من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن محمد الصغاني النحوي
ويقال صاغان من بلاد ما وراء النهر:
قدم العراق وحجّ ثم دخل اليمن ونفق له بها سوق، وكان وروده إلى عدن سنة عشر وستمائة. وله تصانيف في الأدب منها: تكملة العزيزي. وكتاب في التصريف.
ومناسك الحج ختمه بأبيات قالها وهي:
شوقي الى الكعبة الغرّاء قد زادافاستحمل القلص الوخّادة الزادا
أراقك الحنظل العاميّ منتجعاوغيرك انتجع السّعدان وارتادا
أتعبت سرحك حتى آض عن كثبنياقها رزّحا والصعب منقادا
فاقطع علائق ما ترجوه من نشبواستودع الله أموالا وأولادا
وكان يقرأ عليه بعدن «معالم السنن» للخطابي، وكان معجبا بهذا الكتاب وبكلام مصنفه ويقول: إن الخطابيّ جمع لهذا الكتاب جراميزه. وقال لأصحابه:
احفظوا غريب أبي عبيد القاسم بن سلام فمن حفظه ملك ألف دينار، فإني حفظته فملكتها، وأشرت على بعض أصحابي بحفظه فحفظه وملكها. وفي سنة ثلاث عشرة وستمائة كان بمكة وقد رجع من اليمن وهو آخر العهد به.
وكان الغالب عليه علم اللغة والأحاديث النبوية وصنف كتابا في اللغة سماه
«مجمع البحرين» جمع له فيه ما لم يجمع لأحد من أهل هذا العلم، وله من الفضائل ما شاع وذاع وما نرى ذكر له شيء في ذلك.
- الحسن بن المظفر النيسابوري، أبو علي: أديب نبيل شاعر مصنف، ذكره أبو أحمد محمود بن أرسلان في «تاريخ خوارزم» فقال: مات أبو علي الحسن بن المظفر الأديب الضرير النيسابوري ثم الخوارزمي في الرابع من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وأثنى عليه ثناء طويلا زعم فيه أنه كان مؤدب أهل خوارزم في عصره ومخرّجهم وشاعرهم ومقدمهم والمشار إليه منهم، وهو شيخ أبي القاسم الزمخشري قبل أبي مضر، وله نظم ونثر وتصانيف، وذكر أن له ولدا اسمه عمر وكنيته أبو حفص أديب فقيه فاضل، وله شعر منه:
سبحان من ليس في السماء ولافي الأرض ندّ له وأشباه
أحاط بالعالمين مقتدراأشهد أن لا إله إلا هو
وخاتم المرسلين سيدناأحمد ربّ السماء سماه
أشرقت الأرض بعد بعثتهوحصحص الحقّ من محياه
ومات أبو حفص هذا في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
ووجدت للحسن بن المظفر من التصانيف: كتاب تهذيب ديوان الأدب. وكتاب تهذيب إصلاح المنطق. وكتاب ذيله على تتمة اليتيمة لم أقف على اسمه. كتاب ديوان شعره مجلدتان. كتاب ديوان رسائله. كتاب محاسن من اسمه الحسن. كتاب زيادات أخبار خوارزم.
نقلت من الكتاب الذي وصل به «تتمة اليتيمة» وذكر فيه أشياء من شعره ورسائله ختم بها كتابه وهو أنه قال: الحسن بن المظفر النيسابوري مؤلف الكتاب نيسابوري المحتد خوارزمي المولد، وممن كان عارفا بنفسه غير مفتون بنظمه ونثره، فإنه سلك طريق أبي منصور الثعالبي ﵀ فيما أورده من شعره في آخر كتاب «تتمة اليتيمة»، فأورد نبذا مما يستحسن من كلامه ويستبدع من نظامه:
فمن نثره الساذج رقعة له: عرّف الله الشيخ الرئيس بركة شهر رمضان، ووفقه من طاعته لما يكتسب به العفو والغفران، ولولا العذر الواقع من الوحول، لقصدت مجلسه أعلاه الله بالتهنئة والتسليم، وقضاء حقه العظيم، هذا أدام الله تمكينه وعهدي به يعدّني من جملة عياله، ويخصّني كلّ وقت بأفضاله، فليت شعري لم عدل إلى الفطام عن ذلك الانعام؟ فإن كان نسيان فقد جاءه ذكري، وإن كان هجران فحاشاه من هجري.
وله من أخرى: الشيخ يسترقّ الأحرار بعوائد فضله وبواديه، حتى لا حرّ بواديه.
ومن نظمه:
أهلا بعيش كان جدّ مواتأحيا من اللذات كلّ موات
أيام سرب الأنس غير منفّروالشمل غير مروّع بشتات
عيش تحسّر ظلّه عنّا فماأبقى لنا شيئا سوى الحسرات
ولقد سقاني الدهر ماء حياتهوالآن يسقيني دم الحيّات
لهفي لأحرار منيت بفقدهمكانوا على غير الزمان ثقاتي
قد زالت البركات عنّي كلّهابزيال سيدنا أبي البركات
ركن العلا والمجد والكرم الذيقد فات في الحلبات أيّ فوات
فارقت طلعته المنيرة مكرهافبقيت كالمحصور في الظلمات
أضحي وأمسي صاعدا زفراتيلفراقه متحدرا عبراتي
وأنشد فيه لنفسه:
جبينك الشمس في الأضواء والقمريمينك البحر في الإرواء والمطر
وظلّك الحرم المحفوظ ساكنهوبابك الركن للقصّاد والحجر
وسيبك الرزق مضمون لكلّ فموسيفك الأجل الجاري به القدر
أنت الهمام بل البدر التمام بلالسيف الحسام الهذام الصارم الذكر
وأنت غيث الأنام المستغاث بهإذا أغارت على أبنائها الغير
وأنشد لنفسه:
أريّا شمال أم نسيم من الصّباأتانا طروقا أم خيال لزينبا
أم الطالع المسعود طالع أرضنافأطلع فيها للسعادة كوكبا
قال أبو علي الضرير: رأيت ابن هودار في المنام بعد موته فقلت له: لقد تحوّلت من دار إلى دار، فهل رأيت قرارا يا ابن هودار؟ قال: فأجابني
لا بل وجدت عذابا لا انقطاع لهمدى الليالي وربا غير غفّار
ومنزلا مظلما في قعر هاويةقرنت فيها بكفّار وفجار
فقل لأهلي موتوا مسلمين فماللكافرين لدى الباري سوى النار
- الحسن بن ميمون النصري: أحد بني نصر بن قعين بن طريف بن أسد بن خزيمة، روى عنه محمد بن النطاح، وكان أخباريا عارفا. ذكره محمد بن إسحاق وقال: له من الكتب كتاب الدولة. كتاب المآثر.
-
الحسن بن وهب بن سعيد بن عمرو بن حصين بن قيس بن قنان بن متى، أبو علي الكاتب السديد العالم: ولي الولايات الجليلة، وتقلد الأعمال النبيلة، وكان يكتب أولا لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير وولي ديوان الرسائل. وسليمان بن وهب الوزير هو أخوه. مات الحسن بن وهب في آخر أيام المتوكل بالشام وهو يتقلد البريد بنواحيها ومولده سنة ست وثمانين ومائة.
قال محمد بن إسحاق النديم: كتب قنان بن متى جد الحسن ليزيد بن أبي سفيان أخي معاوية لما ولي الشام من قبل عمر بن الخطاب، ثم كتب لأخيه معاوية بعده، ثم وصله معاوية بابنه يزيد وفي أيامه مات، فاستكتب يزيد ابنه قيس بن قنان ثم كتب قيس بعد يزيد لمروان بن الحكم، ثم لابنه عبد الملك، ثم لهشام بن عبد الملك، وفي أيامه مات، فاستكتب هشام ابنه الحصين بن قيس ثم استكتبه من بعده إلى أيام مروان، وخرج معه إلى مصر، فلما قتل مروان صار ابن هبيرة إلى المنصور وأخذ للحصين أمانا، فخدم المنصور والمهديّ، وتوفي مع المهدي في طريق الريّ، فاستكتب المهدي ابنه عمرا، ثم كتب لخالد بن برمك، ثم توفي وخلّف سعيدا، فما زال في خدمة آل برمك، وتحرك ابنه وهب فكتب بين يدي جعفر بن يحيى، ثم صار في جملة ذي الرياستين الفضل بن سهل، فكان ذو الرياستين يقول: عجبت لمن معه وهب كيف لا تهمه نفسه، فلما قتل الفضل استكتبه أخوه الحسن بن سهل بعده، وقلّده كرمان وفارس فأصلحها، ثم وجّه به إلى المأمون في رسالة من فم الصّلح، فغرق في طريقه بين بغداد وفم الصلح، وكتب ابنه
سليمان بن وهب للمأمون وهو ابن أربع عشرة سنة، ثم كتب لإيتاخ التركي، ثم لأشناس التركي، وكانا عظيمي القدر، ثم ولي وزارة المعتمد على الله.
وللحسن ولسليمان ابني وهب شعر مليح ورسائل بليغة مدونة؛ قال المرزباني:
بنو وهب أصلهم نصارى من خسرو سابور من أعمال واسط، تعلقوا بنسب في اليمن في بني الحارث بن كعب، وكان عبيد الله وابنه القاسم يدفعان ذلك. والحسن بن وهب هو القائل [في بنات جارية محمد بن حماد كاتب] راشد، وغنّت عليها:
سأكرم نفسي عنك حسب إهانتيلها فيك إن قرّت وكفّ نزاعها
هي النفس ما كلّفتها قطّ خطةمن [الأمر] إلا قلّ عنها امتناعها
صدقت لعمري أنت أكبر همّهافما جهدها إذ قلّ منك انتفاعها
وقال في رواية المرزباني أيضا:
أما الفراق فحين جدّ ترحلتمهج النفوس له عن الأجساد
من لم يبت والبين يصدع قلبهلم يدر كيف تفتّت الأكباد
قال بعضهم: مررت بقبر الحسن بن وهب بدمشق وعليه مكتوب:
مقيم بالمجازة من قنوناوأهلك بالأجيفر والثماد
ألا فاصبر فكلّ فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
قال الصولي: كان من أول أمر الحسن بن وهب اتصاله بمحمد بن عبد الملك الزيات في آخر أيام المأمون، وكان محمد يلي النفقات وغير ذلك، ثم علا أمره في أيام المعتصم فكان لا يبرح من داره إلى أن وزر ابن عمار للمعتصم، وكان محمد بن عبد الملك ينوب عنه، وأمّر محمد على الكتابة الحسن بن وهب.
ولما نكب الواثق سليمان بن وهب، كما هو مذكور في بابه، قال الحسن بن وهب:
خليليّ من عبد المدان تروّحاونصّا صدور العيس حسرى وطلّحا
فإن سليمان بن وهب بمنزلأصاب صميم القلب [مني فأقرحا]
أسائل عنه الحارسين بحسبهإذا ما أتوني [كيف أمسى وأصبحا]
وكتب إلى أخيه سليمان وهو بالحبس، ونكبه الواثق:
اصبر أبا أيوب صبرا يرتضىفإذا جزعت من الخطوب فمن لها
الله يفرج بعد ضيق كربهاولعلها أن تنجلي ولعلها
وقال وقد رآني فارغا من الهوى والشرب: نراك فارغا في هذا اليوم، فقال:
نعم، ولذلك لا أعده من عمري:
إذا كان يومي غير يوم مدامةولا يوم فتيان فما هو من عمري
وإن كان معمورا بعود وقهوةفذلك مسروق لعمري من الدهر
وكان أشد الناس شغفا ببنات جارية محمد بن حماد، فجاءت يوما إليه وهو مخمور، فسلمت عليه وقبلت يده، فأراد تقبيل يدها فارتعش فقال:
أقول وقد حاولت تقبيل كفهاوبي رعدة أهتزّ منها وأسكن
فديتك إني أشجع الناس كلهملدى الحرب إلا أنني عنك أجبن
وكان في أهل الحسن بن وهب عجوز اسمها منى، فعذلته في بنات هذه، فأحضرها مجلسه وسمعت غناءها، فقال الحسن:
ويوم سها عنه الزمان فأصبحتنواظره قد حار عنها بصيرها
خلوت بمن أهوى به فتكاملتسعودا ودار النحس عنها مديرها
أما تعذريني يا منى في صبابتيبمن وجهها كالشمس يلمع نورها
فقالت: لست أعاود لومك بعدها.
وحدث أحمد بن سليمان بن وهب قال: رآني عمي الحسن وأنا أبكي لفراق بعض من ألفته، فقال وجوّد:
ابك فما أنفع ما في البكالأنه للوجد تسهيل
وهو إذا أنت تأملتهحزن على الخدين محلول
وحدث أيضا قال قال لي عمي في يوم غيم: اكتب إلى فلان فادعه، فأطلت الخطاب، فقال دع ذاك واكتب:
بحسن هذا الضبابوحرمة الأصحاب
وطيب يوم التلاقيبطاعة الأحباب
إلّا أطعت رسوليوكنت أنت جوابي
وكتب الحسن إلى مالك بن طوق في حاجة: كتابي هذا بخطي بعد أن فرّغت له ذهني، فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني؟ فإن أحسنت لم أقصر في الشكر، وإن قصرت لا أقبل العذر.
ولأحمد بن الدورقي يهجو الحسن بن وهب:
لا بدّ يا نفس من سجوديللقرد في دولة القرود
هبت لك الريح يا ابن وهبفخذ لها أهب ة الركود
وللحسن بن وهب:
بنفسي وأهلي فاتن الطرف فاترهمحكمة أجفانه ومحاجره
يباشر خدي خده فكأننيبناظر أحشائي وقلبي أباشره
وقيل: كان على باب الحسن مسجد يصلى فيه أيام، فاتفق أن بنات التي كان يتعشقها جاءت إليه واشترطت عليه أن تمضي وقت صلاة عشاء الآخرة، فكتب إلى الإمام:
قل لداعي الصلاة أخّر قليلاقد قضينا حقّ الصلاة طويلا
ليس في ساعة تؤخرها إثم يجازى بها وتحيي قتيلا
وتراعي حق المودة فيناوتعافى من أن تكون ثقيلا
فحلف أن لا يؤذن العتمة شهرا.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع