تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسن بن محمد بن عبد الصمد بن أبي الشخباء

أبو علي العسقلاني:

صاحب الرسائل، مات في ما ذكره علي بن بسام في كتاب الذخيرة في سنة اثنتين

وثمانين وأربعمائة معتقلا بمصر في خزانة البنود، وكان يلقب بالمجيد ذي الفضيلتين، أحد البلغاء الفصحاء الشعراء، له رسائل مدونة مشهورة قيل إن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن [علي] البيساني منها استمدّ وبها اعتدّ، وأظنه كتب في ديوان الرسائل للمستنصر صاحب مصر لأن في رسائله جوابات إلى الفساسيري، إلا أن أكثر رسائله إخوانيات وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء وأمراء زمانه، وها أنا أكتب منها ما سنح لتعرف قدر بضاعته ومغزى صناعته، نظما ونثرا؛ قال من قصيدة:

أخذت لحاظي من جنى خديكأرش الذي لاقيت من عينك
هيهات إني إن وزنت بمهجتينظري إليك فقد ربحت عليك
غضّي جفونك وانظري تأثير ماصنعت لحاظك في بنان يديك
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «أخذت لحاظي من جنا خديك»
هو ويك نضح دمي وعزّ عليّ أنألقاك في عرض الخطاب بويك
وسلكت في فيض الدموع مسالكاقصرت بها يد عامر وسليك
صانوك بالسمر اللدان وصنتهمبنواظر فحميتهم وحموك
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «أخذت لحاظي من جنا خديك»
لو يشهرون سيوف لحظك في الورىما استنفروا فيها قنا أبويك
وهم المغاوير الكماة وإنماألقوا مقاليد القلوب إليك

وقد كتب إلى صديق له: لما حديت ركاب مولاي، أخذ صبري معه، وصحبه قلبي وتبعه:

فعجبت من جسم مقيم سائركمسير بيت الشعر وهو مقيّد

وبقيت بعده أقاسي أمورا تخفّ الحليم وترعي الهشيم، إن رجوت منها غفلة

اقتحمت، وإن رمت منها فرجة تضايقت والتحمت. وأما الوحشة فقد اصطبحت منها كأسا مترعة، وتجرعت من صابها أمرّ جرعة. ورأيت فؤادي إذا مرّ ذكر مولانا به يكاد يخرج من خدره، ويرغب في مفارقة صدره، حنينا يجدّده السماع، وصدودا تنتقض منه الأضلاع، وزفرة تدمي في عذارها، ويطلع في الترائب شرارها:

أداري شجاها كي تخلّي مكانهاوهيهات ألقت رحلها واطمأنت

وأما ما أعاني بعد مسيره فأشياء منها عيث الألم مرة بعد مرة، وزوال الاستمتاع بما يعرفه من تلك المسرة؛ ومنها اضطراري إلى كثرة مكاثرة من أعلم دخل سرائره، واختلاف باطنه وظاهره، وتكلف اللقاء له بصفحة مستبشرة، وأخلاق غير متوعرة.

والله يعلم نفور طباعي ممن رآه أهل الأدب من الأدب غفلا، ومن ذخائره مقفلا، لكن السياسة تقتضي اعتماد ما ذكرت، وتوجب قصد ما شرحت، وإن كان موردا غير عذب، وثقيلا على العين والقلب:

ولربما ابتسم الفتى وفؤادهشرق الضلوع برنّة وعويل

ومنها انعكاس كثير من الآمال، وارتشاف الزمن الصبابة الباقية من الحال، بجوائح مصرية وشامية، وفوادح أرضية وسمائية. ولا أشكو بل أسلّم له مذعنا، وأرى فعله كيف تصرفت الأحوال جميلا حسنا:

ومن لم يسلّم للنوائب أصبحتخلائقه طرّا عليه نوائبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»

والله تعالى المسؤول أن يهب لي من قرب مولاي ما يأسو هذه الكلوم، ويجدد من المسرّة عافي الرسوم، فجميع الحوادث، وسائر النوائب الكوارث، إذا قربت الخطوة، واستجيبت هذه الدعوة، تمسي غير مذكورة، وبجناح التجاوز مكفورة.

وكتب إلى أبي الفرج الموفقي جوابا عن رقعة: وصلت رقعة مولاي والصبح

قد سل على الأفق مقضبه، وأزال بأنوار الغزالة غيهبه، فكانت بشهادة الله صبح الآداب ونهارها، وثمار البلاغة وأزهارها، قد توشحت بضروب من الفضل تقصر قاصية المدى، وتجري به في مضمار الأدب مفردا:

فكأن روض الحزن تنشره الصباما ظلت من قرطاسها أتصفح
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «سل في الغضا وصبا الأصائل تنفح»

فأما ما تضمنته من وصفي فقد صارت حضرته السامية تتسمح في الشهادة بذلك مع مناقشتها في هذه الطريقة، وأنها لا توقع ألفاظها إلا مواقع الحقيقة، فإن كنت قد بهرجت عليها فلتراجع نقدها، تجدني لا أستحق من ذلك الإسهاب فصلا، ولا أعدّ لكلمة واحدة منه أهلا. وبالجملة فالله ينهضني بشكر هذا الانعام الذي يقف عند الثناء ويظلع، ويحصر دونه الخطيب المصقع:

هيهات تعيي الشمس كلّ مرامقويعوق دون منالها العيّوق

وأما الفصل الذي أودعه الرقعة الكريمة من قوله: «فأما فلان فيحلّ في قومه ويفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد، قدوره عمارية، وعطسات جواريه أسدية، تراهنّ أبدا يمشين في حلل الشباب ويهوين لو خلق الرجال خلق الضباب، يتضوّعن النشر العبقسي، ويرضعن مراضع ثعالة المجاشعي» وما أمرت حضرته السامية من ذكر ما عندي فيه، فقد تأمّلته طويلا وعثر الخادم فيه بما أنا ذاكره، راغبا في الرضى بما بلغت اليه المقدرة، وتجليل ذلك بسجوف الصفح.

أما قوله: «يفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد» فيقع لي أنه أراد خالد بن الوليد المخزومي، وذلك أن مسيلمة الحنفي كان قد تنبأ بعد رسول الله ﷺ، وحديثه مشهور، فبعث إليه أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد المقدم ذكره في جيش كثيف من المسلمين، ففتح اليمامة وقتل مسيلمة وأباد جماعة كثيرة من بني حنيفة.

وأما قوله «قدوره عمّاريّة» فإن هذا الفصل لما كان مبنيا على الذمّ وجب أن يتطلب لهذا السبب معنىّ يجب حمله عليه، ولم يجد ما ينسب إليه إلا قول الفرزدق:

لو أن قدرا بكت من طول ما حبستعلى الحقوق بكت قدر ابن عمار
ما مسّها دسم مذ فضّ معدنهاولا رأت بعد نار القين من نار

وأما قوله «عطسات جواريه أسدية» فيقوى في وهمي أنه أراد قول الأول في هجائه:

إذا أسدية عطست فنكهافإن عطاسها طرف الوداق

وأما قوله: «يهوين لو خلق الرجال خلق الضباب» فإن الجاحظ ذكر في «كتاب الحيوان» أن للضب أيرين وللضبة حرين، وحكى أن أير الضبّ أصله واحد، وإنما يتفرق فيصير أعلاه اثنين، واستشهد على ذلك بقول الفزاري:

رعين الدبا والبقل حتى كأنماكساهن سلطان ثياب مراجل
سبحل له نزكان كانا فضيلةعلى كلّ حاف في البلاد وناعل

والنزك: اسم أير الضب، وأنشد الأصمعي لأبي درماء فيما رواه أبو خالد النميري:

تفرقتم لا زلتم قرن واحدتفرّق أير الضبّ والأصل واحد

ومن ها هنا قالت حبّى المدنية لما عذلها أبوها في تزوجها ابن أم كلاب:

وددت بأنه ضبّ وأنيضبيبة كدية وجدت خلاء

وأما قوله: «يتضوعن النشر» فمن أمثال العرب: «هو أخسر صفقة من شيخ مهو» وهو بطن من عبد القيس بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن نزار بن معد بن عدنان، وكان من خبره أن إيادا كانت أفسى العرب، فوفد وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ ومعه حلة نفيسة، فقال: يا معشر العرب من يشتري مني مثلبة قوم لا تضرّه بحلتي هذه؟ فقال الشيخ المهوي: أنا أشتريها، فقال الإيادي: أشهدكم يا معشر العرب أني قد بعت فساء إياد لوافد عبد القيس بحلّتي هذه، وتصافحا وافترقا متراضيين، وقد شهد عليهما أهل الموسم فصارت عبد القيس أفسى العرب. وقيل لابن مناذر: كيف الطريق إلى عبد القيس؟ فقال: شمّ ومرّ:

فإن عبد القيس من لؤمهاتفسو فساء ريحه تعبق
من كان لا يدري لها منزلافقل له يمشي ويستنشق
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

وأما قوله: «أعطش من ثعالة المجاشعيّ» فمن أمثال العرب فيما ذكره الكلبي قال: هما رجلان من بني مجاشع عطشا، فالتقم كلّ واحد منهما أير صاحبه يشرب بوله، فلم يغن عنهما شيئا وماتا عطشا، ووجدا على تلك الحال، قال جرير يهجو بني دارم:

رضعتم ثم سال على لحاكمثعالة حين لم تجدوا شرابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

هذا ما وقع لي في هذا الفصل، وأرجو أن تكون قد ذهبت إلى ما قصده قائله.

ومن كلامه يهنىء بكسر أتسز الغزّي، وكان ذلك لثمان ساعات مضين من يوم الاثنين في العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة تسع وستين وأربعمائة: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

(آل عمران:)

قد ارتفع الخلاف بين الكافة أن الله ذخر للدولة الفاطمية- ثبّت الله أركانها- من الحضرة العليّة المنصورة الجيوشية- خلد اله سلطانها- من حمى سوادها، ونصر أعلامها، وضمّ نشرها، وحفظ سريرها ومنبرها، بعد أن كان الأعداء الذين ارتضعوا درّ إنعامها، وتوسموا بشرف أيامها، فطردت يد الاصطناع إملاقهم، وأثقلت قلائد الإحسان أعناقهم، خفروا ذمم الولاء، وكفروا سوابغ الآلاء، ففجأتهم الحوادث من كلّ طريق، ونعب بهم غراب الشتات والتفريق، واستباحتهم يد الشدائد فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ

(النحل:). ولم تزل النفوس منذ طرق أتسز بن أوق اللعين هذه البلاد، وأنجم فيها أنجم الفساد، وتعدّى حدود الله وكلماته، وتعرض لمساخطته ونقماته، عالمة بأن إملاء الحضرة العلية- مد الله ظلها على الكافة- لم يكن عن استعمال رخصة في هذه الحال، ولا سكون الى عوارض من الإغفال والإهمال، بل هو أمر ركب فيه متن التدبير، وجرت بنقله المقادير. واتبع فيه قوله تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ

(الحج:) وحين خدمته المطالع المردية إلى الأعمال القاهرة مؤملا انفصام عروة الله المتينة، وأفول ما توقّد من شجرة مباركة زيتونة، سكنت النفوس إلى [أن] الحضرة العلية- ثبت الله مجدها- ستجرّد له من عزماتها الباقية ما يعجّل دماره، وتنتضي له [من] آرائها الكاملة ما يعفّي آثاره. وحين توالت الأنباء، واصطلمت الرجال بانكسار اللعين، وما منحته الحضرة من النصر المبين، حتى نهبت الأموال وتحكّمت السيوف بحكم القادر الغالب، وأكلتهم الحرب أكل الغرثان الساغب، وأنشبت فيهم أظافرها المنية، وكسيت الأرض من دمائهم حلّة عسجدية، وولّى المخذول على أدباره، ونكص على أعقابه بوبيل أوزاره، يخاف من نجوم الليل أن ترجمه، ومن شمس النهار [أن] تصطلمه، وترك ما معه يقسّم يمينا وشمالا، ومن حشده يقتّل ركبانا ورجالا، علم أن لله تعالى عناية بالدولة الزاهرة، وتحقق أن له سبحانه رعاية بالملة الطاهرة، تحوط أقطارها، وتضاعف أنوارها، ولطفا خفيا بهذه الرعية، ومشيئته نافذة في هذه البرية، التي لولا مقام الحضرة العلية لمزّق أديمها، واستبيح حريمها. والله المحمود على ما منح الأمة من هذه النعمة، والمسؤول أن يشدّ ببقاء الحضرة العلية قواعد الاسلام، ويسم بمحامدها أغفال الأيام، ويستخدم لها

السيوف والأقلام، حتى لا يبقى على الأرض مفحص قطاة إلا وقد دوخها سنابك خيولها، ولا مسقط نواة إلّا وقد ركزت فيه صدور رماحها ونصولها.

فقد دفعت- أدام الله جمال الدنيا ببقائها، وأعز كمال الدين ببأسها وأصالة رائها- خطبا جسيما، واستلقحت من السياسة أمرا عقيما، وأعادت شمل الأمة ملموما نظيما. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكان فضل الله عليك عظيما. فأما العبد المملوك فقد تلاعبت به أيدي الأقدار، وقذفته العطلة في هوّة بعيدة الأقطار، وهو يعد نفسه ويوفيها، ويسوّفها ويمنيها، أنّ مراحم الحضرة- نصر الله أعلامها- تعيد كساد بضاعته نفاقا، واضطراب حاله انتظاما واتساقا، وسكون ريحه خفوقا، وغروب حظه شروقا، إن شاء الله تعالى.

وكتب الى بعض إخوانه: أغبّ كتاب مولاي حتى أضرم نارا في الفؤاد، وحالف بين جفني والسهاد:

ثم وافى بلفظه الرائق العذب وأغنى عن الزلال البرود
وقرأته متنزهافي روضه وغديره
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «وقرأته متنزهاً»
جمع البلاغة كلّهاتختال بين سطوره
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «وقرأته متنزهاً»
فالدرّ في منظومهوالسحر في منثوره
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «وقرأته متنزهاً»

وعرفت ذكر الشوق الذي هيّج أحزانا، ونكأ قرحا لا يندمل زمانا، وإن عندي بشهادة الله ما يضرم ناره، ويشب أواره، والله تعالى يسهل من ألطافه الخفية ما يجمع الشمل، ويصل الحبل، ويقرّب الدار، ويدني المزار، بمحمد وآله والأئمة الأطهار. وأما حالي بعده، وارتياحي إلى ما عنده، وتأسفي على الفائت من أخلاقه التي هي من الحسن أدقّ، ومن الماء أصفى وأرقّ، فحال صبّ أخذ ما في فؤاده، وحولف بين طرفه وسهاده، فحرم لذلك لذيذ رقاده. وأما عتبه عليّ لتأخّر كتبي عنه، وبعدها منه، فهو يعلم- حرس الله مدته- أنني إذا واصلت أو أغببت، أنه سمير خاطري، وإن غاب عن ناظري، وهو نازل بضمائري، وإن بان من بين مخالطي ومعاشري:

يا غائبا عن ناظريوحاضرا في خاطري
لا تخش مني جفوةفباطني كظاهري

والله يعلم أني لم أغفل كتابه صرما وهجرا، ولا أهملت مجاوبته نقضا لمودته الكريمة ولا غدرا، فإنه من العين بمكان السواد، ومن الصدر بموضع الفؤاد، وبسبب هذا الاعتقاد، وما ذكرت من محض الوداد، أبثّه أشجانا، وأطلعه على أسراري إسرارا واعلانا، ثقة بودّه، وتمسكا بوثيق عهده وعقده، لو رآني فسح الله مدته، وضاعف عليّ مودّته، لرأى صبا قلبه خفيق، ودمعه طليق:

قلق الضمير بظبية وهنانةفلها بقلبي هزة وعلوق
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «قلق الضمير بظبيةٍ وهنانةٍ»
الوجه طلق والوشاح مهفهفوالردف دعص والقوام رشيق
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «قلق الضمير بظبيةٍ وهنانةٍ»
وتبسمت عن واضح فضحت بهسطع البروق ونمّ منه رحيق
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «قلق الضمير بظبيةٍ وهنانةٍ»

هذه الأبيات تغني عما أردت أن أشرحه، وتنبىء عن مكنون ما سبيلي أن أثبته وأوضحه، والله المسؤول أن يقضي مأربي بسعادة جده، ويزيل عني ما أخشاه بتمام إقباله ومجده، وكتابه هو فسحة للصدر، ومنية ما يطلب من الدهر، ولرأيه علوه في إمضائه إليّ، ووفوده عليّ.

وكتب إلى ابن المغربي يهنئه بالفتوح: أطال الله بقاء سيدنا الوزير الأجلّ ما سطع الصبح بعموده، وهمهم السحاب برعوده، وطلعت في الافق أنجم سعوده:

نعتدّه ذخر العلا وعتادهاونراه من كرم الزمان وجوده
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا عارضا متلفعا ببروده»
والدهر يضحك من بشاشة بشرهوالعيش يطرب من نضارة عوده
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا عارضا متلفعا ببروده»

فقد ألبس الله الدهر من مناقب الحضرة السامية ما أخرس اللائمة، وأفاض على الكافة من آلائها ما تملك به رقّ المآثر، ويعجز عنه كلّ ناظم وناثر:

يقصّر عنه لسان البليغويفضل عن مقلة الناظر
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

فما تنفكّ- خلد الله أيامها- تذود عن الدولة برأي صائب، وحساب قاضب، يتحاسد عليه الدرع والدراعة، ويتنافس فيه الصمصامة واليراعة، والملك بين هذين متين العماد، مستبحر الثماد:

ما زال قائد كتبة وكتيبةبأصيل رأيي منصل وفؤاد
شبهان من قلم ومن صمصامةشهرا ليوم ندى ويوم جلاد

وما وقفت في هذا المقام موقفا وحشيا، ولا وقع عندها موقعا أجنبيا، بل اقتفت آثار أسلاف خفقت عليهم ألوية المعالي وبنودها، ووسمت بأسمائهم جباه الممالك وخدودها، وتحيف الكرم أموالهم وهي أثيثة الجناح، وذللت عزائمهم من النّوب وهي شديدة الجماح:

كتّاب ملك يستقيم برأيهمأود الخلافة أو أسود صباح
للشاعر البحتري، من قصيدة «يضحكن عن برد ونور أقاح»
بصدور أقلام يردّ إليهمشرف الرياسة أو صدور رماح

قد كان العبد خدم المجلس السامي بخدمة قصرها على التهنئة بما فتح الله تعالى من الظفر بالعدو الذي أطاع شيطانه، ومدّ في مضمار الغيّ أشطانه، واتبع ما أسخط الله وكره رضوانه، وجرى الله تعالى على جميل عادته في زلزلة أطواده، واستئصال أحزابه وأجناده، الذين غدت الرماح تستقي مياه نحورهم، والسيوف تنتهب ودائع صدورهم، والحمام يجول عليهم كلّ مجال، ويستدني إليهم نوازح الآجال:

ما طال بغي قطّ إلا غادرتفعلاته الأعمار غير طوال
فتح أضاء به الزمان وفتّحتفيه الأسنة زهرة الآمال

وأرجو أن يكون التوفيق قضى بوصولها، وأذن في قبولها، فيمتدّ ظل، ويثري مقلّ، ويصوب عارض مستهل:

أيعجز فضلك عن خادموأنت بأمر الورى مستقل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أيا من له الشرف المستقل»

وبحكم ما العبد عليه من تطلّع الأمل القويّ، وتوقع الإنعام الكسروي، عززها بهذه المناجاة، وإن كان على ثقة أن رشاه قد ألقي في الغدير القريب، ورائده قد خيّم بالمرتع الخصيب:

لو رأينا التوكيد خطة عجزما شفعنا الأذان بالتثويب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

وله- أدام الله عزه- الرأي العالي فيه، إن شاء الله تعالى.

وكتب إلى صارم الدولة ابن معروف: أطال الله بقاء الحضرة الصارمية يجري القدر على حسب أهويتها، ويعقد الظفر بعزائم ألويتها، وتحلّى بذكرها ترائب الأيام العاطلة، وتنجز بكرمها عدات الحظوظ المماطلة، ما أصحب الجامح، وأضاء السماك الرامح، وعافت الماء الإبل القوامح:

وما سحبت في مفرق الأرض ذيلهاخوافق ريح للسحاب لواقح
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «وما سحبت في مفرق الأرض ذيلها»
إذا رفض الناس المديح وطلّقوابنات العلا زفّت إليه المدائح
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «وما سحبت في مفرق الأرض ذيلها»

أيام الناس شهود مختلفة الأقوال، وصنوف متباينة الأحوال، فيوم تؤرخ السير بسؤدده وسنائه، وينطق بمحامد قوم ألسنة أبنائه، ويوم يخبو في موقف الجد شهابه، ويعبق بمسك المدام إهابه، فالحمد لله الذي جعل الحضرة السامية عقال الخطوب العوارم، ونظام المحاسن والمكارم، يعتدها الزمن نسيم أصائله، وزهر خمائله، وشموس مشارقه، وتيجان مفارقه، فيجب على كلّ من ضمّ اليراعة بنانه، وأطلق في ميدان البراعة عنانه، أن لا يخلي مجلسه من مدح معروضة، وخدم مفروضة، يسهب فيها الواصف، ويوجبها الإنعام المتراصف:

عسى منّة تقوى على شكر منّةوهيهات أعيا البحر من هو راشف
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «عسى منة تقوى على شكر منه»
ولو كنت لا تولي يدا مستجدةإلى أن توفّى شكر ما هو سالف
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «عسى منة تقوى على شكر منه»
حميت حريم المال من سطوة الندىوغاضت وحاشاها لديك العوارف
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «عسى منة تقوى على شكر منه»
وكم عزمة في الشكر كانت قويةفأضعفها إحسانك المتضاعف
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «عسى منة تقوى على شكر منه»
رعى الله من عمّ البرية عدلهفأنصف مظلوم وأومن خائف
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «عسى منة تقوى على شكر منه»
له منن في حرب خطب معاطفدماث وفي صدر الخطوب عواطف
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «عسى منة تقوى على شكر منه»

فكم داهل هدته- نصر الله عزائمها- بعد الضلال، وحرّ استنقذته من حبائل الإقلال، ومرهق خفّفت عنه وطأة الزمن المتثاقل، وطريق بوّأته من حرمها أمنع المعاقل:

منازل عزّ لو يحلّ ابن مزنةبها لسلا عما له من منازل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
فيا صارما يعطي وينسى عطاءهولم نر سيفا ذا وفاء ونائل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
يكاد يفيض البرق من وجناتهإذا ما أتاه سائل بوسائل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
إذا هو عرّى سيفه من غمودهوأفضى بفضفاض من السّرد ذابل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
وقد صبغ النقع النهار بصبغةترى ناصلا منها بياض المناصل
رأيت متون الخيل تحمل ضيغمامرير مذاق الكيد حلو الشمائل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
يلذّ له طعن الكماة كأنماجرى الشّنب المعسول فوق العواسل
وكم أخرست أطرافها من غماغملأقرانه واستنطقت من ثواكل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
من القوم لم تترك لهم عند كاشحطوال ردينياتهم من طوائل
إذا ما سروا خلف العدوّ وهجّرواتظلّل من أرماحهم في ظلائل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
وما ذبلت يوما خميلة عزةإذا زرعت فيها كعوب الذوابل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»
أوائل مجد لم يزل فاخرا بهاتميم بن مرّ أو كليب بن وائل
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «منازل عزٍ لو يحل ابن مزنةٍ»

ثم جاءته مناقب الحضرة العلية فتمّ بها مناقب تميم، وحكم لآل القعقاع أمر حكيم، ونصر لواء بني نصر، وأبدرت أهلة بني بدر، ونبه منبه هوازن، وظهرت

مزينة ومازن، وضحك لعبس عابس الدهر، وراحت الكلمة كاملة الفخر، وزادت مغايظ الأزد، وقشرت قشيرا عن بلوغ المجد، وأغمدت سيوف بني غامد، وصارت همدان كالجمر الهامد، وعنس مذحج كالعنس مذللة، وحمير بالراية الحمراء متظللة، وطوت طيء عملها استخذاء، وغضت جفنة جفونها استحياء، فحرس الله محاسن الحضرة السامية التي جباه الأنام بها موسومة، وتمم نعمها التي هي بينها وبين الناس مقسومة. ولا زالت الدولة الفاطمية تحمد عزائمها التي شهدت لها بمداومة الكفاة، وأنشرت من النصائح كلّ رميم رفات:

كأنك حين ظلّ الناس عنهاهديت إلى رضى هادي الدعاة
مزيل المال من ملك الاعاديوناظم شمله بعد الشتات
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «كأنك حين ضل الناس عنها»
سينطق بالثناء على عليّوعترته المنابر صامتات
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «كأنك حين ضل الناس عنها»
فقاد له إلى بغداد قوداتجلّى لحمها جنب الفرات
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «كأنك حين ضل الناس عنها»
عليها كلّ داني الحلم ثبتسفيه السيف من بعد الثبات
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «كأنك حين ضل الناس عنها»
كأنهم [وهم] لحم المنايايفيدون الحياة من الممات

يسابقون إلى العدوّ الأعنة، فتطعن عزائمهم قبل الأسنة، ويقتدون بالحضرة السامية في خوض الرّهج، وإرخاص المهج، وتحمّل الأعباء، في موالاة أصحاب العباء؛ ولا سلب الله هذا الثغر وأهله ما وهب لهم من إنعامه الذي يتهافت إليهم متناسقا، ويعيد غصن مجدهم ناضرا باسقا:

إذا ما قلى الناس السماح عشقتهوأحسن من يسدي المكارم عاشقا
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «حمى الله من كيد الزمان خلائقاً»
حمى الله من كيد الزمان خلائقاوسعت بها يا ابن الكرام خلائقا
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «حمى الله من كيد الزمان خلائقاً»
إذا أظلموا كانت شموسا طوالعاوان أجدبوا كانت غيوثا دوافقا
وقد زار شهر الصوم ربعك صابحاله بأفاويق السعود وغابقا
تنوّر بالقرآن أسداف ليلهفيبيضّ منها كلّ ما كان غاسقا
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «حمى الله من كيد الزمان خلائقاً»
تأرّج من تقواك فيه لطائميظلّ لها عرنين عامك ناشقا
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «حمى الله من كيد الزمان خلائقاً»
فعش أبدا ما شوهد الأفق أورقاوراح قضيب الأيك أخضر وارقا
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «حمى الله من كيد الزمان خلائقاً»
إذا عدّ قوم للمعالي أخامصاعددناك تيجانا لها ومفارقا
للشاعر الحسن بن محمد بن أبي الشخباء، من قصيدة «حمى الله من كيد الزمان خلائقاً»

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.