتكرت لبين أنت مبتكرهيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهفاحتى رثى لي فيك الريح والمطر
يا برده من حيا مزن على كبدنيرانها بغليل الشوق تستعر
آليت ألّا أرى شمسا ولا قمراحتى أراك فأنت الشمس والقمر
ومن شعره السائر:
الجسم في بلد والروح في بلديا وحشة الروح بل يا غربة الجسد
إن تبك عيناك لي يا من كلفت بهمن رحمة فهما سهماك في كبدي
قال: ووقف ابن عبد ربه تحت روشن لبعض الرؤساء فرشّ بماء وكان فيه غناء حسن ولم يعرف فقال:
[يا من يضنّ بصوت الطائر الغردما كنت أحسب هذا البخل في أحد]
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبةأصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد
فلا تضنّ على سمعي تقلدهصوتا يجول مجال الروح في الجسد
لو كان زرياب حيا ثم أسمعهلذاب من حسد أو مات من كمد
أما النبيذ فإني لست أشربهولست آتيك إلا كسرتي بيدي
وزرياب عندهم يجري مجرى إسحاق بن إبراهيم الموصلي في صنعة الغناء ومعرفته، وله أصوات مدونة ألفت الكتب فيها وضربت به الأمثال.
قال: ولأبي عمر أيضا أشعار كثيرة سماها «الممحصات» وذلك أنه نقض كلّ قطعة قالها في الصبا والغزل بقطعة في المواعظ والزهد، وأرى أن من ذلك قوله:
إلا إنما الدنيا غضارة أيكةإذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائععليها ولا اللذات الا مصائب
وكم سخنت بالأمس عين قريرةوقرّت عيون دمعها الآن ساكب
فلا تكتحل عيناك منها بعبرةعلى ذاهب منها فإنك ذاهب
ومن شعره وهو آخر شعر قاله فيما قيل:
بليت وأبلتني الليالي بكرّهاوصرفان للأيام معتوران
وما بي لا أبكي لسبعين حجةوعشر أتت من بعدها سنتان
وقد أجاز لي رواية كتابه الموسوم ب «العقد» الحافظ ذو النسبين، بني دحية
والحسين، أبو الخطاب عمر بن الحسن المعروف بابن دحية المغربي السبتي، فإنه رواه عن شيخه أبي محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونه العبدي، عن شيخه أبي عبد الله محمد بن معمر، عن شيخه أبي بكر محمد بن هشام المصحفي، عن أبيه، عن زكريا بن بكير بن الأشجّ عن المصنف.
وقسم كتاب العقد على خمسة وعشرين كتابا، كل كتاب منها جزءان، فذلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا، كلّ كتاب باسم جوهرة من جواهر العقد، فأولها كتاب اللؤلؤة في السلطان، ثم كتاب الفريدة في الحروب، ثم كتاب الزبرجدة في الأجواد، ثم كتاب الجمانة في الوفود، ثم كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك، ثم كتاب الياقوتة في العلم والأدب، ثم كتاب الجوهرة في الأمثال، ثم كتاب الزمردة في المواعظ، ثم كتاب الدرّة في التعازي والمراثي، ثم كتاب اليتيمة في الأنساب، ثم كتاب العسجدة في كلام الأعراب، ثم كتاب المجنبة في الأجوبة، ثم كتاب الواسطة في الخطب، ثم كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور وأخبار الكتبة، ثم كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وأيامهم، ثم اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة، ثم الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم، ثم الزمردة الثانية في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، ثم الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلل القوافي، ثم الياقوتة الثانية في (علم) الألحان واختلاف الناس فيه، ثم المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن، ثم الجمانة الثانية في المتنبئين والممرورين والطفيليين، ثم الزبرجدة الثانية في التحف والهدايا والنتف والمفاكهات والملح، ثم الفريدة الثانية في الهيئات والبنايين والطعام والشراب، ثم اللؤلؤة الثانية في طبائع الانسان وسائر الحيوان وتفاضل البلدان. وهو آخر الكتاب.
ومن شعر ابن عبد ربه:
ودّعتني بزورة واعتناقثم نادت متى يكون التلاقي
وبدت لي فأشرق الصبح منهابين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقمبين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يومليتني متّ قبل يوم الفراق
ومن شعره أيضا:
يا ذا الذي خطّ الجمال بخدّهخطين هاجا لوعة وبلا بلا
ما صحّ عندي أن لحظك صارمحتى لبست بعارضيك حمائلا
قال: أخبرني بعض العلية أن الخطيب أبا الوليد ابن عسال حجّ فلما انصرف، تطلّع إلى لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لقيته فائدة يكتسبها، وجملة فخر لا يحتسبها، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص ففاوضه قليلا ثم قال:
ألا انشدني لمليح الاندلس- يعني ابن عبد ربه- فأنشده:
يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقاورشا بتقطيع القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهدرّا يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجههأبصرت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطّع خصره من رقةما بال قلبك لا يكون رقيقا
فلما أكمل إنشاده استعادها منه، ثم صفق بيديه وقال: يا ابن عبد ربه لقد يأتيك العراق حبوا.
ثم ان ابن عبد ربه أقلع في آخر عمره عن صبوته وأخلص لله في توبته، فاعتبر أشعاره التي قالها في الغزل واللهو، وعمل على أعاريضها وقوافيها في الزهد، وسماها «الممحصات» فمنها القطعة التي أولها:
هلا ابتكرت لبين انت مبتكر
محّصها بقوله:
يا قادرا ليس يعفو حين يقتدرماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر
عاين بقلبك إنّ العين غافلةعن الحقيقة واعلم أنها سقر
سوداء تزفر من غيظ إذا سعرتللظالمين فما تبقي ولا تذر
لو لم يكن لك غير الموت موعظةلكان فيه عن اللذات مزدجر
أنت المقول له ما قلت مبتدئا«هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر»
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع