تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، أبو الصلت

: من أهل الأندلس كان أديبا فاضلا حكيما منجما، مات في سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم بالمهدية من بلاد القيروان، وهو صاحب فصاحة بارعة وعلم بالنجوم والطب، وكان قد ورد إلى مصر في أيام المسمّى بالآمر من ملوك مصر، واتصل بوزيره ومدبّر دولته الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر، واشتمل عليه رجل من خواصّ الأفضل يعرف بمختار ويلقب بتاج المعالي، وكانت منزلته عند الأفضل عالية، ومكانته منه بالسعد حالية، فيحسنت حال أمية عنده، وقرب من قلبه وخدمه بصناعتي الطب والنجوم، وأنس تاج المعالي منه بالفضل الذي لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فوصفه بحضرة الأفضل وأثنى عليه، وذكر ما سمعه من أعيان أهل العلم وإجماعهم على تقدمه في الفضل وتميزه عن كتّاب وقته. وكان كاتب حضرة الأفضل يومئذ رجل قد حمى هذا الباب، ومنع من أن يمرّ بمجلسه ذكر أحد من أهل العلم بالأدب، إلا أنه لم يتمكن من معارضة قول تاج المعالي، فأغضى على قذى، وأضمر لأبي الصلت المكروه، وتتابعت من تاج المعالي سقطات أفضت إلى تغيّر الأفضل والقبض عليه والاعتقال، فوجد حينئذ السبيل إلى أبي الصلت بما اختلق له من المحال، فحبسه الأفضل في سجن المعونة بمصر مدة ثلاث سنين وشهر واحد على ما أخبرني به الثقة عنه، ثم أطلق فقصد المرتضى أبا طاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب القيروان، فحظي عنده وحسن حاله معه. وقد ذكر ذلك في رسالة له يذمّ فيها مصر ويصف

حاله، ويثني على ابن باديس، واستشهد فيها بهذه الأبيات في وصف ابن باديس:

فلم أستسغ إلا نداه ولم يكنليعدل عندي ذا الجناب جناب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فما كلّ إنعام يخفّ احتمالهوإن هملت منه عليّ سحاب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
ولكن أجلّ الصنع ما جلّ ربّهولم يأت باب دونه وحجاب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
«وما شئت إلا أن أدلّ عواذليعلى أن رأيي في هواك صواب»
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
«وأعلم قوما خالفوني وشرّقواوغرّبت أني قد ظفرت وخابوا»
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

ومن شعره أيضا:

لا غرو أن لحقت لهاك مدائحيفتدفقت نعماك ملء إنائها
يكسى القضيب ولم يحن إبّانهوتطوّق الورقاء قبل غنائها

ومنه يرثي:

قد كنت جارك والأيام ترهبنيولست أرهب غير الله من أحد
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فنافستني الليالي فيك ظالمةوما حسبت الليالي من ذوي الحسد
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

ولأبي الصلت من التصانيف: كتاب الأدوية المفردة. كتاب تقويم الذهن في المنطق. كتاب الرسالة المصرية. كتاب ديوان شعره كبير. كتاب رسالة عمل بالاسطرلاب. كتاب الديباجة في مفاخر صنهاجة. كتاب ديوان رسائل. كتاب الحديقة في مختار من أشعار المحدثين.

ومن شعر أمية منقولا من «كتاب سر السرور»:

حسبي فقد بعدت في الغيّ أشواطيوطال في اللهو إيغالي وإفراطي
أنفقت في اللهو عمري غير متّعظوجدت فيه بوفري غير محتاط
فكيف أخلص من بحر الذنوب وقدغرقت فيه على بعد من الشاطي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
يا ربّ ما لي لا أرجو رضاك بهإلا اعترافي بأني المذنب الخاطي

ومنه أيضا:

لله يومي ببركة الحبشوالصبح بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطربكقائم في يمين مرتعش
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
ونحن في روضة مفوّفةدبّج بالنور عطفها ووشي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
قد نسجتها يد الربيع لنافنحن من نسجها على فرش
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وأثقل الناس كلّهم رجلدعاه داعي الهوى فلم يطش
فعاطني الراح إنّ تاركهامن سورة الهمّ غير منتعش
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وسقّني بالكبار مترعةفهنّ أشفى لشدة العطش

قال محمد بن محمود: حدثني طلحة أن أبا الصلت اجتمع في بعض متنزهات مصر مع وجوه أفاضلها، ومعهم صبيّ صبيح الوجه عديم الشبه، قد نقّط نون صدغه على صفحة خدّه، فاستوصفوه إياه، فقال:

منفرد بالحسن والظّرفبحت لديه بالذي أخفي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
لهفي بشكر وهو من تيههفي غفلة عني وعن لهفي
قد عوقبت أجفانه بالضنالأنها أضنت ولم تشف
قد أزهر الورد على خدّهلكنه ممتنع القطف
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
كأنما الخال به نقطةقد قطرت من كحل الطّرف
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

قال: وحدثني أبو عبد الله الشامي، وكان قد درس عليه واقتبس ما لديه، أن الأفضل كان قد تغير عليه وحبسه بالاسكندرية في دار كتب الحكيم أرسطاطاليس،

قال: وكنت أختلف إليه إذ ذاك، فدخلت إليه يوما فصادفته مطرقا، فلم يرفع رأسه إليّ على العادة، فسألته فلم يردّ الجواب، ثم قال بعد ساعة: اكتب، وأنشدني:

قد كان لي سبب قد كنت أحسب أنأحظى به فإذا دائي من السبب
فما مقلّم أظفاري سوى قلميولا كتائب أعدائي سوى كتبي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

فكتبت، وسألته عن ذلك فقال: إن فلانا تلميذي قد طعن فيّ عند الأمير الأفضل، ثم رفع رأسه إلى السماء واغرورقت عيناه دمعا ودعا عليه، فلم يحل الحول حتى استجيب له.

وأنشدني الشيخ سليمان بن الفياض الاسكندراني، وكان ممن درس عليه واختلف إليه، في صفة فرس:

صفراء إلّا حجول مؤخرهافهي مدام ورسغها زبد
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
تعطيك مجهودها فراهتهافي الحضر والحضر عندها وتد
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وأنشدني له يهجو وما هو من صناعته:

صاف ومولاته وسيّدهحدود شكل القياس مجموعه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فالشيخ فوق الاثنين مرتفعوالستّ تحت الاثنين موضوعه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
والشيخ محمول ذي وحامل ذابحشمة في الجميع مصنوعه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
شكل قياس كانت نتيجتهقرينة في دمشق مطبوعه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وقرأت في «الرسالة المصرية» زيادة على البيتين المتقدم ذكرهما قبل:

وكم تمنيت أن ألقى بها أحدايسلي من الهمّ أو يعدي على النّوب
فما وجدت سوى قوم إذا صدقواكانت مواعيدهم كالآل في الكذب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.